إنزكان البيئة.. مرفق النظافة بين متطلبات الخدمة وحدود دفتر الشروط والتحملات
متابعة: رضوان الصاوي
في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على دعم الاستثمار والمقاولة وتحسين جودة الخدمات العمومية، تفتح وضعية شركة «إنزكان البيئة» بإنزكان نقاشاً يتجاوز مسألة النظافة إلى سؤال الحكامة وحماية المرفق العمومي من الاستنزاف. فالمعطيات التي جمعتها جريدة «معكم24» تتحدث عن شركة تعبئ حوالي 20 شاحنة وأكثر، وعدداً مهماً من الحاويات، وثلاث فرق تشتغل من الرابعة صباحاً إلى ما بعد منتصف الليل، في وقت تواجه فيه، وفق مصادر الجريدة، حاويات تتعرض للتكسير، ونفايات تُرمى خارج المواقيت، وخدمات إضافية، وغرامات تتراوح بين 100 و2500 درهم للمخالفة الواحدة. وبينما تتحمل الشركة مسؤوليتها في تحسين الخدمة واحترام دفتر الشروط والتحملات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تتم محاسبتها فقط على ما يدخل ضمن التزاماتها التعاقدية، أم أنها أصبحت تتحمل كلفة اختلالات تتجاوز مسؤولياتها، من مخلفات الهدم وقص الأشجار إلى توسيع مجالات التدخل وتلف التجهيزات ؟ والأهم، هل هناك ما يثبت وجود توجه لاستنزاف المقاولة أو دفعها إلى تحمل خدمات وأعباء إضافية دون سند تعاقدي ومالي واضح ؟
ميدانياً، تكشف طريقة اشتغال الشركة عن منظومة تمتد تقريباً على مدار اليوم؛ فريق ينطلق حوالي الرابعة صباحاً لإنجاز الجولة الرسمية، وفريق ثانٍ من الثالثة بعد الزوال إلى السابعة مساءً في جولة تسمى «Repasse» الخاصة بالشوارع الرئيسية وإفراغ الحاويات، ثم جولة ليلية من التاسعة ليلاً إلى الثالثة صباحاً بمشاركة ثلاث شاحنات مخصصة للشوارع الرئيسية والأسواق، بالتوازي مع فرق الكنس. غير أن هذا المجهود يصطدم بسلوكيات تزيد الضغط على المرفق، إذ اطلعت الجريدة على فيديوهات تظهر حاويات متوفرة وبأحجام مناسبة، بينما توضع النفايات أحياناً بعيداً عنها، كما تتحدث المعطيات عن إخراج النفايات خارج المواقيت المحددة. ويضاف إلى ذلك ملف الحاويات التي تتعرض للتكسير أو تستعمل، بحسب مصادر، من طرف بعض الأنشطة التجارية، إلى جانب التخلص من الرماد الساخن داخل الحاويات من طرف بعض المخابز والأفران، وهي ممارسات قد تحول كل حاوية متضررة وكل شاحنة معرضة للخطر إلى فاتورة إضافية تتحملها المنظومة. وهنا لا يمكن اختزال أزمة النظافة في أداء الشركة وحده، لأن المواطن والتاجر وأرباب الأنشطة المختلفة والجهات المكلفة بالمراقبة جميعهم جزء من المعادلة، كما أن ظهور النفايات في الشارع لا يجيب وحده عن سؤال حجم الجولات المنجزة والمسارات المقطوعة والموارد التي يتم تعبئتها فعلياً.
وفي الجانب الأكثر حساسية، تبرز الغرامات التي تتراوح، وفق المعطيات المتوفرة، بين 100 و2500 درهم، وما يرتبط بها من تساؤلات حول طبيعة المخالفات وأساسها التعاقدي، خصوصاً في ملفات مخلفات الهدم وقص الأشجار والخدمات التي تقول مصادر إنها تتجاوز أحياناً نطاق دفتر الشروط والتحملات. فالغرامة لا تصبح مشروعة بمجرد تحرير محضر؛ المطلوب معرفة البند التعاقدي الذي تستند إليه، وطبيعة المخالفة، وكيف تم تحديد قيمتها، وهل تم تمكين الشركة من التوضيح أو التصحيح عندما يسمح العقد بذلك. كما أن الحديث عن تحرير بعض المحاضر في أوقات خارج التوقيت الإداري وأيام العطل يستوجب، بدوره، العودة إلى الوثائق والتحقق من تاريخ المحضر وساعته وهوية محرره والأساس القانوني أو التعاقدي الذي اعتمد عليه. وبالموازاة مع ذلك، أعادت الإدارة الجديدة للشركة، وفق مصادر الجريدة، ترتيب البيت الداخلي من خلال تشديد الانضباط وربط الأجر بأداء العمل فعلياً، وإنهاء ما تصفه المصادر بممارسات كانت تسمح لبعض الأشخاص، من بينهم محسوبون على منتخبين، بالاستفادة من الأجر دون أداء فعلي، وهو ما تلاه ظهور انتقادات وحملات إلكترونية ضد المسؤول الجديد. وبينما ترى مصادر أن جزءاً من هذه الحملات قد يكون محاولة للضغط على الإدارة وإفشال الإصلاح، فإن الصحافة الجادة لا يمكنها الجزم بذلك دون أدلة، كما أن الادعاءات المتعلقة بضغط بعض عناصر المراقبة على العمال للحصول على جزء من مداخيل ما يعرف محلياً بـ«الميخالة» تبقى بدورها معطيات تستوجب البحث والتحقق وترتيب المسؤوليات إن ثبتت، بدل تركها تتحول إلى وقود لحرب مفتوحة بين أطراف المرفق.
في النهاية، القضية ليست معركة بين شركة وجماعة، ولا صراعاً بين عامل ومسؤول، ولا مناسبة لتحويل منصات التواصل إلى محاكم تصدر الأحكام قبل ظهور الوثائق. القضية هي حكامة مرفق عمومي له كلفة مالية وبشرية يومية، وكل خلل فيه له فاتورة: الحاوية المكسورة فاتورة، الشاحنة المتضررة فاتورة، الوقود والجولات الإضافية فاتورة، الخدمات الخارجة عن المجال التعاقدي فاتورة، والغرامات أيضاً فاتورة. لذلك فإن الطريق الوحيد لإغلاق باب الجدل هو نشر الحقيقة بالأرقام والوثائق: كم غرامة حُررت؟ وما أساسها؟ كم حاوية تم تكسيرها؟ ومن يتحمل كلفتها؟ كم شاحنة تشتغل فعلياً؟ وما هي مساراتها؟ وما حجم الخدمات الإضافية؟ وما الذي ينص عليه دفتر الشروط والتحملات بالضبط؟ فحماية الاستثمار لا تعني إعفاء «إنزكان البيئة» من المحاسبة، كما أن المراقبة لا تعني استنزاف المقاولة أو تحميلها ما لم تلتزم به. المطلوب ببساطة هو تطبيق العقد بعدالة، ومحاسبة الشركة على تقصيرها إن ثبت، ومحاسبة كل من يعرقل المرفق أو يتسبب في إتلاف تجهيزاته، وضبط الغرامات وفق سند واضح، حتى لا تتحول شركة النظافة إلى كبش فداء دائم لكل ما يحدث في شوارع إنزكان. وعندها فقط يصبح السؤال الحقيقي قابلاً للإجابة: من يستنزف مرفق النظافة في إنزكان ؟