من سبتة ومليلية إلى جيل الغد.. حين تتحول الهجرة إلى مرآة لأزمة اجتماعية عميقة
غزلان الورزازي
لم تعد مشاهد الهجرة الجماعية ومحاولات العبور نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين مجرد أحداث عابرة يمكن فصلها عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي العام، بل باتت، وفق قراءة التنسيقية الوطنية للأساتذة وأطر الدعم الذين فرض عليهم التعاقد، تعبيراً صارخاً عن حجم الاحتقان الاجتماعي واتساع دائرة اليأس والإقصاء، خصوصاً في صفوف فئات شابة باتت ترى في المستقبل أفقاً شديد الضبابية.
وفي بيان صادر عن مجلسها الوطني بتاريخ 05 غشت 2026 بالرباط، وضعت التنسيقية هذه الأحداث في سياق أوسع، معتبرة أن ما جرى لا ينبغي التعامل معه باعتباره ظاهرة معزولة أو مجرد اندفاع فردي نحو الهجرة، وإنما باعتباره نتيجة لتراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، أصبحت تدفع قطاعات من المجتمع إلى البحث عن مخرج خارج الحدود.
وفي قراءة التنسيقية، فإن مشاهد العبور نحو سبتة ومليلية تحمل دلالات تتجاوز حدود الهجرة نفسها؛ فهي، بحسب موقفها، صورة مكثفة لأزمة بنيوية تتداخل فيها البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وضعف الثقة في المستقبل.
وتربط التنسيقية هذه الوضعية بما تعتبره تعميقاً للفوارق الطبقية واستحواذاً لما تصفه بـ”الأوليغارشية” على السلطة السياسية والثروة الوطنية، إلى جانب اعتماد سياسات لا شعبية ولا ديمقراطية، ومشاريع ذات ميزانيات ضخمة ترى أنها لم تنعكس بالشكل المأمول على الحياة اليومية للمواطنين.
وهنا تطرح الأحداث سؤالاً أكبر من سؤال الهجرة: ماذا يحدث عندما يفقد الشباب الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل وطنهم؟
ولا تحصر التنسيقية أسباب الاحتقان في العامل الاقتصادي وحده، بل تقدم قراءة أشمل للسياسات العمومية، معتبرة أن تقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والشغل، ساهم في تعميق الأزمة.
كما تنتقد ما تعتبره استمراراً لمنطق التقشف وانسجاماً مع توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، داعية إلى مراجعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة، والانتقال نحو سياسات عمومية ديمقراطية وشعبية، بحسب تعبيرها.
ويحتل التعليم والصحة موقعاً مركزياً في هذا الطرح، باعتبارهما، في نظر التنسيقية، حقين أساسيين لا ينبغي أن يتحولا إلى خدمات مرتبطة بالقدرة المالية للأسر. ولذلك تؤكد ضرورة ضمان الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب تعليم عمومي مجاني يمتد من التعليم الأولي إلى التعليم الجامعي، لجميع أبناء الشعب المغربي دون تمييز.
ويذهب بيان التنسيقية إلى أن الاحتقان الحالي لا يمكن فصله عن تاريخ من الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
فقد استحضر البيان حراك الريف، واحتجاجات جرادة وزاكورة، إلى جانب احتجاجات التنسيقية الوطنية للأساتذة وأطر الدعم، والحراك التعليمي، فضلاً عن احتجاجات جيل GenZ212، معتباً أن طريقة التعامل مع عدد من هذه الحركات الاحتجاجية السلمية اتسمت، وفق تقييمه، بالمقاربة القمعية والقضائية، من خلال الاعتقالات والمتابعات الزجرية.
ومن هذا المنظور، ترى التنسيقية أن معالجة الاحتقان لا يمكن أن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية أو القضائية، بل تستوجب، بحسب موقفها، معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج الاحتجاج وتعيد إنتاجه.
وفي الجانب الإنساني من البيان، تقدمت التنسيقية بأحر التعازي والمواساة إلى عائلات الضحايا وذويهم، معبرة عن أسفها لما وصفته باستشهاد أبنائهم الأبرياء خلال محاولات العبور نحو سبتة.
وطالبت الدولة بتحمل مسؤوليتها في مواجهة ما تعتبره تفاقماً للفقر والهشاشة في صفوف الشباب، وانسداداً للأفق أمام فئات واسعة تبحث عن فرصة للعيش الكريم.
كما دعت إلى إعلان حداد وطني على ضحايا العبور إلى سبتة، معتبرة أن حجم المأساة يستدعي، في نظرها، الوقوف عند أسبابها العميقة وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
ولعل أكثر المطالب التي تكشف عن طبيعة الأزمة من منظور التنسيقية تلك المرتبطة بولوج الوظيفة العمومية.
فالتنسيقية تطالب برفع حاجز تسقيف السن أمام ولوج قطاع التعليم وباقي القطاعات العمومية، بما يتيح، وفق طرحها، لشباب وشابات الوطن من حاملي وحاملات الشهادات فرصاً أكبر للاندماج المهني.
فبالنسبة إلى هذه الفئة، لا يتعلق الأمر فقط بفرصة عمل، وإنما بإمكانية استعادة الإحساس بالاستقرار وبناء المستقبل داخل الوطن.
ومن هنا تبدو قضية التشغيل أكثر من مجرد ملف اجتماعي؛ إنها، وفق منطق البيان، جزء من معادلة الاستقرار نفسها. فكلما تقلصت فرص العمل وارتفعت كلفة الحياة واتسعت الفوارق الاجتماعية، أصبح سؤال الهجرة أكثر حضوراً في مخيلة الشباب.
يضع بيان التنسيقية النقاش أمام معادلة واضحة: هل يمكن معالجة مظاهر الاحتقان الاجتماعي دون معالجة جذوره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟
فالتنسيقية ترى أن أحداث سبتة ومليلية، إلى جانب مختلف الحركات الاحتجاجية التي استحضرتها، ليست سوى تعبيرات مختلفة عن أزمة أعمق، عنوانها الأبرز فقدان فئات من المجتمع، خصوصاً الشباب، للثقة في إمكانية تحقيق حياة كريمة ومستقرة.
وبينما تدعو إلى مراجعة السياسات العمومية، وضمان الخدمات الاجتماعية الأساسية، وتوسيع فرص التشغيل، ورفع القيود العمرية أمام حاملي الشهادات، فإنها تؤكد أن المرحلة تتطلب، بحسب موقفها، الانتقال من تدبير الاحتقان إلى معالجة أسبابه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ستُقرأ مشاهد العبور نحو سبتة ومليلية باعتبارها حادثاً عابراً، أم باعتبارها رسالة اجتماعية قاسية تستدعي إعادة النظر في علاقة الشباب بالمستقبل وبالوطن؟
ذلك أن الهجرة، في مثل هذه الحالات، قد لا تكون مجرد رغبة في الرحيل، بقدر ما تكون تعبيراً عن رغبة في حياة أفضل. وعندما يصبح البحث عن الأمل أقوى من الخوف من المجهول، فإن الرسالة التي يحملها المشهد تستحق، قبل كل شيء، أن تُقرأ بعمق.