«صوت المبادرة».. منصة توثّق قصص النجاح وتحوّل تجارب الشباب إلى ذاكرة حية للتنمية البشرية
غزلان الورزازي
حين تُقاس التنمية بما تتركه من أثر في حياة الإنسان، فإن قصص الذين استطاعوا تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع قائم تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية التي تستحق التوثيق. ومن هذا المنطلق، وُلدت منصة «صوت المبادرة» (Sawt Al Moubadara)، كمشروع يروم نقل تجارب رواد الأعمال الشباب، وتثمين مساراتهم، وتحويلها إلى مصدر إلهام للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، تم يوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026 توقيع اتفاقية شراكة بين مؤسسة ستارتاب جرو وB Tech Media والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية – عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، بهدف إطلاق المنصة التي اختير لها أن تكون فضاءً لتقاسم الخبرات، وتوثيق التجارب، والحفاظ على ذاكرة المسارات الريادية المنبثقة عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
من تمويل المشاريع إلى الاستثمار في الإنسان
ينطلق المشروع من تصور يعتبر أن التنمية المستدامة لا تقوم فقط على حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع التي تم تمويلها، وإنما على الأثر الذي تتركه هذه البرامج في حياة المستفيدين، وعلى المهارات التي يتم تطويرها والطموحات التي يتم إطلاقها والقصص الإنسانية التي تولد في طريقها.
وفي هذا الإطار، تأتي تجربة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها الملك محمد السادس يوم 18 ماي 2005، باعتبارها ورشاً ملكياً مهيكلاً جعل تنمية الرأسمال البشري في صلب استراتيجية التنمية بالمملكة.
وعلى امتداد مراحلها، رسخت المبادرة مقاربة تقوم على الإنصات والمواكبة وتعزيز القدرات وتمويل المشاريع والحكامة المحلية، وأسهمت في بروز جيل جديد من الشباب المنخرط في ريادة الأعمال، مع تعزيز موقع الرأسمال البشري كأحد مرتكزات التنمية.
«صوت المبادرة».. حين تتحول التجربة إلى ذاكرة
لا تقتصر فكرة المنصة على تقديم شهادات حول مشاريع ناجحة، بل تسعى إلى بناء أرشيف حي لمسارات الريادة التي خرجت من رحم برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
ومن خلال شهادات حقيقية لشباب استفادوا من المواكبة، ستتوقف المنصة عند مختلف مراحل الرحلة؛ من لحظة ولادة الفكرة، إلى تطويرها، ثم الانتقال بها إلى مشروع ريادي، وصولاً إلى مرحلة النمو والاستدامة.
وسيتم تسليط الضوء كذلك على مراحل المواكبة التي توفرها المبادرة، بدءاً من استقبال الشباب وتوجيههم داخل منصات الشباب، باعتبارها فضاءات للإنصات والمواكبة والعمل التشاركي، مروراً ببرامج دعم نضج المشاريع والتكوين وتعزيز القدرات، والتوجيه الشخصي «الكوتشينغ»، والمواكبة قبل وبعد إحداث المقاولة، وصولاً إلى آليات التمويل.
خلف كل مشروع.. قصة إنسان
الرهان الأساسي للمنصة يتمثل في نقل صورة مختلفة عن ريادة الأعمال؛ صورة لا تختزل المشروع في الأرقام والتمويل، بل تنظر إلى الإنسان الذي يقف وراءه.
فالمواكبة، وفق فلسفة «صوت المبادرة»، لا تنتهي عند توفير التمويل، وإنما تبدأ من مساعدة الشباب على اكتشاف قدراتهم، وتطوير مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للاستمرار.
وبهذا المعنى، تصبح قصة كل مستفيد تجربة قابلة للتعلم منها، وليس مجرد شهادة نجاح فردية، بما يسمح لشباب آخرين بالاستفادة من الدروس المستخلصة وتجنب العقبات التي واجهها أصحاب المشاريع السابقة.
الإعلام والتكنولوجيا في خدمة الذاكرة
ويمنح حضور B Tech Media في هذا المشروع بعداً رقمياً وسمعياً بصرياً، من خلال توظيف خبرتها في الإنتاج وصناعة المحتوى من أجل تحويل هذه المسارات إلى مادة قابلة للتوثيق والتداول.
وتتجاوز الرؤية بذلك مجرد إنتاج سلسلة من المقابلات، لتطمح إلى بناء ذاكرة سمعية بصرية لمسارات التنمية البشرية وريادة الأعمال، تحفظ التجارب والنجاحات والدروس المستفادة والتحولات الإنسانية المرتبطة بها.
وهو ما يمنح المنصة وظيفة مزدوجة: توثيق التجربة من جهة، وتحويلها إلى أداة للإلهام ونقل الخبرة من جهة أخرى.
حنان آيت عيسى: القصص الإنسانية هي التي تبقى
حنان آيت عيسى، الرئيسة المؤسسة لمؤسسة ستارتاب جرو وصاحبة مبادرة منصة «صوت المبادرة»، اعتبرت أن قيمة المشروع تكمن في الحفاظ على الجانب الإنساني لمسارات التنمية.
وقالت إن البنيات التحتية تُشيّد والمقاولات تنمو، لكن القصص الإنسانية تظل حاضرة عبر الزمن، مؤكدة أن طموح المنصة هو أن تصبح «الذاكرة الحية» للمسارات الريادية التي واكبتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وأن تتحول كل تجربة ناجحة إلى مصدر للإلهام والأمل ونقل الخبرة للأجيال الحالية والقادمة.
رشيد الرساني: التكنولوجيا حين تصبح في خدمة الإنسان
من جانبه، أكد رشيد الرساني، مؤسس B Tech Media ورئيس جمعية مستعملي الأنظمة المعلوماتية بالمغرب (APEBI)، أن التحول الرقمي يكتسب معناه الحقيقي عندما يوضع في خدمة الإنسان.
وأوضح أن «صوت المبادرة» تسعى إلى توظيف قوة الإعلام والتكنولوجيا في نقل التجارب وتثمين المواهب والحفاظ على ذاكرة المسارات الريادية المنبثقة عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، معتبراً أن إلهام شاب واحد اليوم يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد ومجتمع الغد.
من الاحتفاء بالشباب إلى بناء ذاكرة للمستقبل
ويأتي إطلاق المنصة تزامناً مع الاحتفال بعيد الشباب، بما يمنح المبادرة بعداً رمزياً يرتبط بالاحتفاء بقدرات الشباب المغربي وإبداعه وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، متى توفرت له المواكبة والتأطير الملائمان.
ويطمح الشركاء من خلال هذه الاتفاقية إلى جعل «صوت المبادرة» منصة مرجعية لنقل الخبرات والإلهام وتثمين التجارب الناجحة، مع الحفاظ على الذاكرة المرتبطة بمسارات الشباب الذين استفادوا من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
فالمشاريع، في نهاية المطاف، قد تغير ملامح المجالات، لكن الإنسان هو الذي يصنع التحول الحقيقي. وحين يتم توثيق مساراته ونقل تجاربه والاحتفاء بنجاحاته، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتخليد قصة فردية، بل ببناء ذاكرة تنموية يمكن أن تتحول إلى رصيد للأجيال القادمة.
ستارتاب جرو.. عقد من الاستثمار في ريادة الأعمال
وتأسست مؤسسة ستارتاب جرو سنة 2016، وهي منظمة مغربية غير ربحية تعمل في مجالات ريادة الأعمال والابتكار والقيادة وتنمية الرأسمال البشري.
ومنذ تأسيسها، تعمل المؤسسة على تطوير برامج للمواكبة والتكوين والإرشاد وبناء الشبكات المهنية، بهدف تمكين الشباب والنساء وتعزيز منظومة ريادة الأعمال في المغرب وإفريقيا.
أما B Tech Media، فتتخصص في الإنتاج السمعي البصري وصناعة المحتوى الرقمي، مع توجيه خبرتها نحو المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والتربوي والمؤسساتي.
وتظل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2005، أحد أبرز الأوراش الملكية التي جعلت تنمية الرأسمال البشري محوراً أساسياً في السياسات العمومية، من خلال تحسين ظروف عيش المواطنين وتمكين الشباب والنساء وتعزيز الإدماج السوسيو-اقتصادي وترسيخ ثقافة المبادرة على امتداد التراب الوطني.
ومن هنا، تأتي «صوت المبادرة» لتضيف إلى مسار هذه التجربة بعداً جديداً: أن لا تضيع قصص النجاح في زحمة المشاريع، وأن تتحول التجربة الفردية إلى معرفة جماعية، والنجاح إلى مصدر إلهام، والذاكرة إلى قوة لبناء المستقبل.