تقرير حقوقي يرصد تداعيات أحداث سبتة ومليلية ويدعو إلى تحقيق مستقل ومراجعة سياسات الهجرة
هيام بحراوي
سلط تقرير حقوقي مشترك صادر عن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان بالمغرب، الضوء على الأحداث التي شهدتها المناطق الحدودية المحيطة بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أواخر يوليوز وبداية غشت 2026، وما رافقها من تدفق جماعي للمهاجرين، وخسائر بشرية، وتوقيفات ومتابعات قضائية، إلى جانب تداعيات اجتماعية وحقوقية واسعة.
وبحسب التقرير، فقد تراوحت تقديرات أعداد الأشخاص الذين شاركوا في محاولات العبور الجماعي بين نحو 40 ألف شخص وفق معطيات منسوبة إلى وزارة الداخلية المغربية، و72 ألفاً وفق تصريح لوزير الداخلية الإسباني، ما يعكس حجم التدفق الاستثنائي الذي عرفته المنطقة خلال تلك الفترة.
وأفاد التقرير بأن الأحداث خلفت حصيلة بشرية وصفها بالمأساوية، مشيراً إلى بلوغ عدد الوفيات، وفق المعطيات التي جمعها، 141 شخصاً على الأقل. كما أورد أن مصادر إسبانية رسمية تحدثت عن انتشال 81 جثماناً، في حين أشارت منظمة «كاميناندو فرونتيراس» إلى انتشال 63 جثماناً في المياه المغربية.
وشدد التقرير على أن الأرقام المتعلقة بالوفيات والمفقودين لا تزال في حاجة إلى تدقيق مستقل، داعياً إلى الكشف عن الحصيلة النهائية للضحايا، وتحديد هويات المتوفين، وتمكين الأسر من معرفة مصير ذويها.
وتوقف التقرير كذلك عند التوقيفات والمتابعات القضائية التي أعقبت الأحداث، مشيراً إلى الاحتفاظ بعشرات الأشخاص رهن الاعتقال الاحتياطي في كل من تطوان والناظور، من بينهم قاصرون.
كما أثار التقرير قضية متابعة عدد من مهنيي سيارات الأجرة بمدينة تطوان بتهم مرتبطة بالمساعدة على الهجرة غير النظامية، وهي القضية التي أثارت بدورها ردود فعل منظمات ونقابات مهنية اعتبرت أن السائقين كانوا يؤدون مهامهم العادية في نقل الركاب.
وأفرد التقرير حيزاً مهماً لوضعية القاصرين، مشيراً إلى وجود أعداد كبيرة منهم في مراكز الإيواء بمدينة سبتة، إلى جانب استقبال مركز حماية الطفولة في مليلية لعدد من القاصرين الذين وصلوا بمفردهم.
وحذرت الهيئتان الحقوقيتان من المخاطر المرتبطة بإدارة ملف القاصرين من خلال المقاربة الأمنية، داعيتين إلى اعتماد مقاربة تقوم على حماية الطفل، وضمان حقوقه الأساسية، وإشعار أسرته بمكان وجوده، وفق الالتزامات القانونية والمواثيق الدولية ذات الصلة.
ويرى التقرير أن أحداث سبتة ومليلية لا يمكن فصلها عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها جزء من الشباب المغربي، منتقداً اختزال الظاهرة في شبكات الهجرة غير النظامية أو في فرضيات التدخل الخارجي.
ويربط التقرير بين الظاهرة وبين ارتفاع البطالة والهشاشة الاجتماعية وصعوبات الولوج إلى سوق الشغل، معتبراً أن التدفق الجماعي كشف، من وجهة نظره، عن وجود فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية وبين شعور فئات من الشباب بفرصهم المستقبلية داخل المجتمع.
كما يدعو التقرير إلى إعادة النظر في السياسات العمومية المتعلقة بالهجرة والشباب، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الأمنية، بل اعتماد سياسات اجتماعية واقتصادية قادرة على معالجة الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى.
وانتقد التقرير ما وصفه بـ«الخطاب الرسمي» الذي ركز، بحسب الهيئتين، على البعد الأمني وعلى دور شبكات تهريب المهاجرين، معتبراً أن هذا التفسير لا يستوعب، في نظرهما، مجمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تقف وراء الظاهرة.
كما أثار التقرير مسألة التواصل الرسمي مع أسر المفقودين والمتوفين، داعياً إلى توفير معلومات دقيقة وشفافة حول مصير الأشخاص الذين لا تزال عائلاتهم تجهل أماكن وجودهم.
و دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان بالمغرب إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في الأحداث، بهدف تحديد ملابسات ما وقع وترتيب المسؤوليات القانونية، فضلاً عن الكشف عن العدد الحقيقي للضحايا والمفقودين.
كما طالبت الهيئتان بحماية القاصرين، ومراجعة السياسات المعتمدة في مجال الهجرة، وتعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للشباب، إلى جانب فتح نقاش وطني حول الأسباب العميقة التي تجعل الهجرة غير النظامية خياراً مطروحاً أمام فئات من المواطنين.
وتعيد أحداث سبتة ومليلية، وفق التقرير، ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش المغربي والإسباني والأوروبي، ليس باعتباره قضية حدودية وأمنية فحسب، وإنما باعتباره أيضاً اختباراً للسياسات الاجتماعية، ولقدرة المؤسسات على حماية الحق في الحياة والتعامل مع الأزمات الإنسانية بقدر أكبر من الشفافية والفعالية.