شريط الأخبار

4"][/video]

حين تصبح «مرونة» التكوين بابا للرسوم.. التجديد الطلابي يرفض تحويل الجامعة العمومية إلى فضاء للأداء

هيام بحراوي

أعاد الجدل حول التكوين بالتوقيت الميسر داخل الجامعات المغربية النقاش بشأن حدود مجانية التعليم العالي، وموقع الدولة في تمويل الجامعة والبحث العلمي، بعدما دخلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التجديد الطلابي على خط السجال، رداً على بلاغ منتدى رؤساء الجامعات الصادر في 7 غشت 2026 بشأن التكوين بالتوقيت الميسر.

وترى المنظمة أن القضية تتجاوز الجانب البيداغوجي أو التقني المرتبط بتنظيم الدراسة، لتلامس، في نظرها، اختياراً سياسياً ومجتمعياً أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والجامعة، وبالحق في التعليم والبحث العلمي ودور الجامعة في تحقيق الارتقاء الاجتماعي.

ولم تتوقف المنظمة عند مضمون البلاغ الجامعي، بل وضعت طريقة تدبير هذا النقاش في صلب اعتراضها، معتبرة أنه من غير المقبول، من وجهة نظرها، أن يتم تمرير توجه حكومي من خلال بلاغات صادرة عن منتدى رؤساء الجامعات، بينما يفترض أن يتحمل الفاعل السياسي مسؤوليته الكاملة أمام الرأي العام والمؤسسات الدستورية.

وبحسب المنظمة، فإن إقحام المؤسسات الجامعية في هذا النقاش قد يحول موضوعاً ذا طبيعة سياسية ومجتمعية إلى نقاش إداري أو أكاديمي، في وقت تعتبر فيه أن القرار المتعلق بفرض واجبات التسجيل يستوجب نقاشاً عمومياً واضحاً حول الخيارات التي تحكم سياسة التعليم العالي.

وتؤكد اللجنة التنفيذية، في المقابل، احترامها للمؤسسات الجامعية وللأدوار العلمية التي تضطلع بها، لكنها ترفض، وفق موقفها، تحميل الجامعة مسؤولية خيارات ترى أنها تتجاوز الاختصاص البيداغوجي إلى الاختيار السياسي.

التوقيت الميسر.. صيغة اختيارية أم أمر واقع؟

الجانب الأكثر إثارة في موقف المنظمة يتعلق بما تعتبره فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني داخل عدد من الجامعات.

فمن خلال معطيات تقول المنظمة إن مناضليها رصدوها خلال الموسم الجامعي المنصرم، فإن نظام التوقيت الميسر لم يعد، في حالات عديدة، مجرد صيغة موازية واختيارية، وإنما تحول إلى أمر واقع بالنسبة إلى فئات واسعة من الموظفين والأجراء.

وتشير المنظمة إلى أن بعض الطلبة الذين تسمح طبيعة عملهم فعلياً بمتابعة الدراسة بالتوقيت العادي يجدون أنفسهم مطالبين بالتسجيل في التوقيت الميسر، وهو ما تعتبره خروجاً عن فلسفة الاختيار التي يفترض أن يقوم عليها النظام.

وتستشهد اللجنة التنفيذية، على سبيل المثال، بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث تقول إن الراغبين في التسجيل بالتوقيت العادي يُطلب منهم الإدلاء بشهادة عدم العمل، وإلا تم إلزامهم بالتسجيل بالتوقيت الميسر، حتى في حالات تتعلق بحراس أمن خاص أو موظفين أو أجراء بإمكانهم، وفق المنظمة، حضور الدروس في التوقيت العادي.

وتتجاوز انتقادات المنظمة مسألة التسجيل لتصل إلى طريقة تنظيم الدروس والامتحانات ، فبحسب معطيات تقول المنظمة إنها موثقة، جرى تدريس عدد من الوحدات في ماستر التشريع وعمل المؤسسات الدستورية وماستر الأعمال الإدارية والمالية بالكلية نفسها بشكل مشترك بين طلبة التوقيت العادي وطلبة التوقيت الميسر.

كما تشير إلى تنظيم عدد من الامتحانات بشكل موحد بين الفئتين، وبرمجة حصص وامتحانات خارج التوقيت العادي بما يتلاءم مع حاجيات طلبة التوقيت الميسر.

وتعتبر اللجنة التنفيذية أن هذا الدمج يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الخدمة التي يتم تقديمها مقابل واجبات تسجيل إضافية، خصوصاً عندما تمتد آثار التوقيت الميسر إلى الطلبة المسجلين في التوقيت العادي أنفسهم.

فإذا كان الطلبة من النظامين يتقاسمون بعض الدروس والامتحانات، وإذا كان جزء من البرمجة الزمنية يخضع لمتطلبات التوقيت الميسر، فإن السؤال الذي تطرحه المنظمة هو: أين تنتهي الخدمة الجامعية العادية وأين تبدأ الخدمة الإضافية التي تبرر فرض رسوم إضافية؟

«التعلم مدى الحياة».. شعار للانفتاح أم مبرر للرسوم؟

ترفض منظمة التجديد الطلابي تقديم واجبات التسجيل باعتبارها تجسيداً لمبدأ «التعلم مدى الحياة».

وترى أن هذا المبدأ، في جوهره، ينبغي أن يقوم على إزالة العوائق أمام مواصلة التعلم وتطوير المسار العلمي والمهني، لا على خلق حواجز مالية جديدة أمام الموظفين والأجراء الراغبين في العودة إلى الجامعة أو استكمال تكوينهم.

ومن هذا المنطلق، تعتبر المنظمة أن تحويل الجامعة العمومية إلى فضاء يعتمد بشكل متزايد على منطق السوق والتمويل الذاتي قد يؤدي إلى إضعاف مبدأ الحق في التعليم وتكافؤ الفرص.

ويأخذ النقاش بعداً أكثر عمقاً عندما يتعلق الأمر بطلبة الدكتوراه.فمنتدى رؤساء الجامعات ربط، بحسب المنظمة، مسألة فرض واجبات التسجيل بكون نسبة مهمة من طلبة الدكتوراه موظفين، وهو ما تعتبره اللجنة التنفيذية معالجة للنتيجة بدل البحث عن أسبابها.

وتطرح المنظمة سؤالاً مركزياً: لماذا لم يعد الشباب قادراً على التفرغ للبحث العلمي؟ فبالنسبة إليها، تحولت الدكتوراه بالنسبة إلى آلاف الطلبة إلى سنوات من الانتظار والبطالة المقنعة، في ظل محدودية المنح وغياب حماية اجتماعية ووضعية لا ترقى، بحسب تعبيرها، إلى المكانة التي يفترض أن يحظى بها الباحث.

وترى أن الحل لا يكمن في تحميل هؤلاء الطلبة جزءاً من كلفة البحث العلمي، وإنما في توفير شروط تسمح للباحثين بالتفرغ والإنتاج العلمي، وتحويل البحث العلمي إلى استثمار حقيقي في مستقبل البلاد.

من الجامعة كرافعة اجتماعية إلى الجامعة بمنطق السوق؟

في خلفية هذا السجال، تقرأ المنظمة مسألة الرسوم باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في فلسفة التعليم العالي.وتحذر من أن فرض واجبات التسجيل قد يكون مقدمة لمسار تصبح فيه بعض مستويات التعليم العالي مرتبطة تدريجياً بالقدرة على الأداء، وهو ما ترى أنه يهدد تكافؤ الفرص ويعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية.فالجامعة، وفق هذا التصور، لم تكن مجرد مؤسسة لتلقي المعرفة، بل شكلت تاريخياً إحدى أهم آليات الترقي الاجتماعي وبناء مجتمع المعرفة.

ومن ثم، فإن انتقالها إلى منطق التمويل الذاتي، ولو بشكل تدريجي، يثير سؤالاً حول مستقبل وظيفتها الاجتماعية، وحول الفئات التي ستتمكن مستقبلاً من مواصلة الدراسة والبحث العلمي.

و أمام هذه التطورات، تدعو اللجنة التنفيذية لمنظمة التجديد الطلابي الدولة إلى إطلاق حوار وطني مسؤول حول مستقبل التعليم العالي والبحث العلمي، ينطلق من اعتبار الجامعة العمومية رافعة للتنمية والعدالة الاجتماعية.

وتقترح المنظمة، ضمن رؤيتها، توسيع فرص الولوج إلى مختلف أسلاك التعليم العالي، وتحسين الوضعية الاجتماعية لطلبة الدكتوراه، ودعم الباحثين، وتحفيز الأساتذة على التأطير، وتوفير تمويل عمومي كافٍ للبحث العلمي.

وبذلك، يبدو أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بواجبات التسجيل أو بنظام التوقيت الميسر، وإنما بالسؤال الأكبر: أي جامعة يريد المغرب أن يبني؟

جامعة تفتح أبوابها أمام كل من يريد مواصلة التعلم وتطوير مساره العلمي، أم جامعة تتوسع فيها تدريجياً شروط الأداء كلما ارتفع الطالب في سلم التكوين؟

وبين خطاب «التعلم مدى الحياة» ورفض تحويله إلى مبرر للرسوم، يفرض النقاش نفسه على الدولة والجامعات والطلبة والباحثين معاً: كيف يمكن بناء جامعة مغربية حديثة ومرنة، دون أن تتحول المرونة نفسها إلى حاجز أمام الفئات الأقل قدرة على الأداء؟

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.