المجلس الوطني لحقوق الإنسان يرصد أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية ويكشف معطيات أولية عن الضحايا والانتهاكات
هيام بحراوي
أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلاصاته واستنتاجاته الأولية بشأن أحداث العبور الجماعي التي شهدتها مناطق الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية خلال أواخر يوليوز وفاتح غشت 2026، مسلطاً الضوء على التطورات الميدانية والرقمية التي رافقت هذه الأحداث، وما خلفته من تداعيات على حقوق الإنسان والسلامة الجسدية.
وأوضح المجلس أن رئيسته أحدثت، بتاريخ 29 يوليوز 2026، لجنة لليقظة والتنسيق والتتبع، بهدف مواكبة التطورات المرتبطة بهذه الأحداث، ميدانياً ورقمياً، والاستناد في عملية الرصد إلى قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بالحق في الحياة، وحماية الأطفال، وحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.
تصاعد المحاولات منذ منتصف يوليوز
وبحسب الخلاصات الأولية للمجلس، بدأت وتيرة محاولات العبور في الارتفاع منذ منتصف يوليوز، في سياق تداول تأويلات اعتبرها غير دقيقة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026 بشأن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر.
وخلال الفترة الممتدة بين 29 و31 يوليوز، شهدت مدينة الفنيدق والمناطق المحيطة بها توافداً مكثفاً للشباب والقاصرين الراغبين في العبور نحو سبتة، بالتزامن مع مواجهات وتدخلات لمنع محاولات العبور، فضلاً عن تسجيل تدابير لتقييد التنقل في عدد من المحطات الطرقية والسككية بمختلف المدن المغربية.
كما سجل المجلس، وفق المعطيات التي أوردها، وصول مجموعات تنتمي إلى اليمين المتطرف، وصفها التقرير بـ«النازيين الجدد»، إلى سبتة يوم فاتح غشت، حيث رافق ذلك، بحسب الرصد، أعمال استفزاز وترهيب واعتداءات استهدفت بعض الوافدين والساكنة.
تفاوت في أرقام الوفيات والإصابات
وتكشف المعطيات الأولية التي أوردها المجلس عن تفاوت لافت بين الأرقام المسجلة من الجانب المغربي وتلك المعلنة من السلطات الإسبانية بشأن الوفيات.
ففي الوقت الذي أشارت فيه المعطيات المغربية إلى تسجيل 14 حالة وفاة، أعلنت السلطات الإسبانية عن وفاة 80 شخصاً، ما يعكس، وفق التقرير، الحاجة إلى مزيد من التحقق والتدقيق في الحصيلة النهائية للأحداث.
أما على مستوى الإصابات، فقد تم تسجيل 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين، مع إحالة 13 مصاباً إلى المستشفيات، فيما تلقى 87 عنصراً من القوات العمومية العلاجات الطبية.
كما رصدت السلطات، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أضراراً مادية شملت 61 سيارة خاصة و15 دراجة نارية و18 سيارة تابعة للقوات العمومية في مناطق الفنيدق وباب سبتة.
وبخصوص الموقوفين، أشار المجلس إلى توقيف نحو 100 شخص في أحداث سبتة، من بينهم 11 حدثاً، إضافة إلى متابعات أخرى وإحالة ملفات على محكمة الاستئناف بالناظور.
شبكات التواصل في قلب التعبئة
وأفرد المجلس حيزاً مهماً لدور الفضاء الرقمي في هذه الأحداث، مشيراً إلى أن منصات مثل فيسبوك وواتساب وتليغرام تحولت إلى أدوات للتنسيق والتعبئة وتبادل المعلومات والإرشادات المتعلقة بمحاولات العبور.
كما رصد التقرير تداول محتويات مضللة وتأويلات اعتبرها مغرضة لقرار القضاء الإسباني، استُعملت لتشجيع الراغبين في العبور على التوجه نحو المنطقة الحدودية.
وأشار المجلس كذلك إلى نشاط حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية، قال إنه ارتبط بنشر أخبار زائفة وتسهيل عمليات العبور، ما يبرز، بحسب التقرير، الدور المتزايد للمجال الرقمي في تشكيل سلوك جماعي سريع الانتشار.
اتهامات بسوء المعاملة واعتداءات عنصرية
وفي الجانب الحقوقي، سجل المجلس عدداً من الوقائع التي قال إنها تستوجب التحقق والتحقيق، من بينها معاناة آلاف الأشخاص من الجوع والعطش خلال فترة وجودهم بسبتة، في ظل إغلاق عدد من المتاجر والمقاهي والمطاعم، وما قيل عن منع تقديم المساعدة.
كما أشار إلى تعرض مهاجرين لاعتداءات ذات طابع عنصري من طرف مجموعات متطرفة داخل المدينة.
وتضمن التقرير أيضاً ادعاءات متطابقة بشأن سوء المعاملة والاعتداء من طرف عناصر أمنية، إلى جانب رصد حالات مست السلامة الجسدية للعابرين ولعناصر القوات العمومية على حد سواء.
وفي الجانب المغربي، سجل المجلس فرض قيود على تنقل بعض الأشخاص باتجاه شمال البلاد، فضلاً عن تسجيل حالات قال إنها تثير تساؤلات بشأن مدى احترام الضمانات القانونية خلال بعض عمليات الإرجاع.
ظاهرة تتجاوز الفقر والهشاشة
وفي خلاصاته العامة، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن محاولات العبور الجماعي لا يمكن اختزالها في الفقر والهشاشة الاقتصادية وحدهما.
واعتبر أن الظاهرة تعكس تحولات أعمق في تطلعات فئات من الشباب، في ظل تنامي المجتمعات الرقمية وتغير علاقتها بمفهوم الحدود والحواجز الجغرافية.
ويبرز التقرير، في هذا السياق، أن أحداث الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية لا ينبغي قراءتها من زاوية أمنية صرفة، بل من خلال مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين حماية حقوق الإنسان، وفهم التحولات الاجتماعية والشبابية، ورصد تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وضمان الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة.
وتطرح الخلاصات الأولية للمجلس، في نهاية المطاف، الحاجة إلى مواصلة التحقيق والتدقيق في مختلف الوقائع المسجلة، خاصة تلك المرتبطة بالوفيات والإصابات وسوء المعاملة، بما يسمح بتحديد المسؤوليات وضمان حقوق الضحايا والمصابين والأسر المتضررة، وفق الضمانات القانونية وحقوق الإنسان.