4"][/video]

افصلوا المال عن السياسة… قبل أن تتحول الأحزاب إلى فنادق انتخابية

بقلم: محمد النحيلي
كانت السياسة، في مراحل سابقة، فضاءً للأفكار والمواقف والمرافعات الكبرى. وكان البرلمان المغربي مدرسة حقيقية للنقاش العمومي، تتواجه داخله أطروحات وتصورات ومشاريع مجتمعية، ويصنع حضوره مثقفون عضويون، ومناضلون ميدانيون، وقيادات حزبية راكمت التجربة والتكوين والاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع.
كانت قيمة البرلماني تقاس بقوة حجته، وعمق خطابه، وقدرته على الدفاع عن اختياراته ومقارعة خصومه سياسياً وفكريا. وكان للموقف السياسي وزنه، وللكلمة معناها، وللمرافعة أثرها في تشكيل الرأي العام.
والمفارقة أن تلك المرحلة لم تعرف النقل التلفزي المباشر للجلسات البرلمانية بالصورة الواسعة المتاحة اليوم. ولو توفرت آنذاك الوسائل الحالية، لكان البرلمان قادراً على أن يتحول إلى مدرسة شعبية للتثقيف السياسي والتوعية المدنية، يتعلم من خلالها المواطن معنى الأغلبية والمعارضة، وآليات الرقابة على الحكومة، وكيف تُناقش السياسات العمومية وتُواجه الحجة بالحجة.
أما اليوم، فلدينا الكاميرات والبث المباشر والمنصات الرقمية، لكن المشكلة لم تعد في غياب وسائل نقل السياسة إلى المواطن، بل أحياناً في غياب السياسة التي تستحق أن تُنقل.
لقد أصبحت السياسة أكثر مشاهدة، لكنها ليست دائماً أكثر عمقاً.
عندما يختصر المال سنوات النضال
بدأ الخلل يتعمق عندما أصبح المال، في بعض الممارسات الحزبية والانتخابية، قادراً على اختصار الطريق الذي كان المناضل يقطعه خلال سنوات.
كان المسار الطبيعي نحو المسؤولية يمر عبر الانخراط، والتكوين، والعمل الميداني، والتدرج التنظيمي، وخدمة الحزب والمجتمع، وبناء الثقة والمصداقية.
لكن حين تصبح القدرة المالية عاملا مرجحا في التزكية، أو وسيلة للتأثير في القرار الحزبي، تختل قواعد المنافسة من أساسها.
ولا يتعلق الأمر برفض مشاركة رجال الأعمال في السياسة. فهم مواطنون لهم الحق الكامل في الانتماء والترشح وتحمل المسؤولية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من قدرة اقتصادية مشروعة إلى قوة سياسية قادرة على اختصار المسارات، والتأثير في التزكيات، وإعادة ترتيب موازين القوة داخل الأحزاب.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
هل يصل المرشح لأنه يحمل مشروعاً سياسياً، أم لأن قدرته المالية تستطيع فتح الأبواب أمامه؟
موسم الاصطياف السياسي
في بعض الأحزاب، يتحول الموسم الانتخابي إلى ما يشبه موسم الاصطياف السياسي لأصحاب المال.
مع اقتراب الانتخابات، يصل «المصطاف الانتخابي»، فتُفتح أمامه الأبواب، وتهيأ له التزكية، وتوضع الهياكل التنظيمية والشبكات المحلية رهن إشارته.
أما المناضلون الذين بنوا تلك الشبكات عبر سنوات، فيتحولون فجأة إلى ما يشبه الموارد البشرية الموسمية في خدمة الوافد الجديد.
هذا يعبئ، وذاك ينظم، وثالث يستقطب، ورابع يدافع في الأحياء والمقاهي ووسائل التواصل عن مرشح لم يعرفه الحزب إلا عندما اقترب موعد الانتخابات.
ثم ينتهي الموسم.
يفوز «المصطاف» بالمقعد أو يغادر المشهد، ويعود المناضل إلى مكانه ينتظر استحقاقاً جديدا.
وهنا تصل إلى القواعد الحزبية رسالة قاسية: قد تقضي سنوات في التنظيم والتكوين والعمل، ثم يأتي شخص في أسابيع قليلة فيتقدم عليك لأنه يمتلك من المال والنفوذ ما لا تملك.
فكيف نطلب بعد ذلك من الشباب أن ينخرطوا في الأحزاب؟
وكيف نقنع المناضل بأن السياسة تقوم على الاستحقاق إذا كان يرى أن المال يستطيع أحياناً اختصار الطريق كله؟
الرمز الحزبي حين يصبح علامة تجارية
الأخطر أن هذه الممارسة لا تمس الأشخاص فقط، بل قد تمس معنى الحزب نفسه.
فالرمز الحزبي الذي يفترض أن يختصر تاريخا ومرجعية ومواقف ونضالات، قد يتحول في السوق الانتخابية إلى مجرد علامة تجارية انتخابية.
لا يعود بعض المرشحين يبحثون عن الحزب الأقرب إلى أفكارهم، بل عن الرمز الأكثر قدرة على الفوز.
وهنا تنتقل العلاقة بالحزب من الانتماء إلى الاستعمال.
بدلا من السؤال: ماذا يمثل هذا الحزب؟ وما مشروعه المجتمعي؟ يصبح السؤال: أي رمز يمنحني الحظوظ الأكبر للوصول إلى المقعد؟
وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، يتحول الحزب تدريجياً من مؤسسة لإنتاج النخب والأفكار إلى وكالة انتخابية موسمية، ويتحول رمزه من هوية سياسية إلى علامة قابلة للاستثمار.
من النفوذ المالي إلى النفوذ العائلي
ولا تتوقف الظاهرة دائماً عند شخص واحد.
فعندما يلتقي المال بالنفوذ التنظيمي والتحكم في دواليب القرار الحزبي ومسارات التزكية، قد يتحول الموقع السياسي إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ داخل العائلة نفسها.
الأب مرشح هنا، والابن هناك، والزوجة في دائرة أخرى، والصهر أو القريب في مجلس مختلف.
وهنا يقتضي الإنصاف تسجيل بعض الاستثناءات، وإن كانت حالات محدودة جداً ومعزولة، لأبناء أو زوجات أو أصهار بعض القيادات الحزبية ممن راكموا، بصورة مستقلة، مساراً حزبياً حقيقياً، وتدرجوا داخل التنظيم لسنوات، وتحملوا المسؤوليات، وتقاسموا مع باقي المناضلين أعباء العمل التنظيمي والميداني على قدم المساواة.
فهؤلاء لا ينبغي اختزال مسارهم في رابطة القرابة، لأن القرابة لا ينبغي أن تكون امتيازاً، كما لا يصح أن تتحول في حد ذاتها إلى تهمة.
لكن هذه الاستثناءات القليلة لا ينبغي أن تحجب الظاهرة الأوسع، حين تتحول القرابة إلى طريق مختصر نحو التزكية والموقع والتمثيل، وحين يحصل القريب على ما لم يمنحه له مساره التنظيمي أو رصيده النضالي، أو حين تُوزع المواقع داخل المحيط العائلي اعتماداً على المال والنفوذ والتحكم في القرار الحزبي.
فالميزان الذي ينبغي الاحتكام إليه ليس النسب، وإنما الاستحقاق؛ وليس اسم العائلة، وإنما المسار؛ وليس القرب من أصحاب القرار، وإنما ما راكمه المرشح من عمل وكفاءة والتزام داخل الحزب والمجتمع.
لكن حين تصبح الاستثناءات النزيهة ضئيلة ومعزولة، مقابل اتساع منطق إعادة إنتاج النفوذ داخل العائلة نفسها، فإننا نكون أمام مؤشر مقلق على تراجع تكافؤ الفرص داخل الأحزاب.
وتزداد الخطورة عندما يمتلك صاحب المال، إلى جانب النفوذ العائلي والتنظيمي، شبكة واسعة من الشركات والمستخدمين والموردين والزبناء والمتعاملين والمصالح.
حينها لا نعود أمام رأسمال مالي فقط، بل أمام تداخل بين الرأسمال المالي، والرأسمال الاجتماعي، والرأسمال العائلي، والرأسمال التنظيمي.
وعندما تجتمع هذه العناصر في يد واحدة، يصبح خطر اختلال تكافؤ الفرص حقيقياً.
أخطر من شراء الأصوات
اختزلنا النقاش حول المال والانتخابات طويلاً في شراء الأصوات يوم الاقتراع.
لكن شراء الصوت قد يكون آخر الحلقة، وليس أولها.
فالسؤال يبدأ قبل ذلك:
كيف تمنح التزكيات؟ ومن يقرر أسماء المرشحين؟ وما موقع المناضلين والكفاءات في الاختيار؟ وإلى أي حد يؤثر التمويل في القرار الحزبي؟ وكيف تُراقب العلاقة بين المصالح الاقتصادية والمسؤولية السياسية؟
إن أخطر أشكال هيمنة المال ليست فقط شراء صوت الناخب، بل شراء الطريق المؤدي إلى السلطة.
فالمال قد يفتح باب الحزب، والحزب يفتح باب البرلمان، والنفوذ السياسي قد يفتح لاحقاً أبواباً جديدة للمصالح الاقتصادية.
وهكذا تتشكل الحلقة المغلقة:
المال يصنع النفوذ، والنفوذ يوسع المصالح، والمصالح تنتج مزيداً من المال، والمال يعيد إنتاج النفوذ.
افصلوا المال عن القرار
الديمقراطية لم تُبن فقط على الانتخابات، بل أيضا على الحد من تركيز القوة وعلى فصل السلطات.
واليوم نحتاج إلى نقاش جدي حول ضرورة فصل المال عن النفوذ غير المشروع داخل القرار السياسي.
ليس المطلوب منع أصحاب المال من السياسة.
المطلوب ألا يصبح المال طريقا مختصرا إلى السلطة، وألا تتحول الثروة إلى معيار للتزكية، وألا يصبح الموقع التشريعي أو التنفيذي امتداداً للمصلحة التجارية.
فالبرلمان ليس مجلس إدارة لشركة.
والحكومة ليست أداة لحماية المصالح الخاصة.
والحزب ليس وكالة علاقات عامة.
والانتخابات ليست استثمارا تجاريا ينتظر صاحبه عائدا بعد الفوز.
إن تخليق الحياة السياسية يقتضي شفافية أكبر في تمويل الأحزاب والحملات، وقواعد صارمة في تضارب المصالح، وآليات فعالة للتصريح بالمصالح والممتلكات، ومراقبة العلاقة بين المسؤولية العمومية والنشاط الاقتصادي.
أعيدوا السياسة إلى معناها
الأحزاب التي لا تنتج نخبها بنفسها ستضطر إلى استيرادها من السوق.
والحزب الذي يهمش مناضليه بحثا عن أصحاب المال قد يربح مقعدا انتخابياً، لكنه يخسر شيئاً أكبر:
يخسر معنى وجوده.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للمثقف العضوي، والمناضل الميداني، والكفاءة السياسية، وللنساء والرجال الذين راكموا التجربة والعمل المجتمعي، وللشباب الذين يريدون دخول السياسة من باب الفكرة والكفاءة والالتزام.
ونحتاج إلى برلمان تستعيد فيه المرافعة مكانتها، وتعود فيه الحجة إلى مركز النقاش، ويصبح النقل التلفزي لجلساته أداة للتثقيف والتوعية، لا مجرد نافذة لمشاهدة المشهد السياسي.
نحتاج إلى برلمان تكون فيه قوة الحجة أكبر من قوة الثروة، والمرافعة أقوى من شبكة المصالح، والمشروع السياسي أهم من السجل التجاري.
فالسياسة ليست تجارة.
والنائب ليس مستثمرا.
والمقعد ليس أصلاً تجاريا.
والرمز الحزبي ليس علامة تجارية.
والمواطن ليس زبوناً.
والمناضل ليس موردا بشريا موسميا.
والقرابة ليست استحقاقا سياسيا في حد ذاتها، كما أنها ليست مانعا منه؛ الفيصل هو المسار والكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
لا للعزوف… نعم للمشاركة الواعية
ومع كل هذا النقد، فإنني لا أدعو من خلال هذا المقال إلى الإحجام عن المشاركة السياسية، ولا إلى مقاطعة الانتخابات أو الانسحاب من المجال العام.
بل على العكس تماماً.
إنني أدعو إلى المشاركة المكثفة والواعية والمسؤولة.
فالعزوف لا يواجه نفوذ المال، بل قد يترك له المجال أوسع. والابتعاد عن صناديق الاقتراع لا يعاقب بالضرورة أصحاب النفوذ، بل قد يمنحهم فرصة أكبر لترجيح كفتهم بأصوات محدودة ومنظمة.
المطلوب ليس الانسحاب من السياسة، بل استعادة السياسة.
وليس المطلوب معاقبة المؤسسات بالعزوف، بل إعادة التوازن إليها عبر حسن الاختيار.
إن مسؤولية المواطن لا تنتهي عند الوصول إلى صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بالسؤال:
لمن أمنح صوتي؟
هل أمنحه لمن يملك المال ويوزع الوعود والهبات الموسمية؟
أم لمن يمتلك فكرا وثقافة وكفاءة وقدرة قيادية ومهارات ترافعية، ورصيداً أخلاقيا وتربويا متزنا؟
نحن في حاجة إلى التصويت للمثقفين والكفاءات والنساء والرجال القادرين على فهم السياسات العمومية، وصياغة المقترحات، ومناقشة القوانين، ومراقبة الحكومة، والدفاع عن مصالح المواطنين بالحجة والمعرفة والمسؤولية.
نحتاج إلى من لا يملك مالاً يوزعه لاستمالة الناس، ولا يبيع لهم أحلاماً انتخابية عابرة، بل يمتلك مساراً يشهد له قبل أن تشهد له ملصقات الحملة الانتخابية.
فالمعيار الحقيقي للمرشح ليس ما يقوله في بضعة أسابيع خلال الحملة، وإنما ما فعله طوال السنوات التي سبقتها.
ابحثوا عن من كان إلى جانب الفئات التي تطالب بتحسين أوضاعها.
عن من ناصر المظلومين قبل أن يحتاج إلى أصواتهم.
عن من دافع عن حقوق العامل والموظف والمواطن البسيط.
عن من ترافع من أجل تحسين لقمة عيش الناس وكرامتهم وظروفهم الاجتماعية.
عن من كان صوته حاضرا حين كانت الفئات الهشة تحتاج إلى من يتحدث باسمها.
عن من كانت له مواقف حين لم تكن هناك كاميرات ولا حملات انتخابية ولا مقاعد في الأفق.
فالسياسي الحقيقي لا يولد ليلة الانتخابات.
مساره يسبقه، ومواقفه تشهد له، ونضاله إلى جانب الناس هو بطاقة تعريفه الحقيقية.
ومن اعتاد أن يكون قريبا من الناس عندما كانوا في حاجة إليه، هو الأجدر بأن يطلب ثقتهم عندما يصبح في حاجة إلى أصواتهم.
أما من لا يظهر إلا في الموسم الانتخابي، ويعتقد أن المال قادر على شراء القبول والشرعية، فإنه يتعامل مع السياسة بمنطق الاستثمار، لا بمنطق المسؤولية العامة.
ولهذا فإن فصل المال عن السياسة لا يتحقق بالقوانين والرقابة وحدهما، بل يحتاج أيضا إلى ناخب واعٍ يعرف قيمة صوته ويرفض تحويله إلى سلعة.
فصوت المواطن هو الوسيلة الأقوى لكسر احتكار المال والنفوذ متى استُعمل بحرية ووعي واستقلال.
لا تبيعوا أصواتكم.
ولا تمنحوها لمن يعتقد أن بإمكانه شراء الطريق إليها.
صوّتوا لمن يستطيع أن يتكلم باسمكم، لا باسم مصالحه.
لمن يستطيع أن يرافع عنكم، لا أن يفاوض عليكم.
لمن يحمل فكرة، لا حقيبة مال.
لمن يحمل تاريخاً من المواقف، لا موسما من الوعود.
ولمن أثبتت مسيرته أنه كان بجانب الناس في مطالبهم وآلامهم وتطلعاتهم قبل أن يحتاج إلى أصواتهم.
إن الديمقراطية لا يحميها العزوف، بل يحميها المواطن الذي يشارك ويسأل ويميز ويختار ويحاسب.
لذلك، فالمعركة ليست ضد أصحاب المال، بل ضد استيلاء منطق المال على السياسة.
وليست ضد العائلات السياسية في ذاتها، بل ضد تحويل القرابة إلى آلية لإعادة إنتاج المواقع والنفوذ.
وليست دعوة إلى الابتعاد عن الانتخابات، بل إلى الاقتراب منها أكثر، والمشاركة فيها بكثافة، وتحويل صوت المواطن إلى أداة لإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والمصداقية.
فالمال ضروري للاقتصاد، والسياسة ضرورية للديمقراطية، لكن حين يبتلع منطق المال منطق السياسة، وتغلب علاقات النفوذ على قواعد الاستحقاق، تصبح الديمقراطية نفسها هي الخاسر الأكبر.
افصلوا المال عن السياسة، وشاركوا بكثافة، واختاروا بعناية، وصوتوا للكفاءة والنزاهة والرصيد الأخلاقي والقدرة على المرافعة؛ حتى تبقى الانتخابات تنافساً بين المشاريع لا مزادا بين المصالح، وحتى يعود الحزب مدرسةً لتكوين النخب، لا فندقا موسميا للمصطافين الانتخابيين، ويعود البرلمان صوتاً للمجتمع لا امتداداً للمصالح.
4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.