فرنسا في مواجهة مرآة الغضب.. حين تتحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى مشاهد نهب وتدمير
غزلان الورزازي
من التظاهر ضد غلاء المعيشة إلى نهب المتاجر وتخريب الممتلكات، تثير المشاهد القادمة من فرنسا أسئلة صعبة حول حدود الغضب الاجتماعي، وأزمة الثقة في المؤسسات، والتناقض بين الخطاب الحضاري وممارسات العنف.
تبدو الصور المتداولة من فرنسا وكأنها مقتطفات من أفلام الديستوبيا ونهايات العالم؛ واجهات متاجر محطمة، ومحلات تتعرض للنهب، وأصحاب مشاريع يناشدون المحتجين ترك مصادر رزقهم وشأنها، فيما تتواصل أعمال التخريب في مشاهد يصعب فصلها عن الخسائر الإنسانية والاقتصادية التي قد تترتب عليها.
الأكثر إثارة للقلق ليس حجم الدمار وحده، بل المفارقة التي تكشفها هذه المشاهد: شباب خرجوا إلى الشوارع في سياق غضب اجتماعي ومطالب مرتبطة بغلاء المعيشة، فإذا ببعضهم يتحول إلى طرف في أعمال تضر بالمواطنين الذين يواجهون الضغوط الاقتصادية نفسها. وبين الحق في الاحتجاج ورفض الظلم، من جهة، والاعتداء على الممتلكات ومصادر رزق الآخرين، من جهة أخرى، تتسع المسافة بين المطالب المعلنة والوسائل المستخدمة للتعبير عنها.
فالاحتجاج الذي يستهدف تحسين شروط العيش قد يفقد جزءاً من أثره حين يتحول إلى تدمير للمحلات والمرافق، لأن فاتورة التخريب لا تتحملها الحكومة وحدها؛ بل تمتد إلى التجار والعمال والأسر التي تعتمد على النشاط الاقتصادي المحلي. وقد يجد أصحاب المشاريع الصغيرة أنفسهم أمام خسائر يصعب تعويضها، فيما تتراجع فرص العمل وتتزايد كلفة إصلاح الأضرار وإعادة فتح المتاجر.
لكن تفسير ما يجري لا يكتمل بإدانة أعمال النهب والتخريب فقط، كما لا يصح تعميم سلوك بعض المشاركين على جميع المحتجين أو الشباب الفرنسي. فالمظاهرات قد تضم مطالب مشروعة وأشكالاً سلمية للتعبير، في الوقت الذي ترتكب فيه مجموعات أخرى أفعالاً تستوجب المساءلة. والتمييز بين هذه المستويات ضروري لفهم الأزمة، لا لتبرير العنف أو التقليل من خطورته.
حين يعود التاريخ الاستعماري إلى واجهة النقاش
تحمل المشاهد الفرنسية دلالة أخرى عند وضعها في سياق التاريخ الاستعماري للبلاد. فقد استُخدم خطاب «المهمة الحضارية» لتبرير التوسع الاستعماري، عبر تصوير السيطرة على الشعوب الأخرى باعتبارها وسيلة لنشر التقدم والنظام والحضارة، رغم ما صاحب التجربة الاستعمارية من عنف واستغلال وانتهاكات.
ومن هنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: كيف تتعامل المجتمعات التي بنت جزءاً من صورتها الدولية على قيم الحرية والمساواة وسيادة القانون مع لحظات الغضب التي تختبر هذه القيم داخل حدودها؟ إن الحضارة لا تُقاس فقط بتاريخ الدول ومتاحفها ومؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على حماية كرامة الإنسان، واحترام حقوقه، وإدارة الخلافات دون الانزلاق إلى الانتقام والتدمير.

غير أن أعمال التخريب لا تمثل حكماً نهائياً على مجتمع بأكمله، مثلما لا تعفي الأزمات الداخلية الدول من مراجعة سياساتها الاجتماعية أو قراءة تاريخها بقدر أكبر من النقد. فالتناقض بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية لا يقتصر على بلد بعينه، بل يظل اختباراً تواجهه المجتمعات كلما اصطدمت مبادئها بواقع الأزمات.
هل تستيقظ النخب الفرنسية على أزمة أعمق؟
قد تترك هذه المشاهد أثراً يتجاوز الخسائر المادية، فتدفع النخب السياسية والفكرية إلى إعادة النظر في أسباب الاحتقان، ومدى قدرة المؤسسات على استعادة الثقة، وحدود المعالجة الأمنية عندما تكون جذور الغضب مرتبطة بأوضاع اجتماعية واقتصادية متراكمة.
لكن القول إن فرنسا دخلت بالفعل مرحلة تاريخية جديدة، أو إن الحضارة الأوروبية تتجه إلى دورة مختلفة، يظل استنتاجاً يحتاج إلى ما هو أكثر من الصور الصادمة. فالتاريخ لا يتغير في لحظة واحدة، ولا تكفي أعمال العنف وحدها لإثبات انهيار نموذج اجتماعي أو سياسي.
ما يمكن قوله إن هذه الأحداث، إذا تأكد اتساعها واستمرارها، تضع فرنسا أمام اختبار مزدوج: حماية المواطنين وممتلكاتهم من جهة، ومعالجة الأسباب التي تغذي الاحتقان من جهة أخرى. فالأمن وحده لا يعالج جذور الغضب، كما أن المطالب الاجتماعية لا تمنح أحداً الحق في تدمير أرزاق الآخرين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس فقط احتراق المباني أو تحطم واجهات المتاجر، بل احتمال اتساع الهوة بين المجتمع ومؤسساته، وبين المطالب الاجتماعية والوسائل التي يُعبَّر بها عنها. وحين يصبح الغضب سبباً في مضاعفة معاناة الفئات الأكثر هشاشة، تتحول الاحتجاجات من وسيلة للضغط من أجل التغيير إلى أزمة قد يدفع المجتمع كله ثمنها.