“سوق سوداء” وتجارة بآلام الفقراء.. مطالب بالتحقيق في “ابتزاز” مرضى كسور العظام بمستشفى محمد الخامس بمكناس
هيام بحراوي
تواجه مصلحة جراحة العظام والكسور بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بمكناس، إلى جانب مستشفيات أخرى بالجهة (الغساني بـفاس، ابن باجة بـتازة، ومستشفى الرشيدية)، موجة عارمة من الاستياء والتنديد من طرف فعاليات صحية ومدنية، إثر استمرار ما وصف بـ “عمليات ابتزاز ممنهجة” يتعرض لها المرضى ضحايا الكسور، عبر توجيههم لجهات خاصة محددة لاقتناء المستلزمات الطبية ومثبتات العظام والأطراف الصناعية، بأثمنة مضاعفة وفلكية تنهك كاهل الطبقات الهشة.
وحسب مصادر نقابية و صحية متطابقة، فإن المرضى الوافدين على هذه المؤسسات الاستشفائية العمومية، والذين ينحدر أغلبهم من أوساط فقيرة ومعوزة، يجدون أنفسهم مجبرين على التوجه إلى صيدليات أو محلات شبه صيدلية (parapharmacie) معينة بذاتها لاقتناء معدات جراحة الكسور (المعروفة محليا بالحديد).
وتشير المصادر، إلى أن هذه العملية تتم بشكل موجه ومدروس، حيث تفرض على المرضى أسعار مبالغ فيها تفوق بعدة مرات الأسعار المتداولة في باقي الصيدليات، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الكامنة وراء هذا “الاحتكار القسري”.
وفي تفاصيل مثيرة تكشف حجم “التجارة السوداء” التي تدار في الخفاء بعيدا عن أعين مصالح الضرائب والمراقبة، أفادت مصادر من داخل القطاع أن المريض حين يتقرر خضوعه لعملية جراحية، يطالب عبر وصفة طبية باقتناء المستلزمات بالإضافة إلى “كراء” علبة أدوات الجراحة المعروفة بـ Boîte de pose من عند ممون محدد.
ووفقا للمعلومات ذاتها، فإن صاحب هذه المستلزمات هو من يتكفل بنقل العلبة إلى داخل قاعة الجراحة، بل إن بعض العلب باهظة الثمن تتطلب دخول صاحبها (المنتمي للقطاع الخاص) شخصيا إلى قاعة العمليات للإشراف عليها، وسط تساؤلات حارقة يطرحها المهتمون والشغيلة الصحية
المثير في الأمر، تضيف المصادر ذاتها، أن هذه الاختلالات ليست وليدة اليوم، فقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن رصد في تقرير رسمي سابق هذه التجاوزات بمستشفى محمد الخامس بمكناس، مشيرا بوضوح إلى غياب أجهزة ومعدات تثبيت الكسور واضطرار المرضى لاقتنائها من جهات محددة بالقطاع الخاص بأثمنة خيالية.
ورغم مرور ما يقارب العقد من الزمن على هذا التقرير الرقابي، فإن الوضع تضيف ” لا يزال يراوح مكانه دون أي تغيير يذكر”، حيث تستمر معاناة المرضى في رحلة العلاج التي لا تنتهي داخل المستشفى العمومي، بل تمتد إلى ما بعد الجراحة، إذ يضطر المرضى مجددا للتوجه إلى المصحات الخاصة لنزع تلك المثبتات والحديد، لرفض الجراحين بالمستشفى الإقليمي القيام بذلك.
أمام هذا الوضع الذي اعتبرته فعاليات مدنية وصحية بمكناس “اتجارا صريحا بمعاناة المواطنين” يضرب في العمق التوجهات الحكومية الرامية لإصلاح المنظومة الصحية وتنزيل ورش الحماية الاجتماعية، دخلت المؤسسة التشريعية على الخط، حيث طالب عدد من النواب البرلمانيين، وزير الصحة والحماية الاجتماعية بالتدخل الفوري والعاجل لإرسال لجان تفتيش تابعة للوزارة أو للمؤسسات الرقابية، للوقوف على حجم هذه الاختلالات الخطيرة التي تمس كرامة وحقوق المرضى، واتخاذ إجراءات صارمة لردع المتورطين وضمان عدالة الولوج إلى العلاج داخل المستشفيات العمومية بما يتوافق مع القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.