مركز حقوقي يطالب الحكومة بكشف حقيقة مأساة الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية وفتح تحقيق مستقل
هيام بحراوي
طالب المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان الحكومة المغربية بتقديم توضيحات عاجلة للرأي العام وفتح تحقيق شفاف ومستقل بشأن موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدن الشمال يومي 30 و31 يوليوز، في اتجاه سبتة ومليلية المحتلتين، وسط تقارير حقوقية ومدنية عن سقوط ضحايا ومفقودين وجرحى.
وأعرب المركز، في بلاغ صحافي صادر عن مكتبه التنفيذي، عن «قلق بالغ» و«استنكار شديد» إزاء ما وصفه بالمأساة الإنسانية، مؤكداً تضامنه مع أسر الضحايا والمفقودين، وداعياً إلى الكشف عن حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
وأشار المركز إلى أن معطيات متداولة من طرف فعاليات حقوقية ومنظمات المجتمع المدني تتحدث عن عشرات الضحايا والمفقودين والجرحى، معتبراً أن هذه الحصيلة، في حال تأكدت رسمياً، ستكون مؤشراً على حجم مأساة إنسانية تتجاوز كونها حادثاً عابراً.
ويكتسي هذا التحفظ أهمية خاصة، في ظل تعدد الأرقام والمعطيات المتداولة بشأن الأحداث، الأمر الذي يجعل الإعلان الرسمي عن حصيلة دقيقة وموثوقة أمراً أساسياً لتفادي تضارب المعلومات أو تداول أرقام غير مؤكدة.
ووجه المركز انتقادات حادة لما وصفه بـ«الصمت المريب» للمسؤولين الحكوميين، معتبراً أن طبيعة الأحداث وحجمها المفترض كانا يفرضان تواصلاً رسمياً سريعاً مع المواطنين.
وفي هذا الإطار، طالب المركز وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة، بالخروج للرأي العام وتقديم توضيحات بشأن حصيلة الأحداث وأسبابها والظروف التي رافقتها، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أو تعتزم اتخاذها.
ويربط المركز هذا المطلب بحق المواطنين في الحصول على المعلومات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوقائع تمس أرواح أشخاص وتخلف أسرًا تبحث عن مصير أبنائها.
ولا يكتفي البلاغ بالمطالبة بكشف الحصيلة، بل يفتح سؤال المسؤولية على مستويين.
الأول يتعلق بالسياسات العمومية الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، ومدى قدرتها على توفير فرص حقيقية للشباب والحد من الإحساس بالتهميش وانسداد الأفق.
أما المستوى الثاني فيتعلق باحتمال وجود اختلالات أمنية أو إدارية ساهمت في تفاقم الأحداث، وهو ما يرى المركز أنه يستوجب التحقيق لتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع والأدلة.
ويطرح المركز سؤالاً مركزياً: هل ما حدث نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية تتحمل مسؤوليتها حكومات متعاقبة، أم أن هناك مسؤوليات محددة ينبغي تحديدها ومساءلة أصحابها؟
وتأتي هذه المطالب في سياق نقاش واسع حول خلفيات موجة الهجرة الأخيرة، بعدما أصبحت صور الشباب والقاصرين وهم يحاولون الوصول إلى سبتة ومليلية عبر البحر أو المسالك البرية واحدة من أكثر المشاهد إثارة للجدل.
وبينما تركز المقاربة الأمنية على منع العبور وحماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، تطرح الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية سؤالاً موازياً يتعلق بالأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
فحين يختار شاب البحر رغم معرفته بمخاطره، فإن تفسير الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على وجود المهربين أو تأثير شبكات التواصل الاجتماعي. هذه العوامل قد تفسر كيف تتم الهجرة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال لماذا يرغب هؤلاء في الهجرة أصلاً.
وهنا تتقاطع ملفات التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية والثقة في المؤسسات مع ملف الهجرة.
ومن الناحية الحقوقية، فإن الدعوة إلى التحقيق تكتسب أهميتها عندما تكون الغاية منها الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات، وليس إصدار أحكام مسبقة.
فالتحقيق المستقل والشفاف يمكن أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: كيف بدأت موجة الهجرة؟ ما حجمها الحقيقي؟ كيف تحركت الحشود؟ ما الإجراءات التي اتخذتها السلطات؟ هل كانت هناك ثغرات في التدبير أو التنسيق؟ وما مصير المفقودين والضحايا؟
كما أن تحديد هوية الضحايا والمفقودين والتواصل مع أسرهم يجب أن يشكل أولوية إنسانية، بالنظر إلى الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي تخلفها مثل هذه المآسي.
المثير في أحداث الشمال أنها تجاوزت حدود قضية الهجرة غير النظامية لتتحول إلى مرآة تعكس أسئلة أوسع حول علاقة جزء من الشباب المغربي بالمستقبل.
فإذا كانت الدولة مطالبة بحماية حدودها ومنع المخاطر التي تهدد حياة المواطنين، فهي مطالبة في الوقت نفسه بتوفير الظروف التي تجعل البقاء داخل الوطن خياراً واقعياً ومقنعاً.
وبذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية تحتاج إلى مسارين متوازيين: مسار أمني يحمي الأرواح ويمنع شبكات الاتجار بالبشر، ومسار اجتماعي وتنموي يعالج أسباب اليأس وانسداد الأفق.
أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر، فقد يسمح بتدبير الأزمة مؤقتاً، لكنه لن يعالج جذورها.
ويؤكد المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان أنه سيتابع تطورات الملف، معلناً استعداده لاستخدام الوسائل القانونية والحقوقية المتاحة لضمان محاسبة من تثبت مسؤوليته.
وفي انتظار اتضاح الصورة الكاملة، تبقى الأولوية أمام السلطات هي تقديم حصيلة رسمية دقيقة، والكشف عن مصير المفقودين، والتواصل مع الأسر، وفتح تحقيق جدي في ظروف الأحداث.
ففي مثل هذه المآسي، لا تكفي البيانات السياسية ولا التفسيرات المتبادلة؛ المطلوب هو الحقيقة، ثم تحديد المسؤولية، ثم معالجة الأسباب حتى لا تتحول مأساة اليوم إلى مأساة جديدة غداً.