4"][/video]

علي لطفي لـ«معكم 24»: الاستثمارات الضخمة تفقد معناها ما لم تتحول إلى عقود عمل مستقرة وأجور عادلة

حاورته : هيام بحراوي

في حوار من ثلاث أسئلة مع موقع «معكم 24»، يقدم علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، قراءة نقابية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، متوقفا عند رهانات الاستثمار العمومي والتدابير الاجتماعية ومدى انعكاسها على التشغيل المستقر والقدرة الشرائية للأجراء.

ويثير الحوار إشكالية التوازن بين الاستثمار في البنيات التحتية والاستثمار في الإنسان، في ظل استمرار البطالة وتآكل الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، مسلطا الضوء على الضمانات الضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع عادل لثمار النمو.

كما يعرض علي لطفي مطالب المنظمة الديمقراطية للشغل بشأن ربط الدعم العمومي للمقاولات بخلق مناصب شغل قارة واحترام الحقوق الاجتماعية، ومراجعة الأجور والمعاشات، وتعزيز الخدمات العمومية ومأسسة الحوار الاجتماعي، بما يجعل الاستثمار رافعة للتنمية والكرامة الإنسانية.

 

إلى أي حد يعكس مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحولا حقيقيا في النموذج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب، بدل الاكتفاء برفع حجم الاستثمار العمومي والحفاظ على التوازنات المالية؟ ومن منظور نقابي، هل ستنعكس هذه الاستثمارات فعليا على إحداث فرص شغل مستقرة وتحسين الأجور والقدرة الشرائية، أم أن الفجوة ستظل قائمة بين مؤشرات النمو والواقع المعيشي للشغيلة؟

 

من الناحية المبدئية، يشكل الغلاف المخصص للاستثمار العمومي (400 مليار درهم مقابل 380 مليار درهم سنة 2026) والتدابير الاجتماعية (62 مليار درهم) حجماً مالياً هاماً، لكن جوهر التحول لا يُقاس بحجم الاعتمادات المالية الموجهة للحجارة والأسمنت، بل بمدى قدرتها على تغيير واقع البشر.
​إن الأرقام الرسمية تشهد باستمرار الفجوة المؤلمة بين معايير النمو والواقع المعيشي اليومي؛ فعلى الرغم من تسجيل معدل بطالة صارم في حدود 9,5% في الفصل الثاني من 2026، إلا أن هذا المعدل يقفز بشكل مقلق إلى 14,8% بين صفوف النساء، وإلى 27,2% لدى الشباب البالغة أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، ليصل الضغط الحقيقي على سوق الشغل إلى 14,7% عند احتساب القوى العاملة المحتملة.
من ​منظورنا النقابي لا قيمة لرقم استثماري ضخم ما لم يتحول إلى عقود عمل مستقرة تحمي كرامة العامل، وأجر عادل يواجه جحيم الغلاء، وظروف سلامة مهنية وحق كامل في ممارسة العمل النقابي والتفاوض الجماعي.
​ التحول الحقيقي هو ذلك الذي يصل صداه إلى المناطق الهشة والمهمشة، ليمنح الشاب في القرية والمدينة نفس أفق الأمل والعيش الكريم، بدل أن تتركز ثمار التنمية في مراكز النمو الكبرى وحدها.
​إذن، الميزانية تفتح باباً محتملاً للنقاش، لكنها لا تضمن التحول المنشود تلقائياً؛ وبدون اشتراطات قانونية ومؤسساتية صارمة تفرض المجال في الاستثمار وتشجيع الشغل القار، ستظل هذه الميزانيات تحسن لغة الأرقام في التقارير الرسمية، بينما يعاني الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.

 

تراهن الحكومة على استثمار عمومي بقيمة 400 مليار درهم وإجراءات اجتماعية تقدر كلفتها بنحو 62 مليار درهم، لكن السؤال الذي يطرحه الأجراء هو: من سيجني ثمار هذا المجهود المالي؟ إلى أي حد تستجيب التدابير المرتبطة بالضريبة على الدخل وتحسين المعاشات والتعويض عن فقدان الشغل لانتظارات الطبقة العاملة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية؟ وهل تكفي هذه الإجراءات لتقوية الطبقة المتوسطة وتحسين الأوضاع الاجتماعية؟

 

حين نضع الأرقام في الميزان ، نكتشف أن 62 مليار درهم المخصصة للتدابير الاجتماعية تمثل أقل من سدس حجم الاستثمار العمومي (400 مليار درهم). هذا التفاوت الصارخ يكشف أن بوصلة الميزانية ما زالت مائلة لصالح البنيات التحتية والاستثمار المادي، في حين يحتاج الإنسان البسيط والأجير والموظف إلى سياسات أجرية جريئة تحمي قدرتهم الشرائية التي أنهكتها تكاليف السكن، والعلاج، والتعليم، والنقل.
​صحيح أن إعفاء الأجراء دون 10,000 درهم خطوة جيدة ومطلوبة للتخفيف من ثقل الأسعار على السلة الغذائية ، لكنها تظل إجراءً جزئياً لا يعالج جذور الأزمة المتمثلة في
​تآكل الأجور الحقيقية أمام التضخم المتسارع ولا تمس كافة الفئات في الطبقة المتوسطة في المجتمع التي تحتوي بنار ​ارتفاع تكلفة المعيشة خارج وعاء الضريبة على الدخل.

 

هل يمنح مشروع قانون المالية لسنة 2027 الأولوية لبناء اقتصاد منتج يخلق الثروة وفرص الشغل اللائق، أم يواصل الاعتماد على الاستثمار العمومي دون ضمان توزيع عادل لعوائده؟ وما هي الضمانات التي تطالب بها الحركة النقابية لربط الدعم العمومي للمقاولات بتحسين الأجور وظروف العمل واحترام الحقوق الاجتماعية، مع تعزيز الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، وضمان ألا يتحمل الأجراء وحدهم كلفة التوازنات المالية والإصلاحات الاقتصادية؟
​
​تنشد الميزانية بالتوجه نحو “اقتصاد منتج”، لكنها تخاطر بالبقاء في خانة “اقتصاد الأشغال العمومية ومؤسسات الدولة” في غياب آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة. فعندما نجد أن 251 مليار درهم من أصل 400 مليار تذهب إلى المؤسسات والمقاولات العمومية وصندوق محمد السادس للاستثمار، مقابل 124 مليار درهم للميزانية العامة، فإن السؤال النقابي والإنساني المشروع يطرح بقوة:​أين نصيب المواطن البسيط والطبقة العاملة من هذه المليارات؟
​من يضمن ألا تتحول هذه الأموال الطائلة إلى صفقات مناولة هشة تعمق الهشاشة، أو إلى أرباح صافية لشركات كبرى و لشركات متعددة الجنسية على حساب شقاء العمال والموظفين والشغل غير اللائق
​تأسيساً على ما سبق، ترى المنظمة الديمقراطية للشغل أن الإنصاف الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل بالتشبث بالضمانات التالية:
​الشرط الاجتماعي للدعم العمومي: ربط كل دعم أو تحفيز ضريبي أو صفقة عمومية للمقاولات بالتزامات مكتوبة وقابلة للمراقبة: خلق مناصب شغل قارة، احترام الحد الأدنى للأجر، التصريح الإجباري بالعمال وضمان الحماية الاجتماعية في صندوق الضمان الاجتماعي،
​فرض نسب دنيا ملزمة في الصفقات العمومية لتشغيل الشباب والنساء المحليين، وتثمين الكفاءات الوطنية بدل استنزاف الميزانيات في دراسات استشارية خارجية دون أثر ملموس على أرض الواقع.
​و إخضاع تدبير المؤسسات والمقاولات العمومية لمعايير الشفافية، ومحاربة التفاوت المهول في الأجور داخل نفس المؤسسة الواحدة.
وضرورة ​التفاوض الجماعي ورفع الأجور من خلال إطلاق جولة حقيقية من الحوار الاجتماعي في إطار قانون للحوار الاجتماعي لمأسسته وتنظيمه الحقيقي و على اسس جديدة قوامها الالتزام الصادق من مختلف الاطراف بالاتفاقيات و اشراك كل النقابات الجادة. ونقابات المتقاعدين و المعطلين. والمقاولات الصغرى والمتوسطة في. مجلس اعلى للحوار الاجتماعي. تفضي إلى مراجعة شاملة للأجور والمعاشات وخلق فرص الشغل والحد من ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية لمواجهة غلاء المعيشة، بدل الاكتفاء بالمسكنات الضريبية.
​الاستثمار في الإنسان (الصحة والتعليم والشغل ): تحصين الخدمات العمومية الأساسية (المستشفيات والمدرسة العمومية) بالموارد البشرية الكافية وشروط العمل اللائقة، لضمان تكافؤ الفرص وحماية الكرامة الإنسانية للفئات الشعبية. وأغطية صحية شاملة بدل استنزاف جيوب المواطنين من طرف المستشفيات والمصحات الخاصة وشركات الأدوية حيث لاتزال الأسر تؤدي من جيوبها. 54 % من تكاليف الصحة والعلاج
​عدم تحميل الأجيال والعاملين فاتورة التوازنات: وقف كل محاولة للمساس بالقدرة الشرائية عبر التضخم الخفي، أو تجميد التوظيف، أو التوسع في الضرائب غير المباشرة التي تكتوي بنارها الطبقات المتوسطة والشعبية.
​آلية للمتابعة واليقظة: إحداث مرصد برلماني ونقابي دائم لتتبع أثر الاستثمار العمومي، ونشر تقارير سنوية حول عدد مناصب الشغل المستحدثة ونوعيتها ومستوى أجورها. وتوظيف مباشر لحملة الشهادات الجامعية ماستر دكتورة في اسلاك الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والجهات حسب التخصصات. بدل الرمي بهم في الشارع
​إن مشروع قانون المالية 2027 يحمل بين طياته بذور وعود اجتماعية محتملة، خصوصاً في مجالات الضريبة والدعم الاجتماعي، غير أن التاريخ يعلمنا أن الأرقام وحدها لا تصنع السعادة ولا تحمّل الأوطان.
​لا يمكن قبول نموذج تنموي يجعل من الأجراء والموظفين والفئات الشعبية حائط صد أول وممول دائم للإصلاحات، بينما يستفيد البعض من ريع الدعم العمومي دون انخراط حقيقي في معركة التشغيل اللائق والعدالة الاجتماعية. والقطع مع سياسات ترقيعية كالتي اعتمدتها وزارة التشغيل السابقة. برنامج فرصة وضاعت 15 مليار درهم التي خلصتها الحكومة للتشغيل. دون محاسبة ودون مناصب شغل قارة
​إن المطلب النقابي ليس عرقلة الاستثمار، بل أنسنته وتوجيهه نحو خدمة الإنسان: استثمار يخلق الثروة ، يصون كرامة العامل ، يحفظ حقوق الشغيلة، ويضمن توزيعاً عادلاً للثروة الوطنية بين رأس المال والعمل والمجتمع. فالميزانية العادلة هي تلك التي تضع كرامة المواطن فوق كل الاعتبارات الماكرواقتصادية الصماء. علي لطفي الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.