الفوضى في الرياضة… حين يصبح الخلل قاعدة، والاحتراف مجرد شعار
بقلم: *عبد الله كايدي
أخطر ما يمكن أن يصيب الرياضة ليس الهزيمة في منافسة، بل أن نعتاد الاختلالات التي تسبقها، ونتكيف معها، ثم نطالب الرياضي بنتائج عالمية وكأن شروط النجاح قد اكتملت.
الفوضى لا تعني بالضرورة غياب القوانين والمؤسسات. فقد تكون النصوص موجودة، والهياكل قائمة، والاجتماعات منعقدة… ومع ذلك، يستمر الارتجال عندما تغيب صرامة التطبيق، ووضوح المسؤوليات، وثقافة التقييم والمحاسبة.
في المغرب، لدينا القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة. لكن وجود الإطار القانوني يضعنا أمام سؤال أساسي: كيف نجعل مقتضياته ممارسة يومية داخل المؤسسات الرياضية؟ فقيمة القانون تظهر في احترامه وتطبيقه، وفي معالجة الاختلالات التي يكشفها الواقع.
تبدأ الفوضى في التدبير والتنظيم، ثم تمتد إلى التفكير. وحين تتكرر، يصبح التأخر عاديًا، والقرار المرتجل مقبولًا، والغموض مألوفًا. يتكيف الجميع مع الخلل، ويصبح من يطالب بالنظام وكأنه يطلب المستحيل!
ثم، عند اقتراب المنافسات، يرتفع الخطاب نفسه: التأهل، والتتويج، والميدالية الذهبية، والتمثيل المشرف…
ولكن أين المسار الذي يصنع هذه النتائج؟
أين استراتيجية رياضة المستوى العالي، بأهدافها ومراحلها وميزانيتها ومؤشرات تقييمها؟ أين معايير اختيار المنتخبات، المعلنة والمفهومة والقابلة للتفسير؟ وأين التقارير التي تحول كل مشاركة إلى درس للمشاركة المقبلة؟
قد نسميها، على سبيل المفارقة، «فوضى خلاقة». لكن أي إبداع في فوضى تستنزف الرياضي، وتربك المدرب، وتبدد الموارد، وتعيد إنتاج الأعذار؟
الاحتراف سلسلة مترابطة من المسؤوليات، تبدأ قبل دخول الرياضي إلى ميدان المنافسة بوقت طويل.
يبدأ بمسير يخطط، ويستعين بالكفاءات، ويتحمل مسؤولية قراراته. وبمدرب تتاح له المعرفة والتكوين المستمر وأدوات العمل. وبرياضي يستفيد من إعداد منتظم، ومواكبة طبية ونفسية، وتغذية واستشفاء يناسبان متطلبات أدائه.
ويظهر الاحتراف أيضًا في تفاصيل نميل إلى اعتبارها ثانوية: مكان المعسكر، وجودة المبيت، والهدوء الضروري للنوم، والوجبات، والمسافة بين الإقامة وقاعة التدريب، ومواعيد التنقل والسفر.
حجز تذكرة سفر لا يعني اكتمال خطة المشاركة.
فالانتقال إلى بلد بعيد، مثل اليابان، يقتضي مراعاة الساعة البيولوجية وإرهاق الرحلة وفارق التوقيت. وتشير تقديرات علمية إلى أن التأقلم الطبيعي قد يستغرق نحو يوم لكل ساعة فارق عند السفر شرقًا، ونحو نصف يوم غربًا؛ وهي تقديرات تختلف باختلاف الأشخاص وظروف الرحلة، وليست وصفة ثابتة للجميع. لذلك ينبغي أن يخضع موعد الوصول لخطة إعداد، تراعي النوم والاستشفاء والتدريب وموعد المنافسة.
كيف نطالب جسدًا مرهقًا بأفضل أداء، إذا لم نحترم شروط استعداده؟
والمقارنة المفيدة مع التجارب المتقدمة تبدأ من طريقة العمل. ففي أستراليا، مثلًا، يطور المعهد الأسترالي للرياضة إرشادات مبنية على الأدلة في علوم الرياضة والطب الرياضي لتوجيه منظومة المستوى العالي. وهذا يطرح علينا سؤالًا عمليًا: ما مكان المعرفة العلمية في قرارات مؤسساتنا وبرامج منتخباتنا؟
هل نقيس تطور الرياضي؟ هل نتابع أحمال التدريب والإصابات والاسترجاع؟ هل نستفيد من تحليل المنافسات؟ وهل نبني شراكات فعلية مع الجامعات والباحثين، ثم نحول نتائجها إلى إجراءات في الميدان؟
العالم يطور أدواته، ومعارفه، وأساليب تنظيمه. وكل تأخر في تحديث طريقة عملنا يوسع المسافة بين طموحاتنا وقدرتنا على تحقيقها.
هذا النقد لا يلغي وجود كفاءات ومسيرين ومدربين يعملون بإخلاص، أحيانًا في ظروف صعبة. بل يدعو إلى بناء منظومة تسند جهودهم، وتحمي الرياضي من الارتجال، وتجعل النجاح قابلًا للاستمرار.
والمطلوب واضح: تطبيق القانون، وتحديد المسؤوليات، وإعلان معايير الانتقاء، وتأهيل الأطر، والتخطيط المبكر، وربط التمويل ببرامج قابلة للتقييم، وإصدار تقرير فني وإداري ومالي بعد كل مشاركة، تليه إجراءات تصحيحية واضحة.
الرياضي مسؤول عن اجتهاده وأدائه، والمؤسسة مسؤولة عن توفير شروط هذا الأداء.
فلنناقش كيف نُعد للمنافسة، وكيف نختار، وكيف نسافر، وكيف ندبر، بالجدية نفسها التي نناقش بها النتائج.
أخطر الفوضى هي التي نعتادها، حتى نكف عن رؤيتها. وأول الإصلاح أن نتوقف عن اعتبارها أمرًا عاديًا.
*أستاذ بمعهد مولاي رشيد
فاعل في الحركة الرياضية