من البرازيل إلى غزّة.. هل نحن أمام تحوّل كبير؟
بقلم: *علي أنوزلا
لم ينتظر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، طويلاً ليعلن، منتشياً بانتصار لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، أنّ “ما حدث في البرازيل سيحدُث في إسبانيا”، وأنّ “عودة التقدّمية العالمية قد بدأت للتو”. وعلى الجانب الآخر من جبال البرانس، احتفل جان لوك ميلونشون، زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي، جان لوك بانتصار رفيقه البرازيلي الذي زاره في سجنه عام 2019، معتبراً أن هزيمته لليمين المتطرف دليل على قدرة الشعوب على تكذيب استطلاعات الرأي وإسقاط أحكام النخب السياسية والإعلامية المسبقة. ولم يكن احتفال الرجلَين مجرد تضامن بين زعماء من العائلة السياسية نفسها، بل بدا إعلاناً مبكّراً عن أمل جديد داخل الحركة التقدمية العالمية، التي عاشت سنوات تحت وطأة صعود اليمين القومي الشعبوي العنصري المتطرف.
وفي المقابل، لم تكن النتيجة مريحة لمعسكر اليمين المتطرف العالمي؛ فقد خسر ترامب ونتنياهو، أو من سيخلفه، حليفاً محتملاً في أكبر دولة بأمريكا اللاتينية، بينما رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بالهزيمة، ووجد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي نفسه أمام جار قوي اختار ناخبوه مساراً مختلفاً. لكن السؤال الذي يتجاوز البرازيل هو: هل يمثل انتصار لُولا استثناءً في عالم يتقدّم فيه اليمين المتطرف، أم إنه أول تصدع في جبهة اليمين التي بدت وكأنها قدر سياسي لا يمكن مقاومته؟
يأتي هذا الانتصار عشية استحقاقات انتخابية قد تعيد رسم الخريطة السياسية العالمية؛ ففي إسرائيل، يواجه نتنياهو اختباراً انتخابياً وسط انقسامات خلّفتها حروبه الإجرامية، وفي الولايات المتحدة، يستعد الأمريكيون لانتخابات نصفية قد يفقد فيها الجمهوريون سيطرتهم على أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما. وفي إسبانيا، يراهن سانشيز على استمرار حكمه، بينما تستعد فرنسا لرئاسيات ربيع 2027، حيث يطمح اليسار إلى قطع الطريق على اليمين المتطرّف. وإذا خسر نتنياهو السلطة، وحقق الديمقراطيون الأمريكيون تقدماً كبيراً، ونجح سانشيز في الاحتفاظ بالحكم، وفاز مرشّح يساري بالرئاسة الفرنسية، فقد نكون أمام تحوّل يتجاوز نتائج انتخابية منفصلة إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الديمقراطيات الغربية.
غير أن سقوط نتنياهو، إن حدث، لن يعني، بالضرورة، نهاية الاحتلال أو تغيراً جذرياً في السياسات الإسرائيلية العنصرية تجاه الفلسطينيين، لكنه سيوجه ضربة رمزية إلى اليمين الإجرامي الصهيوني وتحالفاته الدولية. كما أن تقدّم الديمقراطيين في الكونغرس لن يسقط ترامب، لكنه قد يقيد سلطته ويعزّز مراقبة إدارته ومساءلتها. أما استمرار سانشيز أو فوز اليسار الفرنسي فسيعزز فرضية قدرة التحالفات الديمقراطية والتقدمية على وقف الزحف اليميني المتطرّف. ومع ذلك، من التسرّع إعلان نهاية هذا اليمين الفاشي، الذي لا يزال يمتلك قواعد انتخابية واسعة وشبكات إعلامية ومالية مؤثرة، وقدرة على استثمار المخاوف الاجتماعية والهوياتية، كما أن انتصار لُولا نفسه تحقق بفارق محدود في مجتمع لا يزال اليمين المتطرّف يحتفظ داخله بنفوذ قوي.
يعيش العالم اليوم مخاضاً تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحروب وتراجع الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وحالة متزايدة من اللايقين. وقد استثمر اليمين المتطرّف هذه الأزمات، مقدّماً نفسه بديلاً عن نخبٍ فقدت مصداقيتها، وواعداً بالأمن واستعادة السيادة، لكنه كثيراً ما حول المخاوف المشروعة إلى خطاب إقصائي عنصري يقوم على صناعة الأعداء وتأجيج الانقسامات. وفي المقابل، يبدو أن اليسار التقدمي بدأ يستعيد قدرته على تقديم إجاباتٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ مختلفة، تتجاوز الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية إلى استعادة المعنى الإنساني والأخلاقي للسياسة. وهنا تبرز أحداث غزّة باعتبارها أحد أهم العوامل التي أعادت تشكيل الوعي السياسي العالمي خلال السنوات الأخيرة.
من التسرّع إعلان نهاية هذا اليمين الفاشي، الذي لا يزال يمتلك قواعد انتخابية واسعة وشبكات إعلامية ومالية مؤثرة، وقدرة على استثمار المخاوف الاجتماعية والهوياتية، كما أن انتصار لُولا نفسه تحقق بفارق محدود في مجتمع لا يزال اليمين المتطرّف يحتفظ داخله بنفوذ قوي
فالحرب الإجرامية الإسرائيلية على غزّة، وما خلفته من مئات آلاف الضحايا ومن دمار وتهجير، حولت فلسطين من قضية إقليمية إلى قضية أخلاقية عالمية، أعادت طرح أسئلة العدالة والحرية والمساواة والكرامة، وكشفت التناقض بين القيم التي تعلن الديمقراطيات الغربية الدفاع عنها ومواقف بعض حكوماتها من الجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين. ولعل أهم ما أحدثته غزّة أنها أعادت السياسة إلى الشارع والجامعات، وخصوصاً بين الأجيال الشابة؛ فمن نيويورك إلى لندن وباريس ومدريد وساو باولو، خرجت حشود ضخمة للاحتجاج على حرب الإبادة في غزّة، والمطالبة بوقفها ومحاسبة المسؤولين عن جرائمها. ولم يكن جميع المتظاهرين يساريين، بل جمعتهم قضية إنسانية تتجاوز الانتماءات الإيديولوجية والدينية والقومية.
هكذا استعادت فلسطين موقعها في الضمير العالمي، لا باعتبارها قضية شعبٍ يطالب بحريته فحسب، بل مرآة تكشف حدود النظام الدولي ومصداقية القيم التي يدّعي الدفاع عنها. وأصبح التضامن معها، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشباب، جزءاً من تصور أشمل للعدالة يربط بين مناهضة العنصرية ورفض الاستعمار والدفاع عن الحقوق الاجتماعية ومقاومة السلطوية؛ فقوة القضية الفلسطينية الأخلاقية تكمن تحديداً في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، بصرف النظر عن هويته، وهو ما يمنحها القدرة على استقطاب ضمائر تتجاوز الحدود والانتماءات السياسية.
وربما يكون هذا أحد أهم الدروس التي ينبغي أن يستخلصها اليسار من انتصار لولا، فالرئيس البرازيلي لم يفز بالشعارات الإيديولوجية المجردة، وإنما بمخاطبة الفئات الشعبية وربط العدالة الاجتماعية بالديمقراطية، والسيادة الوطنية بالكرامة، والأمل في المستقبل برفض الفاشية. لقد قدم للناخبين سبباً للتصويت من أجل مشروع سياسي، لا مجرد التصويت من أجل الفوز. وهنا يكمن التحدي أمام سانشيز وميلونشون والديمقراطيين الأمريكيين وسائر القوى التقدمية؛ فهزيمة اليمين المتطرّف الفاشي لا تتحقق بالتحذير من مخاطره وحده، بل بتقديم بديل يعالج الفوارق الاجتماعية وأزمة السكن وتراجع الخدمات العمومية وفقدان الثقة في المؤسسات، وهي الأزمات التي غذّت صعوده وقد تسمح بعودته حتى بعد هزيمته.
الحرب الإجرامية الإسرائيلية على غزّة.. حولت فلسطين من قضية إقليمية إلى قضية أخلاقية عالمية، أعادت طرح أسئلة العدالة والحرية والمساواة والكرامة، وكشفت التناقض بين القيم التي تعلن الديمقراطيات الغربية الدفاع عنها ومواقف بعض حكوماتها من الجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين
لذلك، لا يشهد العالم بعد عودةً مؤكّدة لليسار، وإنما لحظة تاريخية تنفتح على احتمال هذه العودة، تتصارع فيها رؤيتان: يمين قومي متطرّف فاشي يريد عالماً تحكمه القوة والحدود المغلقة والهويات المتناحرة، ومقاومة ديمقراطية يسارية وتقدّمية عابرة للحدود تحاول استعادة التضامن الإنساني والعدالة الاجتماعية والقانون الدولي وحقوق الشعوب. وليس مؤكداً أن هذه المقاومة ستنتصر، لكن انتصار لولا أثبت أن اليمين المتطرف الفاشي ليس قدراً تاريخياً. وإذا حملت الأشهر المقبلة هزائم جديدة لحلفاء ترامب ونتنياهو، وانتصارات للقوى الديمقراطية والتقدّمية، فقد ينظر المؤرخون إلى خريف 2026 باعتباره بداية انعطاف سياسي عالمي. أما إذا حدث العكس، فسيبقى فوز لولا شاهداً على إمكانية المقاومة، لا دليلاً على حتمية الانتصار.
وفي الحالتَين، ثمّة تحول يصعب تجاهله، لقد غيّرت غزّة وعي أجيال كاملة، وأعادت أسئلة الحرية والعدالة والكرامة إلى قلب الصراع السياسي. وربما يكون هذا هو التحوّل الأعمق الذي نعيشه اليوم ليس مجرّد عودة محتملة لليسار إلى السلطة، بل عودة السياسة إلى معناها الأصلي، بوصفها صراعاً من أجل الإنسان وكرامته ومستقبله؛ فهل نحن أمام بداية عهد جديد؟ لا أحد يستطيع الجزم بهذا الآن، لكن انتصار لولا يقول شيئاً واحداً بوضوح: إنّ التاريخ لم ينتهِ، والمستقبل لم يُحسم، والشعوب ما زالت قادرة على تغيير اتجاهه. وقد تكون البرازيل، هذه المرّة، أول من قرع جرس التحول.
*صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”
عن “العربي الجديد”