عائشة الشنا.. أربع سنوات على الرحيل، والإنسانية التي لم تغب
غزلان الورزازي
في الذكرى الرابعة لرحيل عائشة الشنا، لا تستعيد الذاكرة المغربية اسم امرأة غابت عن المشهد، بقدر ما تستحضر مسارًا إنسانيًا ترك بصمته في واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية. أربع سنوات مرت على رحيل امرأة اختارت أن تجعل من الدفاع عن الإنسان جوهرًا لمسيرتها، وأن تمنح صوتها ووقتها وجهدها لمن وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف قاسية لا ذنب لهم فيها.
كانت عائشة الشنا حاضرة إلى جانب الأمهات العازبات، في فضاء اجتماعي كثيرًا ما أحاط هذه الفئة بالصمت والوصم والنظرة القاسية. اختارت أن تنظر إلى القضية من زاوية أخرى، عنوانها الإنسان قبل الأحكام، والكرامة قبل التصنيف، والمسؤولية الاجتماعية قبل الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.
ولم يتوقف اهتمامها عند الأمهات العازبات، فقد امتدت يدها إلى الأطفال الذين تخلى عنهم ذووهم، فكان الاحتضان بالنسبة إليها فعلًا إنسانيًا يتجاوز حدود المساعدة الظرفية. كانت تؤمن بأن الطفل الذي يبدأ حياته في ظروف صعبة يحتاج إلى من يصون كرامته ويمنحه فرصة للحياة بعيدًا عن ثقل التخلي والإهمال.
امرأة جعلت من التعاطف مسؤولية
ما يميز تجربة عائشة الشنا أن العمل الإنساني لم يكن بالنسبة إليها شعارًا للاستهلاك، بل مسؤولية يومية واختيارًا واضحًا. فقد ارتبط اسمها بالدفاع عن فئات اجتماعية تعيش في الهامش، وتحاول شق طريقها وسط واقع لا يمنحها دائمًا المساحة الكافية للتعبير عن احتياجاتها أو الدفاع عن حقوقها.
في هذا المسار، تحولت قضيتها إلى رسالة تتجاوز الأشخاص والظروف؛ رسالة مفادها أن المجتمع يُقاس أيضًا بقدرته على حماية من هم في موقع هش، وبمدى استعداده لمد جسور التضامن بدل تكريس العزلة.
أربع سنوات.. والغياب لم يطفئ الأثر
رحيل عائشة الشنا لم يضع نقطة نهاية لحضورها الإنساني. فبعض الشخصيات لا يرتبط تأثيرها بحضورها الجسدي، بل بما تتركه خلفها من أسئلة وقيم وتجارب. وبعد أربع سنوات، ما تزال سيرتها تستدعي النقاش حول الأمهات العازبات والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة التخلي، كما تستحضر الحاجة إلى مقاربة إنسانية تحفظ الكرامة وتضع الإنسان في قلب الاهتمام.
إن استحضار عائشة الشنا في ذكرى رحيلها ليس مجرد وفاء لاسم ترك بصمته، بل مناسبة للتوقف عند معنى أعمق للعمل الإنساني؛ فالدفاع عن الفئات الهشة لا يختصر في التعاطف معها، بل يحتاج إلى شجاعة الموقف، وإلى التزام مستمر، وإلى إيمان بأن الكرامة حق لا ينبغي أن يكون مشروطًا بالظروف الاجتماعية أو بنظرة الآخرين.
رحلت عائشة الشنا، لكن أثرها الإنساني بقي حاضرًا في الذاكرة. بقي اسمها مرتبطًا بامرأة وهبت حياتها للإنسان، ودافعت عن الأمهات العازبات، واحتضنت الأطفال الذين تخلى عنهم ذووهم.
وبين الذكرى والأثر، تظل سيرتها شاهدة على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: الإنسانية ليست كلمة تُقال، بل موقف ومسؤولية ووفاء.