العدالة والتنمية بعد 2021.. كيف أعاد العزوف والاحتجاج السياسي «المصباح» إلى الواجهة؟
معكم 24/تحليل
لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد الانتخابي المغربي في استحقاقات 2026 مجرد انعطافة عابرة في خريطة التصويت، بل جاءت في سياق انتخابي اتسم بنسبة مشاركة محدودة بلغت نحو 38 في المائة، وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية، وهو ما جعل قراءة النتائج مرتبطة ليس فقط بالأصوات التي حصدتها الأحزاب، بل أيضًا بحجم الكتلة التي اختارت عدم المشاركة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة أداء «المصباح» من خلال تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والانتخابية، في مقدمتها وجود قاعدة انتخابية محافظة أكثر قابلية للحفاظ على حضورها في صناديق الاقتراع، إلى جانب الخطاب المعارض للتطبيع، والحضور التعبوي لعبد الإله بنكيران، فضلًا عن انتقال جزء من الغضب تجاه أداء الحكومة إلى صناديق الاقتراع.
العزوف الانتخابي يغيّر موازين الوزن النسبي
عندما تنخفض المشاركة، لا تختفي الكتل الانتخابية بالوتيرة نفسها. فالأحزاب التي تتوفر على قاعدة ناخبة أكثر انتظامًا تستطيع الحفاظ على جزء معتبر من حضورها الانتخابي، بينما تتراجع الكتلة الإجمالية للأصوات المتنافسة بفعل ارتفاع العزوف.
ومن هذه الزاوية، تبدو الكتلة المحافظة المرتبطة بالعدالة والتنمية عنصرًا مهمًا في تفسير تحسن موقع الحزب مقارنة بنتيجة 2021. فقد حصل الحزب في انتخابات 2021 على 13 مقعدًا فقط، قبل أن يرتفع العدد المؤقت في انتخابات 2026 إلى 54 مقعدًا.
غير أن ارتفاع عدد المقاعد لا يعني، في حد ذاته، أن العزوف كان العامل الوحيد وراء هذا التحول؛ فالسلوك الانتخابي يتأثر كذلك بدرجة التعبئة، وتوزيع الأصوات بين المنافسين، وطبيعة الدوائر، وحجم المشاركة داخل كل منطقة.
من خطاب المعارضة إلى ورقة التطبيع
احتل موقف الحزب الرافض للتطبيع مع إسرائيل موقعًا بارزًا في خطابه السياسي، إلى جانب مساندة القضية الفلسطينية. ويمنح هذا الملف للحزب مساحة خطابية واضحة لاستقطاب فئات من الناخبين الذين يتفاعلون مع القضية الفلسطينية ومع المواقف السياسية المناهضة للتطبيع.
وتزداد أهمية هذا المعطى حين يوضع ضمن سياق انتخابي يبحث فيه الناخب عن اختلاف واضح بين الأحزاب. فالقضايا ذات الحمولة السياسية والهوياتية لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها لدى جميع الناخبين، لكنها توفر للحزب مادة تعبئة يمكن توظيفها ضمن خطاب انتخابي أوسع.
بنكيران.. التعبئة السياسية خارج لغة البرامج
إلى جانب الموقف من التطبيع، شكّل الحضور الخطابي لعبد الإله بنكيران عنصرًا بارزًا في الحملة الانتخابية. فالمهرجانات واللقاءات الجماهيرية التي خاطب خلالها أنصار الحزب والناخبين لم تقتصر على عرض البرنامج، بل استندت إلى خطاب سياسي مباشر يستحضر تجربة الحزب، ويعيد تقديمه باعتباره قوة معارضة في مواجهة الأحزاب التي قادت الحكومة.
وهنا تبرز أهمية الشخصية السياسية في الانتخابات؛ إذ لا تتحرك بعض القواعد الانتخابية فقط بناء على تفاصيل البرامج، بل تتفاعل أيضًا مع الرموز والخطاب والذاكرة السياسية للحزب.
الغضب من الحكومة وصندوق الاقتراع
عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في ما يمكن وصفه بالتصويت العقابي. فالقضايا المرتبطة بارتفاع الأسعار، والبطالة، وجودة الخدمات، والانتظارات الاجتماعية، يمكن أن تتحول إلى عناصر مؤثرة في سلوك الناخب، خصوصًا عندما يكون الحزب المعارض قادرًا على تقديم نفسه كبديل سياسي واضح.
وفي هذه الحالة، لا يكون الامتناع عن التصويت هو التعبير الوحيد عن الاستياء؛ إذ يمكن أن يتحول الغضب لدى جزء من الناخبين إلى تصويت ضد الأحزاب الموجودة في موقع التدبير، واختيار منافس معارض.
وهذا التفسير يظل قراءة تحليلية للسلوك الانتخابي، وليس نتيجة يمكن الجزم بها من أرقام النتائج وحدها، لأن تحديد دوافع كل ناخب يحتاج إلى معطيات استطلاعية مستقلة.
من هزيمة 2021 إلى 54 مقعدًا في 2026
المفارقة الأبرز تكمن في المسافة التي قطعها العدالة والتنمية بين استحقاقي 2021 و2026. فبعد أن تراجع إلى 13 مقعدًا في انتخابات 2021، أظهرت النتائج المؤقتة المعلنة عقب اقتراع 23 شتنبر 2026 حصوله على 54 مقعدًا، ليصبح رابع قوة برلمانية من حيث عدد المقاعد.
كما أعلن الحزب، استنادًا إلى محاضر توصلت بها حملته، تصدره في عدد من الدوائر والمدن الكبرى، من بينها الرباط وسلا وتمارة وأكادير وفاس ومكناس والدار البيضاء وطنجة، مع بقاء بعض هذه المعطيات في إطار النتائج الأولية عند صدورها.
وفي طنجة-أصيلة، تأكد لاحقًا تصدر الحزب للنتائج النهائية وحصوله على مقعد من أصل خمسة، إلى جانب أربعة أحزاب أخرى حصل كل منها على مقعد واحد.
عودة لا تختصر في عامل واحد
تكشف قراءة المشهد أن عودة العدالة والتنمية إلى الواجهة لا يمكن اختزالها في العزوف الانتخابي وحده. فالعزوف أعاد تشكيل الوزن النسبي للكتل المشاركة، بينما وفرت القاعدة الانتخابية للحزب أرضية للتعبئة، وأسهم الخطاب حول التطبيع والقضية الفلسطينية في ترسيخ هويته السياسية، فيما منح حضور بنكيران الحملة قدرة إضافية على التعبئة واستقطاب الأنصار.
في المقابل، فتح الغضب المرتبط بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية مجالًا أمام التصويت الاحتجاجي، خصوصًا في مواجهة الأحزاب الموجودة في موقع تدبير الحكومة.
هكذا تبدو انتخابات 2026 بالنسبة إلى العدالة والتنمية أقرب إلى عملية إعادة تركيب لقوته الانتخابية منها إلى مجرد استعادة آلية لنتائج الماضي. فالحزب لم يعد إلى أرقام 2016، ولم يصبح القوة الأولى في البرلمان، لكنه انتقل من 13 مقعدًا في 2021 إلى 54 مقعدًا في النتائج المؤقتة لـ2026، في مشهد انتخابي تصدرته الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا.
وبين الكتلة الانتخابية الثابتة، وخطاب الهوية، والقضية الفلسطينية، والتعبئة الجماهيرية، والاحتجاج على أداء الحكومة، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا لتحول «المصباح»: ليس انتصار عامل واحد، بل تداخل عوامل أعادت للحزب حضورًا برلمانيًا واسعًا بعد خمس سنوات فقط من واحدة من أكبر انتكاساته الانتخابية.