شريط الأخبار

حرب الشوارع بإنزكان.. كيف أفشلت السلطة المحلية خطط الباعة الجائلين لاستعادة الأرصفة ؟

متابعة: رضوان الصاوي

لم يعد ملف احتلال الملك العمومي بمدينة إنزكان مجرد حملات موسمية تنتهي بعودة الوضع إلى ما كان عليه، بل تحول داخل النفوذ الترابي للملحقة الإدارية الأولى إلى مواجهة ميدانية يومية تتطور فيها أساليب التدخل، كما تتطور في المقابل طرق التحايل والعودة إلى الشارع.

فما الذي تغير ؟ وكيف انتقلت السلطة المحلية من سياسة التدخل التقليدي إلى خطة ميدانية تعتمد على الرصد المستمر والاستباق ؟

** من الحملات الدورية إلى الحضور الميداني الدائم…

تكشف المعطيات الميدانية أن السلطة المحلية بالملحقة الإدارية الأولى، بقيادة القائد عبد المنعم، وبتنسيق مع رئيس الدائرة عزيز الشهواني، لم تكتف بتنظيم حملات متفرقة لتحرير الملك العمومي، بل اعتمدت استراتيجية تقوم على مسح ميداني دوري لمختلف الشوارع والأحياء، بمعدل تدخل كل ساعتين أو ثلاث ساعات.

هذا الإيقاع اليومي جعل من تدخلات السلطة حضوراً دائماً في الميدان، وهو ما حدّ من إمكانية استقرار مظاهر الاحتلال لفترات طويلة، وأربك محاولات العودة السريعة إلى الأرصفة والفضاءات العمومية.

عندما غيّر الباعة الجائلون قواعد اللعبة …لكن المعركة لم تتوقف عند هذا الحد.

فمع تشديد المراقبة، لجأ عدد من الباعة الجائلين إن لم نقل أغلبهم إلى تغيير أساليبهم، مستعينين بالدراجات ثلاثية الدفع التي مكنتهم من التنقل بسرعة بين الأزقة والشوارع، والانسحاب بسرعة فور ظهور لجان المراقبة، قبل العودة إلى النشاط في مواقع أخرى أو بعد مغادرة الفرق الميدانية.

هذا التحول فرض واقعاً جديداً، وأظهر أن مواجهة احتلال الملك العمومي لم تعد تقتصر على إزالة العربات أو إخلاء الأرصفة، بل أصبحت تتطلب قراءة دقيقة لتحركات المخالفين وأساليبهم المتجددة.

خطة ميدانية جديدة… من رد الفعل إلى الاستباق...

وأمام هذه المتغيرات، اختارت السلطة المحلية تطوير أسلوب اشتغالها.

فبدلاً من الاقتصار على التدخل عند تسجيل المخالفة، جرى تحديد النقط التي تشهد أكبر تجمع للباعة الجائلين، والتي يصفها متابعون بـ”النقط السوداء”، ليتم تعزيزها بشكل دائم بأعوان السلطة وعناصر القوات المساعدة.

هذا الانتشار الميداني لا يهدف فقط إلى التدخل، بل إلى منع إعادة احتلال الفضاءات العمومية قبل وقوعها، وهو ما يمثل انتقالاً من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية والاستباق.

اثنتا عشرة ساعة من المراقبة اليومية…

وفق المعطيات المتوفرة، تمتد عمليات التتبع والمراقبة يومياً من الساعة التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، بمشاركة أعوان السلطة وعناصر القوات المساعدة،
وبالتنسيق مع الشرطة الإدارية، في عمل ميداني متواصل يغطي مختلف الشوارع والأحياء التابعة للملحقة الإدارية الأولى.

هذا الحضور المستمر يعكس حجم الرهان الذي تمثله معركة تحرير الملك العمومي، خصوصاً بمدينة تعرف حركة تجارية كثيفة وتوافداً يومياً لعدد كبير من المتسوقين والباعة.

بين حق العيش وحق المواطنين في الفضاء العام...

ورغم أهمية هذه التدخلات في إعادة النظام إلى الشارع، يبقى الملف ذا أبعاد اجتماعية واقتصادية معقدة، إذ يرى عدد من الباعة الجائلين في هذا النشاط مصدر رزقهم الأساسي، بينما يطالب المواطنون والتجار الملتزمون بالقانون بحماية الأرصفة، وضمان حرية التنقل، واحترام قواعد المنافسة المشروعة.

وفي هذا السياق، يرى متابعون أن نجاح أي مقاربة لتحرير الملك العمومي يظل رهيناً بالموازنة بين التطبيق الصارم للقانون، وبين توفير بدائل تنظيمية واجتماعية لفائدة من يزاولون التجارة في الشارع، بما يضمن الحفاظ على النظام العام دون إغفال البعد الاجتماعي.

معركة يومية لم تنته بعد

تكشف تجربة الملحقة الإدارية الأولى بإنزكان أن تحرير الملك العمومي لم يعد عملية موسمية أو حملة ظرفية، بل أصبح ورشاً يومياً مفتوحاً يتطلب المتابعة المستمرة، والقدرة على التكيف مع الأساليب المتغيرة للمخالفين، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، بمجهود كبير للسلطة و الشرطة الإدارية.

وبين سلطة تراهن على الاستمرارية في فرض احترام القانون، وباعة جائلين يبتكرون وسائل جديدة للعودة إلى الأرصفة، تستمر “حرب الشوارع” في إنزكان، لتظل نتائجها مرتبطة بمدى استدامة الحضور الميداني، ونجاعة الحلول التنظيمية والاجتماعية التي قد تحول دون عودة الظاهرة في المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.