4"][/video]

الصادرات المغربية نحو إفريقيا.. بين حماية السوق الوطنية واستقرار القرار التصديري

متابعة: رضوان الصاوي

لم تعد قضية الصادرات المغربية نحو الأسواق الإفريقية ترتبط فقط بحجم المبادلات التجارية أو بقدرة المنتوج الوطني على المنافسة، بل أصبحت تثير، في أوساط مهنية واقتصادية، نقاشاً أوسع حول وضوح واستقرار القرارات المنظمة للتصدير، ومدى تأثيرها على المصدرين وعلى انتظام العلاقات التجارية مع الشركاء الأفارقة.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار بعض القيود والإجراءات المرتبطة بتصدير عدد من المنتجات الفلاحية، وفي مقدمتها الطماطم، مقابل استئناف تصدير منتجات أخرى، من بينها البصل، فيما يخضع تصدير البطاطس بدوره لشروط ومساطر تنظيمية خاصة.

ويرى عدد من المهنيين أن اختلاف التدابير من منتج إلى آخر يطرح الحاجة إلى مزيد من التواصل والتوضيح بشأن المعايير التي تستند إليها القرارات التنظيمية، خصوصاً بالنسبة للمصدرين المرتبطين بعقود والتزامات تجارية مع مستوردين في الأسواق الإفريقية.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النشاط التصديري، الذي يرتبط عادة ببرامج إنتاج ومواعيد تسليم وترتيبات لوجستيكية وعقود تجارية مسبقة. وبالتالي، فإن أي تغيير في شروط التصدير قد تكون له انعكاسات مباشرة على قدرة المصدرين على الوفاء بالتزاماتهم تجاه شركائهم.

وفي هذا السياق، تتداول بعض الأوساط المهنية معطيات وشكايات تتحدث عن محاولات لتمرير بعض المنتجات خارج القنوات النظامية، من بينها ما يصفه البعض بوجود تهريب لمنتجات فلاحية نحو أسواق إفريقية.

غير أن هذه المعطيات، في غياب بيانات رسمية أو نتائج تحقيقات من الجهات المختصة، لا يمكن اعتبارها وقائع ثابتة، كما أن تحديد حجم هذه الممارسات ومساراتها والجهات المتورطة فيها يظل من اختصاص السلطات المعنية.

كما يتم تداول حديث عن شبهات مرتبطة بممارسات غير قانونية قد تكون مرتبطة بتسهيل مرور بعض السلع، وهي بدورها ادعاءات تستوجب التحقق والتثبت قبل اعتمادها كمعطيات مؤكدة. ويؤكد مهنيون، في المقابل، أهمية تعزيز المراقبة والشفافية في مختلف مراحل عمليات التصدير والمعابر الحدودية، بما يضمن تكافؤ الفرص واحترام القواعد المعمول بها.

وتبرز هنا إشكالية أخرى تتعلق بالمنافسة بين النشاط النظامي وغير النظامي؛ إذ يرى بعض المهنيين أن تعقيد المساطر أو طول آجال المعالجة، إذا ما حدث، قد يخلق صعوبات إضافية أمام المصدرين الملتزمين بالقنوات القانونية، خصوصاً في أسواق تقوم على سرعة التوريد واستمراريته.

ولا يقتصر النقاش على منتج بعينه، إذ شهدت الفترة الأخيرة تطورات مرتبطة بتصدير بعض المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية، من بينها إعادة فتح المجال أمام تصدير البصل إلى عدد من الأسواق جنوب المملكة، في وقت استمرت فيه تدابير مرتبطة بمنتجات أخرى.

ويعتبر مهنيون أن وضوح الرؤية واستقرار القواعد التنظيمية يمثلان عنصرين أساسيين لضمان قدرة المصدرين على التخطيط، وتفادي الخسائر المرتبطة بتغيير البرامج التجارية بعد إبرام العقود والالتزامات مع المستوردين.

فالمنافسة داخل الأسواق الإفريقية لا تعتمد فقط على جودة المنتوج المغربي أو أسعاره، وإنما تشمل أيضاً انتظام عمليات التوريد، واحترام آجال التسليم، واستقرار الكميات المتاحة، فضلاً عن قدرة المصدر على تقديم عرض تجاري يمكن للشريك الأجنبي الاعتماد عليه على المدى المتوسط والبعيد.

ومن جهة أخرى، تبقى حماية السوق الوطنية وضمان توازن العرض الداخلي والحفاظ على الأمن الغذائي واستقرار الأسعار من الاعتبارات الأساسية التي يمكن أن تستند إليها السلطات العمومية عند اتخاذ تدابير لتنظيم الصادرات.

ويتمثل التحدي، وفق مقاربة عدد من المهنيين، في تحقيق التوازن بين هذه الأهداف وبين الحفاظ على تنافسية القطاع التصديري، بما يضمن حماية المستهلك والسوق الوطنية دون إرباك سلاسل التوريد أو التأثير سلباً على التزامات المصدرين تجاه شركائهم الخارجيين.

وفي هذا الإطار، يطالب مهنيون بمزيد من التشاور والتواصل مع الفاعلين في القطاع قبل اعتماد التدابير التي تؤثر على المنتجات الموجهة إلى التصدير، معتبرين أن إشراك المهنيين يمكن أن يساعد على استباق التداعيات الاقتصادية والتجارية المحتملة لأي قرار.

كما يتم تداول معطيات بشأن ارتفاع بعض التكاليف والرسوم المرتبطة بعمليات التصدير، إلى جانب حديث عن تراجع في حجم الصادرات نحو بعض الأسواق الإفريقية، مع تداول تقديرات تصل، في بعض الحالات، إلى حوالي 60 في المائة.

غير أن هذه النسب تظل بحاجة إلى معطيات رسمية ودقيقة تحدد الفترة الزمنية والمنتجات والأسواق المعنية، حتى يتسنى قياس حجم التراجع وأسبابه بشكل موضوعي، بعيداً عن التقديرات غير الموثقة.

ويظل المغرب، خلال السنوات الماضية، قد راكم حضوراً تجارياً واقتصادياً مهماً في القارة الإفريقية، سواء من خلال الصادرات أو الاستثمارات أو تطوير سلاسل الإمداد والربط اللوجستيكي. ولذلك فإن الحفاظ على هذه المكتسبات يتطلب، إلى جانب جودة المنتوج وتنافسيته، توفير بيئة تصديرية مستقرة وقابلة للتوقع.

كما أن محاربة أي نشاط غير قانوني، متى ثبت وجوده، تقتضي تعزيز آليات المراقبة والتتبع، بالتوازي مع تبسيط وتوضيح المساطر القانونية أمام الفاعلين الاقتصاديين، بما يضمن احترام القواعد ويحمي المنافسة الشريفة.

وفي المحصلة، فإن النقاش الدائر لا يتعلق بالطماطم أو البصل أو البطاطس فقط، وإنما يرتبط بصورة أوسع بمستقبل الصادرات المغربية نحو الأسواق الإفريقية، وبمدى قدرة مختلف المتدخلين على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق الوطنية والتزامات المغرب التجارية الخارجية.

وتبقى الحاجة قائمة إلى سياسة تصديرية واضحة ومستقرة، تقوم على معايير معلنة وتواصل فعال مع المهنيين، بما يسمح للمصدرين بالتخطيط المسبق واحترام التزاماتهم، ويحافظ في الوقت نفسه على مصالح المستهلك والسوق الوطنية.

ويبقى السؤال المطروح هو كيفية تحقيق هذا التوازن: حماية الأمن الغذائي واستقرار السوق الداخلية من جهة، والحفاظ على تنافسية الصادرات المغربية وثقة الشركاء الأفارقة من جهة أخرى.

وهو تحدّ يتطلب مقاربة تشاركية تجمع السلطات العمومية والمهنيين والمصدرين، بما يعزز شفافية القرار واستقرار القواعد، ويضمن استمرار حضور المنتوج المغربي في الأسواق الإفريقية على أسس تجارية وقانونية واضحة.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.