محمد أمولود يقلب الطاولة.. نفي الالتحاق بالحركة الشعبية يعيد خلط أوراق «الجرار» بإنزكان أيت ملول
متابعة: رضوان الصاوي
لم يكن البيان التوضيحي الصادر عن المكتب الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بإنزكان أيت ملول، والذي نفى التحاق محمد أمولود بحزب الحركة الشعبية، مجرد رد عابر على خبر جرى تداوله في بعض المنابر والصفحات الإلكترونية، بل حمل، بتوقيته ومضمونه، رسائل سياسية تتجاوز حدود النفي إلى إعادة تثبيت موقع رجل راكم، على مدى سنوات، تجربة واسعة في تدبير الشأن السياسي والتنظيمي محلياً وإقليمياً.
فمحمد أمولود، الذي تحدثت بعض الروايات عن خروجه من الحسابات التنظيمية عقب الخلافات التي أعقبت خرجته الإعلامية السابقة، عاد ليضع حداً لما تم تداوله بشأن قرب انتقاله إلى الحركة الشعبية، مؤكداً، وفق ما جاء في البيان التوضيحي، استمراره أميناً إقليمياً لحزب الأصالة والمعاصرة بإقليم إنزكان أيت ملول، ورئيساً لمجلس العمالة.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن النفي لا يمثل مجرد تصحيح لخبر متداول، بقدر ما يعيد طرح السؤال حول مآل الترتيبات التي كانت تُتداول بشأن مستقبل هياكل «الجرار» بالإقليم، وحول طبيعة التوازنات التي تحكم المرحلة المقبلة داخل الحزب.
وبحسب المعطيات المتداولة في الكواليس السياسية المحلية، دخلت وضعية أمولود التنظيمية مرحلة من التوتر عقب خرجته الإعلامية الأخيرة، في ظل حديث عن تجميد عضويته من طرف التنسيقية الجهوية للحزب. وتزامن ذلك مع تسريبات بشأن توجه لإعادة ترتيب هياكل الحزب بإنزكان أيت ملول، بما في ذلك الكتابتان المحلية والإقليمية، إلى جانب تداول سيناريوهات سياسية تتحدث عن إمكانية فقدان أمولود بعض مواقع المسؤولية، بل وطرح فرضية التأثير على موقعه في رئاسة مجلس عمالة إنزكان أيت ملول.
غير أن «القيدوم» السياسي اختار، على ما يبدو، ألا يغادر المشهد من الباب الخلفي. فبدل أن يتحول خبر مغادرته المفترضة إلى أمر واقع، جاء البيان ليؤكد بقاءه داخل الحزب واستمراره في تحمل مسؤولياته، واضعاً بذلك حداً للرواية التي بنت حساباتها على انتقاله إلى تنظيم سياسي آخر.
وهنا تكمن أهمية الخطوة سياسياً؛ فأمولود لم يكتفِ بنفي مغادرته، بل أعاد وضع اسمه في قلب المعادلة السياسية والتنظيمية المحلية، وذكّر، بشكل غير مباشر، بأن حضوره داخل المشهد لا يمكن تجاوزه بسهولة عند أي محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب.
والواقع أن اختزال محمد أمولود في مجرد اسم تنظيمي قابل للاستبدال قد يكون تبسيطاً لمشهد سياسي محلي أكثر تعقيداً. فالرجل من الوجوه التي راكمت تجربة طويلة في العمل السياسي والحزبي وتدبير المؤسسات المنتخبة، كما يمتلك خبرة في قراءة التوازنات المحلية وشبكة من العلاقات التي تجعل التعامل مع مستقبله السياسي أكثر تعقيداً من مجرد قرار تنظيمي عابر.
لذلك، فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد الحزبي بإنزكان أيت ملول لا يمكن أن تتجاهل حضوره السياسي، سواء اتفق معه خصومه أو اختلفوا معه، خصوصاً في ظل حساسية المرحلة والاستحقاقات السياسية المقبلة.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن أمولود نجح، على الأقل في هذه الجولة، في إعادة خلط الأوراق وإرباك رواية كانت تتجه نحو طي صفحته سياسياً. فبينما كانت أخبار انتقاله إلى الحركة الشعبية تتصدر النقاش، جاء النفي ليعيد الكرة إلى ملعب الأصالة والمعاصرة، وليطرح سؤالاً أكثر إحراجاً: إذا كان أمولود باقياً داخل الحزب، فما مصير الترتيبات التي قيل إنها كانت تُطبخ لإعادة هيكلة «الجرار» محلياً وإقليمياً؟
والأكثر دلالة أن البيان لم يترك مساحة كبيرة للالتباس بشأن الوضعية الحالية، بعدما شدد على استمرار أمولود في مهامه التنظيمية والسياسية. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لطريقة تدبير العلاقة بين القيادات الجهوية والإقليمية والمحلية للحزب، ومدى قدرة «الجرار» على احتواء الخلافات الداخلية دون أن تتحول إلى معارك مفتوحة حول المواقع والنفوذ.
كما أن استمرار هذا الكر والفر التنظيمي والسياسي قد تكون له انعكاسات مباشرة على صورة الحزب وحصيلته في الاستحقاقات المقبلة، خصوصاً إذا تحولت الخلافات الداخلية من نقاش حول التدبير والتنظيم إلى صراع مكشوف حول موازين القوى.
وفي انتظار اتضاح الصورة كاملة، يبقى الثابت أن محمد أمولود لم يخرج من اللعبة السياسية كما كان يعتقد البعض. فقد يكون الرجل تعرض لهزة تنظيمية، وقد تكون حسابات إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب قد بدأت فعلاً، لكن التجربة السياسية تقول إن وزن الفاعل السياسي لا يُقاس فقط بموقعه التنظيمي الآني، وإنما أيضاً بقدرته على قراءة اللحظة، وإدارة الأزمات، وانتظار اللحظة المناسبة لاستعادة زمام المبادرة.
وبين تجميد يُتداول، وإعادة هيكلة تُسرّب، وانتقال سياسي جرى نفيه، تظل الحقيقة المعلنة حتى الآن واضحة: محمد أمولود يقول إنه باقٍ داخل «الجرار».. أما باقي التفاصيل، فستتكفل الأيام بكشفها.