استطلاع مغربي يكشف مفارقة الرضا عن الخدمات: الصحة العمومية في المؤخرة والصيدليات والبقالة في الصدارة
هيام بحراوي
كشف استطلاع أنجزه المركز المغربي للمواطنة حول السلوك المهني في المغرب عن تفاوت واضح في مستوى رضا المواطنين عن الخدمات العمومية والمهن الخاصة، مسلطا الضوء على اختلالات مرتبطة بجودة الخدمات والاستقبال واحترام الآجال والشفافية، إلى جانب ممارسات تؤثر في علاقة المرتفقين بالإدارات ومقدمي الخدمات.
وأظهرت نتائج الاستطلاع، الذي امتد من 23 نونبر 2025 إلى 24 مارس 2026، أن نسبة الرضا عن القطاعات العمومية العشرة التي شملها البحث لم تتجاوز 32.2 في المائة، مقابل 50 في المائة بالنسبة إلى المهن والخدمات الخاصة، في مؤشر على تباين تقييم المواطنين للتجربتين، وإن كانت النتائج تظل مرتبطة بخصائص العينة المعتمدة.
الصحة العمومية في ذيل الترتيب
سجل قطاع الصحة العمومية أدنى مستوى للرضا ضمن القطاعات التي شملها الاستطلاع، إذ لم تتجاوز نسبة الراضين عن خدماته 12.7 في المائة، مقابل 87.3 في المائة عبروا عن عدم رضاهم، وهو ما يعكس حجم التحديات التي يواجهها المرتفقون في هذا المجال.
وتصدرت ندرة المستلزمات الطبية الأساسية قائمة مصادر عدم الرضا بنسبة 85.4 في المائة، تلتها فترات الانتظار الطويلة بنسبة 84.6 في المائة، ثم ضعف الإحساس بالإنصاف والمساواة في المعاملة بنسبة 81.2 في المائة.
كما سجل الاستطلاع نسبا مرتفعة من عدم الرضا بشأن الاستقبال والتواصل والتوجيه بنسبة 78.5 في المائة، وجودة الخدمات الطبية بنسبة 78.4 في المائة، في حين لم تتجاوز نسبة الرضا عن مهنية العاملين 29.5 في المائة.
وتبرز هذه المؤشرات تعدد جوانب الاختلال كما عكستها إجابات المشاركين، إذ لا يرتبط تقييم الخدمات الصحية بجودة العلاج وحدها، بل يشمل أيضا ظروف الاستقبال، وتوفير المستلزمات، واحترام وقت المرتفق وضمان معاملته على قدم المساواة.
المحافظة العقارية تتصدر الخدمات العمومية
في المقابل، تصدرت المحافظة العقارية ترتيب القطاعات العمومية من حيث الرضا، بنسبة بلغت 50.5 في المائة، تلتها مراكز تسجيل السيارات بنسبة 46.4 في المائة، ثم خدمات الماء والكهرباء بنسبة 42.4 في المائة، والجمارك بنسبة 39.1 في المائة.
وبلغت نسبة الرضا عن خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 34 في المائة، مقابل 28.8 في المائة بالنسبة إلى قطاع العدالة، و26 في المائة بالنسبة إلى الضرائب، و25.8 في المائة بالنسبة إلى التعليم العمومي.
أما الجماعات الترابية، فلم تتجاوز نسبة الرضا عن خدماتها 21.4 في المائة، لتظل ضمن القطاعات التي سجلت تقييما سلبيا لدى المشاركين في الاستطلاع.
ويكشف هذا التفاوت عن اختلاف تجارب المرتفقين من مرفق إلى آخر، كما يبرز أن تقييم الخدمات العمومية لا يتخذ منحى موحدا، بل يتباين بحسب طبيعة الخدمة والتجربة التي يخوضها المواطن عند الاستفادة منها.
الصيدليات والبقالة في صدارة المهن الخاصة
على مستوى المهن والخدمات الخاصة، سجلت الصيدليات أعلى نسبة للرضا بلغت 70.7 في المائة، متقدمة بفارق ضئيل على محلات البقالة التي بلغت نسبة الرضا عنها 70.3 في المائة. كما وصلت النسبة إلى 53 في المائة بالنسبة إلى العاملين في الخدمات المنزلية.
وفي المقابل، ظلت مستويات الرضا عن بعض الخدمات أقل من النصف، إذ بلغت 48.1 في المائة لدى ميكانيكيي السيارات، و47.9 في المائة لدى السباكين، و47.8 في المائة لدى الجزارين.
أما الأطباء في القطاع الخاص، فلم تتجاوز نسبة الرضا عن خدماتهم 39.2 في المائة، فيما سجل سائقو سيارات الأجرة الصغيرة أدنى مستوى للرضا ضمن المهن الخاصة الواردة في هذه النتائج، بنسبة 23.8 في المائة، مقابل 76.2 في المائة من غير الراضين.
وتعكس هذه الأرقام تفاوتا في تقييم الخدمات اليومية، حيث تسجل بعض الأنشطة القريبة من الحياة الاستهلاكية للمواطن مستويات رضا مرتفعة، بينما تواجه خدمات أخرى انتقادات تتصل بجودة الأداء وطريقة التعامل واحترام حقوق الزبون.
سيارات الأجرة والحرفيون تحت مجهر المرتفقين
في ما يتعلق بسيارات الأجرة الصغيرة، برزت مجموعة من الممارسات التي أثارت عدم رضا المشاركين، في مقدمتها نقل ركاب إضافيين دون موافقة الزبون بنسبة 87.7 في المائة، ثم رفض التوجه إلى الوجهات المطلوبة بنسبة 78.6 في المائة.
كما عبر 73.5 في المائة عن عدم رضاهم عن مستوى الراحة، و70.8 في المائة عن عدم رضاهم بشأن القيادة الآمنة واحترام قانون السير. وفي المقابل، بلغت نسبة الرضا عن التعريفة أو استعمال العداد 45.2 في المائة.
أما خدمات الحرفيين، فقد ارتبطت أبرز مصادر عدم الرضا بالتأخر عن الموعد المتفق عليه بنسبة 75.5 في المائة، وعدم تنظيف مكان العمل بعد انتهاء الأشغال بنسبة 71 في المائة، وعدم الالتزام بالسعر المتفق عليه بنسبة 59.3 في المائة. وبالمقابل، بلغت نسبة الرضا عن احترام خصوصية المنزل 56.8 في المائة.
وتضع هذه النتائج احترام الاتفاقات المسبقة في صلب العلاقة بين مقدم الخدمة والزبون، سواء تعلق الأمر بالموعد أو السعر أو طبيعة الخدمة، وهي عناصر تؤثر في الثقة المتبادلة وفي تقييم السلوك المهني.
ضعف المعاملة والشفافية من أبرز مصادر الاستياء
على مستوى الإدارة العمومية، أظهرت إجابات 635 مشاركا أن سوء المعاملة أو التمييز في التعامل جاء في مقدمة الممارسات السلبية بنسبة 76.2 في المائة، يليه التأخر في معالجة الملفات بنسبة 75.6 في المائة، ثم ضعف المساءلة وتحمل المسؤولية بنسبة 74.3 في المائة.
كما سجل الاستطلاع عدم الرضا عن غياب بعض الموظفين أو عدم احترام أوقات العمل بنسبة 71.5 في المائة، وعدم نشر المساطر والوثائق المطلوبة بنسبة 66.8 في المائة.
وبلغت نسبة المشاركين الذين أشاروا إلى دفع المرتفق نحو تقديم إكرامية أو رشوة 56.2 في المائة. وتعبر هذه النسبة عن تصورات المشاركين بشأن هذه الممارسة، ولا تعني بالضرورة أن النسبة نفسها تعرضت لها بشكل مباشر.
أما في القطاع الخاص، فقد تصدر غياب الشفافية بشأن الأسعار وشروط الخدمة قائمة الممارسات السلبية بنسبة 77.6 في المائة، تلاه استغلال حاجة الزبون لرفع السعر بنسبة 71.5 في المائة، ثم إضافة خدمات غير ضرورية بنسبة 61.5 في المائة، وتقديم خدمة بجودة أقل مما تم الاتفاق عليه بنسبة 60.9 في المائة.
وتبرز هذه المعطيات أن العلاقة بين المواطن ومقدم الخدمة لا تتحدد بالنتيجة النهائية وحدها، بل تتأثر أيضا بوضوح الشروط، واحترام الالتزامات، وطريقة التعامل مع الزبون أو المرتفق.
تصورات بضعف المنافسة في قطاعات حيوية
تطرق الاستطلاع أيضا إلى تقييم المشاركين لمستوى المنافسة في عدد من القطاعات الاقتصادية. واعتبر 86.5 في المائة منهم أن المنافسة في قطاع الأدوية ضعيفة، مقابل 76.6 في المائة بالنسبة إلى المحروقات، و45.8 في المائة في الاتصالات، و38.5 في المائة في القطاع البنكي، و29.2 في المائة في التأمين.
وتعكس هذه النسب تصورات المشاركين بشأن المنافسة، ولا تشكل في حد ذاتها تقييما اقتصاديا موضوعيا لبنية الأسواق أو درجة تركيزها. غير أنها تبرز حضور مسألة المنافسة ضمن انشغالات المستهلكين، خاصة في القطاعات المرتبطة بنفقات الأسر والخدمات الأساسية.
اختلاف التقييم بحسب السن والجنس
أظهرت النتائج اختلافا في مستويات الرضا بحسب الفئات العمرية، إذ بلغت نسبة الرضا عن المهن الخاصة 63.7 في المائة لدى المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 29 سنة، مقابل 41.7 في المائة لدى من تتجاوز أعمارهم 60 سنة.
وفي قطاع الصحة العمومية، لم تتجاوز نسبة الرضا 4.1 في المائة لدى الفئة التي تقل أعمارها عن 29 سنة، مقابل 17.3 في المائة لدى الفئة التي تتجاوز 60 سنة.
كما سجلت إجابات النساء نسبة رضا عن القطاع العمومي بلغت 29.6 في المائة، مقابل 32.9 في المائة لدى الرجال.
وتقدم هذه الفوارق صورة عن اختلاف تقييم التجارب المهنية والخدماتية بين المشاركين، من دون أن تسمح وحدها بتحديد الأسباب التي تقف وراء هذه الاختلافات.
عينة تطوعية تفرض قراءة حذرة للنتائج
اعتمد المركز المغربي للمواطنة في إنجاز الاستطلاع على استبيان إلكتروني مفتوح للمشاركة التطوعية، وبلغ عدد المشاركين 650 شخصا. وشكل الرجال 77.1 في المائة من العينة، فيما مثل سكان الوسط الحضري 86.1 في المائة، وبلغت نسبة الحاصلين على مستوى جامعي أو أعلى 76.8 في المائة.
وتفرض طبيعة العينة غير الاحتمالية، التي جرى تجميعها عبر المشاركة الطوعية على الإنترنت، التعامل مع النتائج باعتبارها مؤشرات على آراء المشاركين وتجاربهم، لا نسبا يمكن تعميمها إحصائيا على مجموع السكان في المغرب. كما أن تمثيل بعض الفئات بشكل أكبر من غيرها يظل عاملا ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند قراءة الأرقام ومقارنتها.
وفي توصياته، دعا المركز إلى تحسين الاستقبال وضمان الإنصاف في التعامل، وتبسيط المساطر الإدارية واحترام آجال معالجة الملفات، وتعزيز آليات الشكايات والمساءلة، إلى جانب توسيع الولوج الرقمي ومراعاة الفئات التي تواجه صعوبات في استخدام الخدمات الإلكترونية.
كما شدد على أهمية تعزيز الشفافية في الأسعار وشروط تقديم الخدمات، وتوثيق الاتفاقات بين الحرفيين والزبائن، والارتقاء بجودة خدمات سيارات الأجرة، وتقوية حماية المستهلك والتكوين في أخلاقيات المهنة، مع إيلاء اهتمام خاص لتحسين الاستقبال وتوفير المستلزمات الأساسية في قطاع الصحة العمومية.
وتضع نتائج الاستطلاع جودة التعامل واحترام الالتزامات والشفافية ضمن أبرز محددات رضا المواطنين عن الخدمات، مع إبراز الحاجة إلى تطوير آليات التقييم والمساءلة وتحسين الممارسات المهنية، مع مراعاة الحدود المنهجية للبحث عند الاستناد إلى نتائجه في تشخيص واقع الخدمات بالمغرب.