شريط الأخبار

4"][/video]

دلاح زاكورة.. “جريمة إيكولوجية” تستنزف الفرشة المائية وتحول واحات النخيل إلى أطلال

هيام بحراوي

تتجدد في إقليم زاكورة الأسئلة المرتبطة بزراعة البطيخ الأحمر، في وقت تواجه فيه المنطقة ضغطا متزايدا على مواردها المائية، وسط تحذيرات من تداعيات استمرار الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع للمياه على الفرشة المائية وواحات النخيل والأمن المائي للسكان.

وتشير معطيات ودراسات سابقة إلى أن توسع الزراعات المسقية بالمياه الجوفية ساهم في ارتفاع كبير في حجم السحب من الفرشة المائية بالمنطقة. وبحسب دراسة لوكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، ارتفع سحب المياه الجوفية بين 2000 و2019 من نحو مليون متر مكعب لسقي 250 هكتارا إلى 21 مليون متر مكعب لسقي حوالي 3500 هكتار، وهو ما خلق اختلالا في توازن الفرشة المائية.

ولا يتعلق النقاش بالدلاح باعتباره منتوجا فلاحيا فقط، بل بطبيعة النموذج الزراعي الذي فرض نفسه خلال السنوات الماضية في مجال صحراوي شديد الحساسية للموارد المائية. فقد وصفت تقارير صحفية هذه الزراعة بأنها زراعة تسويقية وموسمية ذات مردودية مالية مرتفعة، في مقابل استمرار الضغط على المياه الجوفية.

وتقول مصادر موثوقة إن جزءا من الإشكال يرتبط بكون الأرض يساهم بها فلاحون محليون، بينما يتم توفير التمويل والاستثمار من طرف فاعلين أكبر، بما يجعل عائدات هذه الزراعة مرتبطة أساسا بالسوق والربح، في وقت تتحمل فيه الساكنة المحلية تبعات الضغط على الموارد المائية. وتبقى بعض المعطيات المتداولة حول نسبة الفلاحين المنخرطين في هذه الزراعة وحجم مساهمة مختلف الأطراف بحاجة إلى توثيق رسمي مستقل قبل اعتمادها كأرقام نهائية.

وفي هذا الصدد ، يقول جمال أقشباب ، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بمدينة زاكورة، أن ” زراعة البطيخ الأحمر بإقليم زاكورة جريمة إيكولوجية في حق الإنسان والمجال….هي زراعة دخيلة ..غير مستدامة ..ومستنزفة بشكل فظيع للفرشة المائية ..وهي زراعة لاعلاقة بالأمن الغذائي ..هي زراعة تسويقية ربحية ..يتعاطى لها فقط أقل من 5 في المائة من الفلاحين بهاجس الربح بتعاون مع لوبيات فلاحية من كبار الفلاحين بالمغرب” ويضيف  ” يساهم فلاحي المنطقة بالأرض..واللوبيات بالمال..و المتضرر الأكبر هم سكان المنطقة الذين يعانون من نقص كبير من الماء كمادة حيوية وخاصة فصل الصيف بعد شهور من الإستزاف حيث أدت هذه الزراعة كذلك الى هلاك ألاف من أشجار النخيل وتحولت واحات النخيل الى أطلال ومقابر لأن جدور النخيل مع الاستعمال المفرط للمياه الجوفية لم تعد تصل الى الماء….إضافة الى تلوث التربة من خلال ألاف الاطنان من البلاستيك الجاثمة بحقول الدلاح واستعمال مبيدات مضرة بالانسان والتربة…”.

الماء في مواجهة الزراعات المستنزفة

وقد دفعت وضعية الموارد المائية السلطات في الإقليم إلى اتخاذ قرارات لتقنين زراعة البطيخ الأحمر والأصفر، حيث صدر سنة 2022 قرار عاملي لتقنين استغلال هذه الزراعة، معللا ذلك بالخصاص المسجل في الموارد المائية وتراجع الفرشة المائية، مع التأكيد على ضرورة تأمين الماء الشروب وحماية واحات النخيل.

كما سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ضمن تقرير منشور في الجريدة الرسمية اتخاذ السلطات المحلية بزاكورة قرارات لترشيد زراعة البطيخ الأحمر والأصفر، بما في ذلك تحديد المساحات القابلة للاستغلال، في سياق تدبير ندرة المياه وحماية الموارد المائية.

وتزداد حساسية الوضع خلال فصل الصيف، حيث سبق لفاعلين حقوقيين وجمعويين أن حذروا من تراجع الفرشة المائية والصعوبات التي تواجهها بعض الجماعات والدواوير في الحصول على الماء الصالح للشرب، معتبرين أن الضغط المائي أصبح يتخذ طابعا متكررا.

الواحات في قلب المعادلة

ولا ينفصل النقاش حول الدلاح عن مستقبل واحات درعة التي تمثل منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية متجذرة في تاريخ المنطقة. فتراجع المياه الجوفية ينعكس على قدرة الواحات على الحفاظ على أشجار النخيل والزراعات المعيشية المرتبطة بها.

وتفيد معطيات منشورة حول المنطقة بأن تراجع مستوى الفرشة المائية أصبح يطرح تحديات مباشرة أمام استمرار بعض الأنشطة الزراعية التقليدية، فيما تواجه الواحات نفسها مظاهر متعددة للهشاشة البيئية. كما تم تسجيل مطالب محلية بوقف زراعة البطيخ الأحمر بسبب تأثيرها على الفرشة المائية، إضافة إلى مخاوف من تلوث التربة والمياه نتيجة الاستعمال غير العقلاني للمبيدات والمواد الكيماوية والبلاستيك الزراعي.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الأثر البيئي المحتمل على استهلاك المياه، بل يمتد إلى مخلفات البلاستيك الزراعي والمواد المستعملة في عمليات الإنتاج، وهي عناصر تجعل تدبير هذه الزراعة مرتبطا كذلك بحماية التربة والموارد الطبيعية.

بين الربح الفلاحي والأمن المائي

وتكشف التجربة التي عرفها الإقليم أن تنظيم زراعة البطيخ ظل حاضرا في قرارات السلطات خلال السنوات الماضية، بعدما أصبح الضغط على الفرشة المائية أحد محددات السياسة الفلاحية المحلية. كما سبق أن صدرت قرارات بمنع أو تقييد زراعة البطيخ في مناطق من الجنوب الشرقي بسبب التراجع الحاد للفرشة المائية وتوالي سنوات الجفاف.

وتطرح هذه الوضعية سؤالا مركزيا حول مدى ملاءمة الزراعات التسويقية ذات الاستهلاك المائي المرتفع مع الخصوصيات المناخية والمائية لإقليم زاكورة، خصوصا في ظل استمرار ندرة التساقطات وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على الماء الصالح للشرب.

وفي المقابل، تظهر الحاجة إلى بدائل اقتصادية للفلاحين، حتى لا يتحول أي قرار لتقييد زراعة الدلاح إلى ضغط اجتماعي واقتصادي إضافي على صغار الفلاحين. وقد أشار بحث تناول المنطقة إلى أن بعض الفلاحين يعتبرون البطيخ الأحمر من الزراعات التي توفر دخلا لا توفره بدائل أخرى بالسرعة نفسها، وهو ما يجعل الانتقال إلى نموذج زراعي أكثر استدامة مرتبطا أيضا بتوفير بدائل اقتصادية قابلة للتطبيق.

ويبقى إنقاذ واحات درعة وتأهيلها مرتبطا، وفق المطالب المطروحة محليا، بإعادة ترتيب أولويات استعمال الموارد المائية، بما يضمن أولا توفير الماء الصالح للشرب، ويحافظ على الزراعات الاستراتيجية وفي مقدمتها نخيل التمر والزراعات المعيشية، مع الحد من كل أشكال الاستنزاف والتبذير.

وفي ظل استمرار الضغط على الموارد المائية، تبدو الحاجة قائمة إلى تشخيص دقيق لوضعية الفرشات المائية بالإقليم، وتقييم الأثر الحقيقي لمختلف الزراعات، وربط أي نشاط فلاحي بحجم الموارد المائية المتاحة وقدرتها على التجدد، بما يحفظ حق السكان في الماء ويحمي الواحات من مزيد من التد

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.