إنزكان وأحياؤها تحت ضغط النفايات.. مسؤولية النظافة بين أداء الشركة وسلوك المواطنين ودور المجتمع المدني
متابعة: رضوان الصاوي
أعادت مشاهد متداولة لتراكم النفايات بعدد من أحياء إنزكان، ولا سيما بمنطقة تراست، النقاش حول واقع النظافة بالمدينة، ليس فقط من زاوية أداء شركة التدبير المفوض، وإنما أيضاً من زاوية سلوك مستعملي الفضاء العام، ومسؤولية مختلف المتدخلين في الحد من مظاهر الرمي العشوائي للنفايات.
وفي هذا السياق، تداولت صفحات مرتبطة بعمال النظافة نداءً موجهاً إلى أصحاب عدد من المحلات التجارية بأحياء الجرف وتراست، يحثهم على التعامل بشكل مسؤول مع مخلفات أنشطتهم المهنية، خصوصاً تلك التي تفرز كميات مهمة من النفايات بشكل يومي، من قبيل محلات الخياطة والخرازة وبيع الصوف والإسفنج والعصائر، إلى جانب بعض الأنشطة التجارية الأخرى.
وأشار النداء إلى وجود حاويات حديدية كبيرة مخصصة لهذا النوع من المخلفات بساحة أدرار بتراست وبمنطقة السعادة بإنزكان، باعتبارها إحدى الوسائل المتاحة أمام التجار للتخلص من نفاياتهم، عوض وضعها فوق الأرصفة أو بجوار الحاويات المخصصة للنفايات المنزلية.
وتطرح هذه المعطيات إشكالية تتجاوز مجرد جمع النفايات، إذ إن فعالية خدمات النظافة ترتبط أيضاً بطريقة إنتاج النفايات والتعامل معها قبل وصولها إلى نقاط التجميع. فالشركة المكلفة بالنظافة تضطلع بمهام الجمع والنقل والتنظيف وفق الالتزامات المحددة لها، لكنها لا تملك، في المقابل، إمكانية التحكم في سلوك كل مستعمل للفضاء العام أو منع الممارسات العشوائية التي تنتج عنها نقاط متفرقة لتراكم النفايات.
وبحسب المعطيات المتداولة، سبق تسجيل شكايات بشأن التخلص من مخلفات بعض الأنشطة التجارية بالجملة ونصف الجملة، فضلاً عن مخلفات عدد من محلات بيع العصائر، والتي تشمل بقايا الفواكه والعصائر الناتجة عن البرتقال والليمون والأفوكادو والأناناس وغيرها.
وتثير هذه الممارسات، في حال استمرارها، أكثر من إشكال؛ فهي لا تؤثر فقط على المظهر العام للأحياء، وإنما قد تفرض أيضاً تدخلات إضافية على فرق النظافة، خصوصاً عندما تكون المخلفات كبيرة الحجم أو موزعة خارج الأماكن المخصصة لها.
وفي بعض الحالات، تتطلب عملية التنظيف استعمال آليات وشاحنات إضافية، بما فيها آليات الجر، لإزالة النفايات المتراكمة وتنظيف بعض الفضاءات. وهو ما يعكس الفرق بين عمليات الجمع المبرمجة وبين التدخلات التي تفرضها حالات الرمي العشوائي أو تراكم المخلفات خارج النقاط المخصصة لها.
غير أن تحميل الشركة وحدها مسؤولية الوضع سيكون اختزالاً لإشكالية أكثر تعقيداً. فمسؤولية الحفاظ على نظافة المجال الحضري تتقاطع فيها أدوار عدة جهات، من الشركة المكلفة بالتدبير، إلى الجماعة باعتبارها الجهة المعنية بالتتبع والمراقبة، وصولاً إلى التجار والسكان ومستعملي الفضاء العام، فضلاً عن المجتمع المدني.
وفي هذا الإطار، يمكن للجمعيات المحلية أن تضطلع بدور أكبر في مجال التحسيس والتوعية البيئية، خصوصاً بالأحياء التي تعرف ضغطاً متزايداً على خدمات النظافة. كما أن الحملات التوعوية الميدانية، إذا تم تنظيمها بشكل مستمر وبشراكة مع مختلف المتدخلين، قد تساهم في الحد من بعض السلوكيات التي تزيد من صعوبة تدبير النفايات.
وتبقى مسؤولية التجار، بدورها، مرتبطة بطبيعة الأنشطة التي يمارسونها وحجم المخلفات التي تنتج عنها، الأمر الذي يجعل احترام الأماكن المخصصة للتخلص من النفايات جزءاً من المسؤولية المرتبطة بممارسة النشاط التجاري.
أما بالنسبة للسكان، فإن المطالبة بأحياء نظيفة تظل حقاً مشروعاً، لكنها تقابلها مسؤولية في احترام أماكن وضع النفايات وتجنب الرمي العشوائي، بما يساهم في الحفاظ على نظافة المحيط وتقليص الضغط على فرق التدخل.
وبذلك، يبدو أن إشكالية النظافة في إنزكان لا يمكن اختزالها في أداء شركة النظافة وحدها، كما لا يمكن معالجة مظاهر تراكم النفايات بالاعتماد على عمليات الجمع والتنظيف فقط. فالمقاربة الأكثر نجاعة تقتضي وضوحاً في توزيع المسؤوليات، ومراقبة فعالة، واحتراماً للقواعد المنظمة، إلى جانب عمل تحسيسي مستمر تشارك فيه المؤسسات والمنتخبون والفاعلون الجمعويون والمهنيون والسكان.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح أي منظومة للنظافة لا يقاس فقط بعدد الشاحنات التي تجوب الأحياء أو بعدد التدخلات المنجزة، وإنما أيضاً بمدى انخفاض السلوكيات التي تنتج النفايات خارج الأماكن المخصصة لها. وبين أداء الشركة ومسؤولية الجماعة وسلوك المواطن ودور المجتمع المدني، تظل نظافة إنزكان مسؤولية جماعية تتطلب تكامل الأدوار، بدل اختزالها في طرف واحد.