المغرب يضع حدا للجدل مع إسبانيا: شراكة استراتيجية أم ورقة في الحسابات الانتخابية؟
معكم 24/ تحليل
في خضم التطورات الأخيرة التي تشهدها العلاقات المغربية الإسبانية، اختارت المملكة المغربية الخروج عن منطق السجال السياسي والإعلامي، وتقديم توضيحات رسمية تستحضر طبيعة الشراكة القائمة بين البلدين، وتضع في الوقت ذاته علامات استفهام حول ما تعتبره الرباط توظيفاً للمغرب في نقاشات داخلية إسبانية.
البلاغ الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يستند إلى رؤية واضحة مفادها أن العلاقات بين الرباط ومدريد لم تعد مجرد علاقة جوار جغرافي، بل أصبحت، وفق المقاربة المغربية، شراكة متعددة الأبعاد تقوم على التفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني، فضلاً عن التنسيق في مجال الهجرة.
إعلان 7 أبريل 2022.. مرجعية لمرحلة جديدة
وتعيد المملكة التذكير بالإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، عقب اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، باعتباره محطة مفصلية دشنت مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية.
وقد قامت هذه المرحلة، حسب البلاغ، على مبادئ الاحترام والثقة المتبادلين، والحوار الدائم، والسعي نحو بناء شراكة تحقق المنفعة المشتركة.
ومن هذا المنطلق، ترى الرباط أن التطورات الحالية ينبغي أن تُقرأ في سياق هذه العلاقة الجديدة، وليس باعتبارها عودة إلى منطق الأزمات السابقة أو محاولة لفرض الأمر الواقع من طرف على آخر.
من الخلاف إلى تدبير الخلافات
أحد أبرز مضامين البلاغ يتمثل في التأكيد على أن المغرب وإسبانيا تمكنا خلال السنوات الأخيرة من تطوير مجالات التعاون، وفي الوقت نفسه تطويق نقاط الاختلاف والتعامل معها من خلال الحوار والرصانة.
وتستند المملكة في هذا التقييم إلى نتائج تعتبرها ملموسة، خصوصاً على المستوى الاقتصادي والأمني.
فإسبانيا، وفق البلاغ، أصبحت الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، فيما يشكل المغرب الشريك التجاري الثاني لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس، من وجهة النظر المغربية، حجم المصالح المتبادلة التي أصبحت تربط اقتصادَي البلدين.
أما على المستوى الأمني، فتشدد الرباط على أهمية التعاون القائم بين الأجهزة المختصة، مشيرة إلى مساهمته في إنقاذ أرواح وتفكيك شبكات إرهابية وإجرامية، مع التذكير بالخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالقوات المغربية خلال أداء هذه المهام.
ملف الهجرة.. المغرب يطالب بإجابات واضحة
لكن أكثر النقاط حساسية في البلاغ ترتبط بملف الهجرة، الذي ظل واحداً من الملفات الأساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وتؤكد الرباط أن التعاون في هذا المجال كان، في الأصل، قائماً على التنسيق والفعالية، غير أنها ترى أن الأحداث المؤسفة التي وقعت في يوليوز الماضي تستوجب دراسة معمقة لتحديد ملابساتها والجهات المتدخلة فيها، بما يضمن عدم تكرارها.
وفي هذا السياق، ينتقل البلاغ من عرض الموقف إلى طرح أسئلة مباشرة على الجانب الإسباني.
فالمغرب يتساءل عن أسباب استمرار توجيه الاتهامات إليه في ظل ما يعتبره غياب معطيات أو وقائع أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية.
كما يطرح سؤالاً آخر حول استمرار وجود مهاجرين غير نظاميين، رغم تأكيد الحكومة المغربية التزامها الرسمي بإعادة استقبالهم.
وتتخذ قضية القاصرين غير المصحوبين بعداً أكثر حساسية، إذ تشير الرباط إلى أنها طالبت بإلحاح بعودتهم، متسائلة عن أسباب استمرار بقائهم بعيداً عن أسرهم.
وبذلك، يحاول البلاغ نقل مركز النقاش من الاتهامات الموجهة إلى المغرب إلى مساءلة الأطراف الإسبانية المعنية حول كيفية تدبير هذه الملفات.
عندما تدخل العلاقات الخارجية في الحسابات الداخلية
الرسالة السياسية الأبرز في البلاغ ربما تكمن في انتقاد ما تعتبره الرباط توظيفاً للمغرب داخل السجال السياسي والإعلامي الإسباني.
فالمملكة تعرب صراحة عن أسفها لاستمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في استخدام المغرب لخدمة أجندات داخلية، معتبرة أن الأمر يصبح أكثر إثارة للقلق عندما تنخرط فيه أحزاب تاريخية يفترض أن تمتلك خبرة في تدبير الملفات الحكومية.
ويعكس هذا الموقف خشية مغربية من أن تتحول القضايا المرتبطة بالعلاقات الثنائية، ولا سيما الهجرة، إلى أدوات للمزايدة السياسية والشعبوية داخل إسبانيا.
فالرباط، بحسب البلاغ، تميز بين الخلافات التي يمكن تدبيرها عبر الحوار، وبين تحويل تلك الخلافات إلى حملات سياسية وإعلامية قد تؤثر على الثقة التي بُنيت بين البلدين خلال السنوات الماضية.
المؤسسات التشريعية والقضائية تحت المجهر
ولا يقتصر انتقاد المغرب على الأحزاب ووسائل الإعلام، بل يمتد، وفق البلاغ، إلى بعض المبادرات الصادرة عن مؤسسات تشريعية وقضائية إسبانية، والتي ترى المملكة أنها لا تخدم مسار العلاقات الثنائية.
وتعتبر الرباط أن بعض هذه المبادرات تساهم في تغذية الخلاف، عندما يحل التبسيط محل التبصر، والاتهام محل التحليل الموضوعي.
وهنا يبرز تحذير واضح من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى خلق مناخ من التخويف والريبة، وهو ما لن يخدم، حسب الموقف المغربي، مصالح أي من الطرفين.
المغرب يرفض أن يتحول إلى “ورقة انتخابية”
العبارة الأكثر دلالة سياسياً في البلاغ هي إعلان المملكة أنها “ترفض أن تكون أصلاً تجارياً قبيل الانتخابات”، كما ترفض أن تكون “كبش فداء لتصفية حسابات سياسوية”.
وتحمل هذه الرسالة أكثر من مستوى؛ فهي من جهة تؤكد رفض الرباط ربط مصالحها وعلاقاتها الثنائية بالحسابات السياسية الداخلية في إسبانيا، ومن جهة أخرى تشدد على أن المغرب يريد أن تُدار العلاقات بين البلدين على أساس المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، وليس وفقاً لحسابات ظرفية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
وبذلك، يبدو أن المغرب يضع حدوداً واضحة أمام أي محاولة لتحويل العلاقة الثنائية إلى مادة للاستهلاك السياسي الداخلي.
شراكة أمام اختبار الثقة
في المحصلة، يكشف البلاغ عن رغبة مغربية في الحفاظ على المسار الذي انطلق منذ إعلان أبريل 2022، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة احترام قواعد الشراكة التي تأسست بين البلدين.
فالرباط لا تقدم العلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها خالية من الخلافات، وإنما باعتبارها علاقة يفترض أن يتم تدبير اختلافاتها عبر الحوار والاحترام المتبادل، بعيداً عن الاتهامات والمزايدات.
ومن هنا تأتي الرسالة الختامية للبلاغ: الجوار الجغرافي بين المغرب وإسبانيا حقيقة ثابتة لا يمكن تغييرها، لكن طبيعة هذا الجوار ونتائجه تبقى رهينة بالاختيارات السياسية للبلدين.
فإذا تم التعامل معه بمنطق الشجاعة وبعد النظر، يمكن أن يتحول الجوار إلى رافعة للتعاون والمصالح المشتركة. أما إذا غلب ما يسميه البلاغ “العمى الاستراتيجي”، فقد يتحول الرصيد المتراكم بين البلدين إلى مصدر للشك والتوترات المتكررة.