«الكرامة أولا».. تحالف اليسار يرفع سقف الوعود الانتخابية ويتعهد بتنفيذ 431 إجراء خلال الولاية المقبلة
معكم 24
في الوقت الذي تدخل فيه الانتخابات التشريعية المغربية مرحلة حاسمة، اختار تحالف اليسار، الذي يضم فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، رفع سقف خطابه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، من خلال برنامج انتخابي يحمل عنوان «الكرامة أولا»، ويقدم نفسه باعتباره مشروعاً لإعادة بناء النموذج المغربي على أسس الديمقراطية والإنتاج والعدالة الاجتماعية.
وكشف التحالف، الثلاثاء 8 شتنبر 2026، عن برنامجه الانتخابي استعداداً لاستحقاقات 23 شتنبر، متعهداً بتنفيذ 431 إجراءً خلال الولاية المقبلة، بكلفة إجمالية معلنة تصل إلى 500 مليار درهم خلال الفترة 2027-2031.
ثلاث انتقالات يريد اليسار فرضها
يقوم التصور الذي قدمه التحالف على ما يصفه بثلاثة انتقالات كبرى: انتقال ديمقراطي، وانتقال اقتصادي، وانتقال اجتماعي.
فالانتقال الأول يقوم على تعزيز دولة المؤسسات وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، بينما يستهدف الانتقال الاقتصادي الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاج والسيادة الاقتصادية. أما الانتقال الاجتماعي فيضع الكرامة والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق في صلب السياسات العمومية.
وهذا التوجه ليس جديداً بالكامل في خطاب التحالف، إذ سبق للحزبين، عند تأسيس تحالف اليسار في يونيو الماضي، أن أعلنا التزامهما بالنضال من أجل إقرار ملكية برلمانية وإصلاح دستوري وسياسي عميق وتعزيز الرقابة البرلمانية على المؤسسات العمومية.
الملكية البرلمانية والإفراج عن المعتقلين
من أكثر مقترحات البرنامج إثارة للنقاش السياسي دعوته إلى إرساء ملكية برلمانية فعلية، مع تعزيز الفصل بين السلط وتوسيع نطاق المساءلة السياسية.
كما يتضمن البرنامج مقترحات مرتبطة بالحريات العامة، من بينها الدعوة إلى الإفراج عن المعتقلين المرتبطين، بحسب توصيف التحالف، بالحراكات الشعبية السلمية ومعتقلي الرأي والصحفيين والنشطاء.
ويطرح التحالف كذلك إصلاحات في مجال النزاهة ومحاربة الفساد، تشمل تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعزيز دور الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وحماية المبلغين عن الفساد واسترجاع الأموال غير المشروعة.
اقتصاد الإنتاج بدل اقتصاد الريع
اقتصادياً، يضع البرنامج مسألة السيادة الإنتاجية في قلب رؤيته، من خلال مقترحات تستهدف الصناعة والفلاحة والطاقة والماء والرقمنة.
ومن بين الأفكار المطروحة إحداث «الشركة الوطنية للتجهيز الصناعي»، ودعم الصناعة التقليدية عبر آليات عمومية للتوزيع، إلى جانب إعادة توجيه السياسات الفلاحية نحو حماية صغار الفلاحين وتعزيز السيادة الغذائية.
وفي ملف الماء، يدعو التحالف إلى اعتبار الماء حقاً وملكاً عمومياً، مع وقف دعم الزراعات التي يصفها بأنها مستنزفة للمياه في المناطق التي تعاني الإجهاد المائي.
أما في مجال الطاقة، فيقترح استرجاع مصفاة سامير عبر مسار قانوني وتمويل يصفه بالابتكاري، إضافة إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 55 في المائة في أفق 2031.
ضرائب على الثروة وتمويل التحول الاجتماعي
ولا يكتفي البرنامج بتقديم مقترحات للإنفاق العمومي، بل يطرح أيضاً تصوراً لمصادر التمويل.
ويعتمد التحالف، وفق عرضه، على إصلاح جبائي أكثر تصاعدية، ومحاربة التهرب الضريبي، وعقلنة النفقات الجبائية، بهدف توفير الموارد اللازمة لتنفيذ البرنامج.
ويقول التحالف إن بإمكانه تعبئة موارد مالية مهمة سنوياً لتمويل هذه التحولات، فيما تصل الكلفة الإجمالية التي أعلنها للبرنامج إلى 500 مليار درهم خلال الولاية 2027-2031.
وهنا يبرز أحد أكبر الاختبارات السياسية للبرنامج: هل تستطيع الإجراءات الجبائية المقترحة توفير الموارد التي يتطلبها هذا الحجم من الإنفاق، خصوصاً في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التوازنات المالية للدولة؟
المدرسة والصحة والشغل في قلب «مجتمع الكرامة»
على المستوى الاجتماعي، يطرح التحالف تصوراً يقوم على تعزيز مجانية وجودة التعليم العمومي، والدفاع عن الصحة العمومية والحد من تسليع الخدمات الأساسية.
كما يدعو إلى تحصين حقوق الشغيلة، ومنع الطرد التعسفي، وتحسين الأجور والقدرة الشرائية، إلى جانب تعزيز المساواة بين النساء والرجال وحماية الشباب والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
ويشمل البرنامج أيضاً مقترحات مرتبطة بالمعاشات والحماية الاجتماعية؛ إذ أعلن التحالف عن زيادة عامة في معاشات المتقاعدين بقيمة 2000 درهم شهرياً، مع حد أدنى للمعاش يبلغ 3000 درهم، ورفع الغلاف السنوي للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى نحو 39 مليار درهم في أفق 2031.
السيادة الوطنية وفلسطين ومغاربة العالم
في الشق المرتبط بالسيادة والسياسة الخارجية، يؤكد التحالف التزامه بالوحدة الترابية للمغرب، وبناء دبلوماسية مستقلة، إلى جانب ضمان المواطنة والتمثيلية السياسية لمغاربة العالم.
كما يتضمن البرنامج موقفاً صريحاً من التطبيع، إلى جانب تأكيد دعم القضية الفلسطينية، في انسجام مع المواقف السياسية التي أعلنها الحزبان منذ تأسيس التحالف.
من «الكرامة» إلى اختبار الصندوق
يقدم تحالف اليسار برنامجه في لحظة انتخابية دقيقة، ويضع أمام الناخبين عرضاً سياسياً يرفع سقف الإصلاحات إلى مستوى تغيير قواعد اشتغال الدولة والاقتصاد والمجتمع.
لكن بين 431 إجراءً و500 مليار درهم وبين القدرة على تحويل هذه الوعود إلى سياسات عمومية، توجد معركة أخرى لا تقل أهمية: التمويل، والتنفيذ، والأغلبية البرلمانية، والقدرة على بناء توافقات سياسية حول إصلاحات دستورية واقتصادية واجتماعية عميقة.
وبذلك، فإن انتخابات 23 شتنبر لن تكون بالنسبة إلى تحالف اليسار مجرد سباق على المقاعد، وإنما اختباراً لمدى قدرة هذا المشروع على إقناع الناخب المغربي بأن «الكرامة أولاً» يمكن أن تتحول من شعار انتخابي إلى نموذج فعلي للحكم والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.