من حقوق الإنسان بوصفها بوصلةً كونية إلى إعادة تأسيس الوظيفة الحقوقية للمحاماة (تمرين ، بمقاربة حقوقية ، على الوعي بالذات ومعرفتها ونقدها )
بقلم : مصطفى المنوزي
لم تولد حقوق الإنسان أيديولوجيا مكتملة، بل تشكلت تدريجيًا من مقاومة التعسف، وتقييد السلطة، وحماية الإنسان من العنف والتمييز والإقصاء.؛ غير أنها، بعد مآسي الحروب والاستعمار والأنظمة الشمولية، تجاوزت بعدها القانوني لتصبح سردية كونية كبرى، تعد الإنسان بأن كرامته تستطيع أن تعلو على سيادة الدولة، وأن ثمة حدودًا لا يجوز لأي سلطة تجاوزها مهما كانت شرعيتها أو ذرائعها ، ومع تراجع الأيديولوجيات الشاملة، وانحسار الوعود الثورية، واضطراب المرجعيات القومية والطبقية والدينية، تقدمت حقوق الإنسان بوصفها اللغة المشتركة الأخيرة القادرة على تسمية الظلم، ومنح الضحية حق الكلام، ومساءلة السلطة، وربط المحلي بالكوني ؛ وحين فقدت المرحلة يقينها بالمستقبل، تحولت الحقوق إلى بوصلة أخلاقية تحدد، في الحد الأدنى، ما لا ينبغي قبوله ؛ غير أن البوصلة لا ترسم الطريق وحدها ، فحقوق الإنسان، وإن ظلت مرجعية لا غنى عنها، لا يمكنها أن تستقل عن العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الشعوب وأخلاقيات الرعاية والمسؤولية تجاه الأجيال المقبلة. كما أن كونية المبدأ لا تمنع ازدواجية تطبيقه، ولا تحول دون توظيف الخطاب الحقوقي انتقائيًا لخدمة مصالح القوة. لذلك لا يكون الرهان في تقديس السردية الحقوقية أو التخلي عنها، بل في تحريرها من الاحتكار والتوظيف، وإخضاع مؤسساتها وخطاباتها للنقد الذي تطالب به غيرها ؛ وفي هذا السياق يطرح سؤال المحاماة: كيف يمكن لمهنة تأسست تاريخيًا حول الدفاع عن الحقوق والحريات أن تعيد بناء انخراطها في المنظومة الحقوقية، لا بوصفها مجرد جماعة مهنية تحمي استقلالها ومصالحها، بل باعتبارها مؤسسة من مؤسسات المجال العمومي، وشريكًا في صناعة العدالة، وفاعلًا في دقرطة القرار التشريعي والأمني والمالي؟
من الدفاع عن المحاماة إلى الدفاع بالمحاماة عن الحق في العدالة :
لا تكفي العودة الخطابية إلى القول إن المحاماة «رسالة»، لأن قيمة الرسالة لا تقاس بما تعلنه المهنة عن ذاتها، بل بما ينتجه حضورها الفعلي في حياة المواطنين والمرتفقين. ؛ فاستقلال المحامي وحصانته وتنظيمه الذاتي ليست امتيازات فئوية مغلقة، وإنما ضمانات وظيفية أُقرت حتى يستطيع الدفاع عن الإنسان في مواجهة السلطة والنفوذ والخوف والحاجة. وكلما انفصلت هذه الضمانات عن غايتها المجتمعية، أصبح من السهل تصويرها امتيازات مهنية لا مبرر لها ؛ ولذلك يتعين الانتقال من سردية «الدفاع عن المحاماة» إلى سردية أوسع هي الدفاع بالمحاماة عن الحق في العدالة؛ بحيث يظهر أن استقلال المهنة جزء من استقلال العدالة، وأن الحصانة حماية لحرية الدفاع، وأن كرامة المحامي امتداد لكرامة المتقاضي، وأن التنظيم الذاتي ليس إعفاءً من المحاسبة، بل التزامًا بمحاسبة مهنية مستقلة وفعالة ؛ لأن المحاماة لا تستعيد مشروعيتها المجتمعية بمجرد إثبات ضرورتها داخل المحكمة، وإنما بإظهار أثرها في حماية المواطن قبل المحاكمة وأثناءها وبعدها، وفي مقاومة التشريع التعسفي، ومراقبة استعمال السلطة، وإنتاج البدائل القانونية والمؤسساتية.
المحاكمة العادلة مسلسل حقوقي متكامل :
يقتضي هذا التحول إعادة النظر في مفهوم الحق في محاكمة عادلة؛ فهو لا يبدأ عند افتتاح الجلسة ولا ينتهي بصدور الحكم، بل يشمل إمكان الوصول إلى المحامي، وفهم المسطرة، والحصول على المعلومة، واحترام الآجال، وحماية السر المهني، وضمان الدفاع الفعلي لا الشكلي، والحصول على حكم معلل داخل أجل معقول، ثم تنفيذه بصورة عادلة وناجعة. وبذلك لا يكون المحامي فاعلًا منفصلًا عن منظومة العدالة، بل جزءً من سلسلة ضماناتها؛ فهو يدافع عن موكله، لكنه يسهم أيضًا في سلامة العملية القضائية؛ ويعارض السلطة حين تتعسف، لكنه يتحمل في المقابل مسؤولية ألا ينتج تعسفًا مهنيًا في مواجهة الموكل؛ ويطالب المحكمة والإدارة بالشفافية والنجاعة، ولذلك يكون مطالبًا بدوره بإخضاع علاقته بالمرتفق لمقتضيات الوضوح والتعليل والمشورة والمسؤولية ؛ ولا يعني ذلك اختزال المحاماة في خدمة تجارية، أو تحويل الموكل إلى مجرد مستهلك ؛ فالعلاقة بين المحامي وموكله ليست تبادل سلعة مقابل أجر، بل علاقة ثقة وتمثيل وائتمان على الأسرار والمصالح والحقوق. غير أن خصوصية هذه العلاقة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للغموض أو ضعف التواصل أو تعذر المساءلة.
حقوق المرتفقين أساس الشرعية المهنية :
المرتفق ليس عنصرًا خارجيًا عن المؤسسة المهنية، بل هو الغاية التي تمنحها مشروعيتها؛ ومن ثم ينبغي تطوير تصور واضح لحقوقه في علاقته بالمحامي، يكفل معرفته بطبيعة المهمة وحدودها وكلفتها، وإخباره المنتظم بمآل ملفه، وتمكينه من وثائقه، وحماية معطياته وأسراره، وضمان حقه في التظلم والولوج إلى آليات سريعة ومستقلة وفعالة لمعالجة الشكايات.
كما يقتضي ذلك إعادة بناء نظام المساعدة القانونية والقضائية بما يضمن وصول الفئات الهشة إلى دفاع جدي وفعلي، وعدم تحول القدرة المالية إلى شرط للاستفادة من العدالة؛ وهذه مسؤولية الدولة ومن واجب المحامي إعلانها وتثبتها ؛ فالحق في محام لا يتحقق بمجرد تعيينه، بل بتمكينه من الوقت والوسائل والموارد الضرورية لأداء دفاع فعال ، وهنا لا مناص من التفكير في دعم الهيئات ما دامت الحكومة تريد فرض رقابة الهيئات المختصة على ماليتها . ثم إن الشفافية هنا ليست تنازلًا عن استقلال المهنة، بل شرط لتعزيز الثقة فيها. والمساءلة ليست نقيضًا للتنظيم الذاتي، بل امتحان لقدرته على حماية المجتمع وتصحيح الاختلالات من الداخل. ذلك أن المؤسسة التي لا تمارس رقابة ذاتية فعالة تفتح المجال لتدخل الدولة باسم حماية المرتفقين، وقد يتحول هذا التدخل من رقابة مشروعة على احترام الحقوق إلى ضبط إداري للمهنة وتقليص لاستقلالها.
الحق في الاحتجاج ومسؤولية استمرارية الدفاع :
تظهر صعوبة التوازن بين الحقوق والمسؤوليات عند لجوء المحامين إلى التوقف عن العمل؛ فمن حق المهنة مقاومة التشريع التعسفي الذي يمس استقلالها أو يهدد ضمانات المحاكمة العادلة. غير أن مشروعية الغاية لا تعفي من تقييم الوسيلة وآثارها، خاصة في حقوق المعتقلين والقاصرين وضحايا العنف والقضايا الاستعجالية والأشخاص المهددين بفوات الآجال ، وهذا موضوع يحتاج إلى مراجعة منصفة للطرفين معا ؛ ولذلك ينبغي الانتقال من الاحتجاج المفتوح إلى حكامة حقوقية للاحتجاج المهني، تقوم على التناسب والتدرج والتسقيف والتقييم الدوري؛ وهذا يقتضي تحديد أهداف التحرك ومدته، وقياس نتائجه وآثاره العكسية، وتأمين حد أدنى من الدفاع في الحالات المستعجلة، وتنويع الوسائل بين الترافع المؤسساتي والطعن القضائي والاقتراح التشريعي والتواصل المجتمعي والأشكال الرمزية والمدروسة للاحتجاج ، فهناك فرق بين استمرارية المرفق القضائي واستمرارية الخضوع، كما أن هناك فرقًا بين التضامن المهني وتحميل المرتفقين وحدهم كلفة النزاع. وهنا لا يقاس نجاح التحرك فقط بمقدار الضغط الذي ينتجه على الدولة، بل كذلك بمدى قدرته على توزيع مخاطره بعدل، وحماية الفئات التي تدعي المحاماة الدفاع عنها.
المحاماة والعناية بالشأن العمومي :
لا يمكن للمحاماة أن تحصر وظيفتها في تدبير الملفات داخل المحاكم؛ لأن الحقوق لا تنتهك فقط عند تطبيق القانون، بل قد يبدأ انتهاكها منذ لحظة تعريف المشكلة وصناعة القرار وصياغة القاعدة القانونية وتخصيص الموارد المالية وتحديد الأولويات الأمنية. ومن هنا تصبح العناية بالشأن العمومي جزءًا أصيلًا من الوظيفة الحقوقية للمحاماة، لا نشاطًا زائدًا عليها. فالمحامي لا يواجه أمام القضاء إلا النتائج المتأخرة لقرارات صُنعت في مواقع أخرى: داخل الحكومة والبرلمان والإدارة والمؤسسات الأمنية والمالية. وإذا اكتفت المهنة بمعالجة آثار هذه القرارات بعد نفاذها، بقي تدخلها علاجيًا ومتأخرًا، بينما يقتضي التفكير الحقوقي التوقعي الانتقال من الدفاع بعد وقوع الضرر إلى المشاركة في منع شروط إنتاجه أوتكراره . وليست العناية بالشأن العمومي تحزبًا إلزاميًا أو اصطفافًا أيديولوجيًا، وإنما يقظة مدنية ورسالة إصلاحية ، وآلية وقائية و مؤسساتية تجاه كيفية تدبير المصالح المشتركة. إنها تعني تتبع السياسات العمومية ، وتقييم أثرها في الحقوق والحريات، وإنتاج الخبرة القانونية المستقلة، وإغناء النقاش العمومي، وتمكين المواطنين من فهم القرارات التي تمس حياتهم، ومساءلة السلطة عن المعرفة والمعايير والمصالح التي بنت عليها اختياراتها.
الحق في الإعلام النزيه ومعرفة الحقيقة والحماية من التشهير :
لا تستقيم العناية بالشأن العمومي من دون ضمان الحق في إعلام نزيه، وفي الوصول إلى المعلومة ومعرفة الحقيقة؛ لأن الرأي العام لا يستطيع تقييم المحاماة ومواقفها وتحركاتها إلا بناءً على وقائع دقيقة، ومعطيات موثوقة، وتمييز واضح بين الخبر والرأي، وبين النقد المشروع والاتهام غير المثبت ؛ وإذا كانت المحاماة مهنة منظمة بقانون، وتؤدي وظيفة مرتبطة بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، فإن ذلك يجعل أداءها ومؤسساتها موضوعًا مشروعًا للنقاش والنقد والمساءلة، لكنه لا يبيح الاعتداء على كرامة المحامين أو التشهير بهم وقذفهم، أفرادًا أو مؤسسة، عبر الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية، ولا يسمح بتحويل أخطاء فردية، حقيقية أو مفترضة، إلى أحكام جماعية تمس المهنة وتاريخها ووظيفتها الدستورية والمجتمعية ؛ فحرية التعبير والإعلام ليست حرية في التضليل أو التحريض أو إجراء محاكمات إعلامية موازية، وإنما تقترن بواجب التحقق والتوازن واحترام قرينة البراءة والحق في الرد والتصحيح، وبالحماية من نشر المعطيات الشخصية والأسرار المهنية أو اجتزاء الوقائع وإخراجها من سياقها. وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الحماية من التشهير إلى ذريعة لتحصين المهنة من النقد أو حجب المعلومات المتعلقة بتدبيرها؛ بل يتعين على مؤسسات المحاماة أن تطور سياسة تواصلية استباقية، تتيح المعلومة الصحيحة، وتعلل مواقفها وقراراتها، وتواجه الادعاءات بالحجة والوثيقة، وتمكّن الرأي العام من معرفة الحقيقة ؛ وبذلك يتحقق التوازن بين حق المجتمع في الإعلام والمساءلة، وحق المحامين في الكرامة والسلامة المعنوية والرقمية، وبين شفافية المؤسسة وحماية استقلالها من حملات التضليل والوصم والتشهير.
دمقرطة الحق في صناعة القرار التشريعي :
لا تبدأ أزمة القانون عند سوء تطبيقه، بل قد تبدأ قبل ذلك، عند احتكار تعريف المشكلة التي جاء لمعالجتها. فمن يملك سلطة القول إن أزمة المحاماة مثلًا هي أزمة ضبط وحكامة، لا أزمة استقلال وولوج إلى العدالة؟ ومن يحدد الوقائع والخبرات التي يعتمدها المشرع؟ ومن يُستدعى إلى التشاور، ومن يُستبعد؟ وكيف تتحول معرفة جزئية أو أمنية أو إدارية إلى قاعدة قانونية عامة وملزمة؟
إن دمقرطة القرار التشريعي لا تتحقق بمجرد التصويت البرلماني؛ فالأغلبية تنتج الشرعية الإجرائية للقرار، لكنها لا تنتج بالضرورة الحقيقة المعرفية لمضمونه ؛ ولذلك ينبغي توسيع صناعة القانون لتشمل الحق في المعلومة، والمشاركة المبكرة، والاستماع إلى المهنيين والمتضررين، ونشر دراسات الأثر، وتعليل الاختيارات التشريعية، وإتاحة الوقت الكافي للنقاش، وإخضاع النصوص للتقييم بعد دخولها حيز التنفيذ ؛ ويتطلب ذلك من المحاماة ألا تظل قوة احتجاج عند نهاية المسار، بل أن تصبح قوة معرفة واقتراح في بدايته: ترصد الحاجات، وتنجز الدراسات، وتقترح الصيغ القانونية البديلة، وتفحص دستورية النصوص وملاءمتها للاتفاقيات الدولية، وتتابع أثرها في المواطنين، وتبني تحالفات مدنية ومهنية للدفاع عن تشريع تشاركي وعقلاني.
دمقرطة القرار الأمني :
لا تكتمل الوظيفة الحقوقية للمحاماة من دون مساءلة القرار الأمني؛ لأن الأمن، حين يُترك خارج التداول العمومي، قد يتحول من حق للإنسان في الحماية إلى سلطة على الإنسان باسم حمايته. ولذلك لا ينبغي أن يظل الأمن مجالًا محفوظًا تُعرَّف داخله المخاطر بعيدًا عن المجتمع، وتُتخذ باسمه قرارات تمس الحرية والخصوصية والاحتجاج وقرينة البراءة من دون رقابة ديمقراطية كافية ، ودمقرطة القرار الأمني لا تعني إضعاف الدولة أو كشف ما تقتضي المصلحة المشروعة حمايته، بل إخضاع السياسات الأمنية لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب والتعليل والمساءلة القضائية والبرلمانية والمجتمعية. كما تعني توسيع مفهوم الأمن ليشمل الأمن ضد الخوف والأمن ضد الحاجة معًا، فلا تختزل حماية المجتمع في الضبط والمراقبة، بينما تُهمل أسباب الهشاشة والإقصاء وفقدان الثقة ؛ وللمحاماة هنا وظيفة مزدوجة: الدفاع عن الأفراد المتضررين من التعسف، والمشاركة في بناء معرفة حقوقية بالقرار الأمني وآثاره ؛ فهي مطالبة بالانتقال من مجرد توثيق الانتهاك بعد وقوعه إلى المساهمة في حوكمة السرديات الأمنية، ومناقشة كيفية تعريف الخطر، ومن يملك حق تسميته، وكيف تُوزع الحماية والمخاطر بين الفئات الاجتماعية.
دقرطة القرار المالي :
لا معنى للحقوق إذا لم تجد ترجمتها في الميزانية. فالقرار المالي ليس مسألة تقنية محايدة، بل هو قرار سياسي وحقوقي يحدد من يستفيد، ومن يتحمل الكلفة، وأي القطاعات تحظى بالأولوية، وأي الفئات تبقى خارج الحماية. فالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة يظل ناقصًا إذا لم تُخصص الموارد الكافية للمساعدة القانونية والقضائية، ولرقمنة العدالة من دون إقصاء، ولتأهيل المحاكم، وضمان الترجمة والخبرة، وتقريب القضاء من المواطنين. كما أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تتحقق بمجرد إعلانها دستوريًا، بل بترجمتها إلى اعتمادات وسياسات ومؤشرات قابلة للتقييم والمساءلة. ومن ثم فإن دمقرطة القرار المالي تقتضي شفافية إعداد الميزانيات، وإتاحة المعلومات، وربط الإنفاق بأثره الحقوقي، وتوسيع المشاركة في تحديد الأولويات، وتمكين المؤسسات الرقابية والمجتمع المدني من تتبع المال العام. وينبغي للمحاماة أن تنخرط في هذا المجال باعتبار الميزانية تعبيرًا عمليًا عن سلم القيم الذي تتبناه الدولة، لا باعتبارها شأنًا محاسبيًا بعيدًا عن الممارسة الحقوقية.
نحو عقد حقوقي جديد :
إن إعادة تأسيس انخراط المحاماة في المنظومة الحقوقية تقتضي عقدًا جديدًا بينها وبين المجتمع والدولة ؛ تلتزم الدولة بموجبه باحترام استقلال المهنة وحصانتها وتنظيمها الذاتي وإشراكها الحقيقي في صناعة السياسات والتشريعات؛ وتلتزم المحاماة في المقابل بجودة الدفاع، وشفافية العلاقة مع الموكل، وفعالية المساءلة، وحماية حقوق المرتفقين، وضمان ولوج الفئات الهشة إلى العدالة. وبمقتضى هذا العقد لا تعود المحاماة مجرد حارسة لحدودها المهنية، ولا مجرد قوة اعتراض موسمية، بل تصبح مؤسسة للمعرفة والتنبيه والاقتراح والاستدراك؛ ترصد مخاطر التشريع والسياسات العمومية قبل وقوعها، وتقيس أثر القرارات في الحقوق، وتدافع عن دمقرطة شروط إنتاجها، وتقترح البدائل بدل الاكتفاء بمقاومة النتائج.
إن قوة المحاماة الحقوقية لا تتجلى فقط في قدرتها على الدفاع داخل المحكمة، بل في حضورها حيث تُعرَّف المشكلات، وتُصنع القوانين، وتُحدد المخاطر الأمنية، وتُوزع الموارد المالية. فهي مطالبة بأن تعيد وصل استقلالها بحقوق المواطن، واحتجاجها بمسؤوليتها تجاه المرتفقين، وممارستها المهنية بالعناية بالشأن العمومي. وعندئذ لا تطلب المحاماة من المجتمع أن يدافع عنها بوصفها فئة مهنية، بل تجعله يكتشف، من خلال ممارستها اليومية وانخراطها العمومي، أن الدفاع عن استقلالها هو دفاع عن حقه في المحاكمة العادلة، وعن نصيبه في صناعة القانون والأمن والميزانية، وعن حقه الأصيل في ألا تُتخذ القرارات المؤثرة في حياته باسمه، ولكن من دونه.
محام بهيئة الدار البيضاء