أكادير ـ ذكرى المولد النبوي بواجهة جمعوية.. أم حملة انتخابية بربطة عنق قانونية ؟
متابعة: رضوان الصاوي
بين أجواء المولد النبوي الشريف، وإيقاعات الطبالة والغياطة وعيساوة، وحضور نسائي واسع، تبدو الصورة في ظاهرها احتفالاً دينياً جمعوياً عادياً. لكن خلف هذه الواجهة، تطرح تفاصيل التنظيم أكثر من سؤال حول حدود النشاط الجمعوي، وعلاقته بالفعل الحزبي، ومدى احترام قواعد التنافس الانتخابي.
فـجمعية المحيط الأخضر بأكادير دعت إلى تنظيم «حفل نسائي بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف»، يوم الخميس 27 غشت، بقاعة «ألف ليلة وليلة» بأكادير، من الثالثة بعد الزوال إلى التاسعة مساءً. دعوة تبدو بريئة في ظاهرها، لولا أن الجمعية تُحسب، وفق المعطيات المتداولة محلياً، على حزب التجمع الوطني للأحرار بأكادير، فيما تترأسها مناضلة بالحزب و عضوية نائبة بالمجلس الجماعي لأكادير باسم الحزب ذاته.
وحتى هنا، يمكن القول: جمعية تحتفل بالمولد، والمنتخبة تترأس الحفل بغطاء الجمعية، وانتهى الكلام. لكن السياسة، كما يعرفها المغاربة، لا تحب دائماً أن تنتهي الحكاية بهذه السرعة !
فالحفل لم يكن مجرد جلسة عائلية عابرة؛ إذ جرى استدعاء نساء من مناطق مختلفة بأكادير وإنزكان و النواحي، مع اعتماد دعوات خاصة كشرط للولوج، وحراسة خاصة مشددة على الأبواب، وبرنامج فني يمتد لساعات، تتخلله موسيقى وطبالة وغياطة وعيساوة و أكل و شرب. والأكثر إثارة أن صحافيين حاولوا متابعة النشاط قيل لهم إن الولوج غير ممكن لأن المناسبة «مخصصة للنساء».
أما عند الباب، فكانت هناك قصة أخرى: نساء حضرن دون دعوات، فتم إرجاعهن من حيث أتين. وهنا يظهر السؤال الساخر الذي لا يحتاج إلى مكبر صوت: هل أصبحت بطاقة الدعوة هي جواز السفر الجديد إلى المولد ؟ أم أن هناك معايير أخرى لا تظهر على الورق ؟
وتزداد الأسئلة حساسية مع الحديث عن احتمال ارتباط عملية الاستدعاء أو الاستبعاد بالانتماء أو القرب السياسي. وهي فرضية لا يمكن تحويلها إلى حقيقة دون أدلة، لكنها تستحق التوضيح، خصوصاً إذا كان النشاط يتم في سياق انتخابي محتدم، وتحت إشراف جمعية ترتبط سياسياً، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحزب مشارك في الاستحقاقات المقبلة.
وهنا يدخل القانون من الباب الذي حاولت الصحافة دخوله ولم يُفتح لها!
فمن حيث المبدأ، تنظيم جمعية لحفل بمناسبة دينية ليس في حد ذاته حملة انتخابية، كما أن حضور مناضلات أو منتخبات لحفل جمعوي لا يكفي لإثبات وجود مخالفة. لكن العبرة، في تقييم طبيعة أي نشاط، لا تكون دائماً بالعنوان المكتوب على الدعوة، وإنما أيضاً بمضمونه الفعلي، والرسائل التي يحملها، وطريقة التعبئة، والجهة المستفيدة منه، ومدى توظيفه في الترويج السياسي أو الانتخابي.
وبعبارة أكثر مغربية: «ماشي كل ما تكتب عليه مولد، يكون غير مولد».
فإذا كان النشاط دينياً جمعوياً خالصاً، فلا مشكلة في ذلك، بل إن الاحتفال بالمناسبات الدينية والاجتماعية حق مشروع. أما إذا تحولت المناسبة إلى وسيلة لتجميع قواعد انتخابية، أو إبراز وجوه سياسية، أو بناء شبكة تعبئة ميدانية قبل انطلاق الحملة، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول ما إذا كنا أمام نشاط جمعوي أم أمام حملة انتخابية ارتدت الجلابة الجمعوية وربطة عنق قانونية.
والمفارقة أن التنظيم نفسه يبدو وكأنه يقول للصحافة: «المناسبة نسائية، لا دخول للرجال»، بينما الانتخابات، في المقابل، لا تعرف كثيراً من الحواجز بين النساء والرجال عندما يتعلق الأمر بالأصوات، الديدجي من الرجال و فرقة الطبالة و الغياطةو عيساوة من الرجال و المصور مصور صحفي معروف!
ثم إن منع الصحافة من تغطية نشاط يُقدم باعتباره جمعوياً ودينياً يفتح بدوره باباً آخر للتساؤل: ما الذي يُخشى أن تراه الكاميرات ؟ فالحفل المفتوح والواضح لا يحتاج عادة إلى كل هذا الغموض حول طبيعة المدعوات، ومعايير الدعوة، والجهة المنظمة، والغاية الفعلية من التعبئة.
وفي النهاية، لا ينبغي تحويل الأسئلة إلى أحكام، ولا الشكوك إلى اتهامات. فالحسم في وجود حملة انتخابية قبل أوانها أو أي خرق للقواعد الانتخابية يبقى من اختصاص الجهات والمؤسسات المخولة قانوناً، بناءً على الوقائع والأدلة. اللهم إذا كان هناك نوع من التغاضي المقصود.
لكن من حق الرأي العام أن يسأل:
هل كانت «المحيط الأخضر» تحتفل بالمولد النبوي فقط، أم أن الإحتفال تم للفائدة المرشحو، و أن بعض الأشجار الانتخابية جرى سقيها بماء ذكرى المولد ؟
وبين الدفّ والغياطة، والدعوة والانتخابات، والجمعية والحزب، يبقى السؤال الأكبر معلقاً على باب «ألف ليلة وليلة»:
هل نحن أمام مولد بواجهة جمعوية… أم حملة انتخابية بربطة عنق قانونية؟
وكما يقول المثل المغربي: «اللي بغا يدير العرس، ما يخبيش العرسان».