4"][/video]

التوقيت الميسّر: حين يصبح تغيير الكلمات وسيلة لتبرير تسليع التعليم

بقلم : محمد النحيلي

إن بلاغ منتدى رؤساء الجامعات حول واجبات التسجيل في التكوين بالتوقيت الميسّر لا يقدم، في تقديرنا، جواباً مقنعاً عن السؤال الأساسي الذي يشغل الموظفين والأجراء وعموم الرأي العام، بقدر ما يراكم عبارات من قبيل “الاستقلالية، والتكوين مدى الحياة، والموارد الذاتية، والحكامة والتدبير المالي”، في محاولة لتجميل واقع بسيط وواضح: لتعليم الجامعي العمومي أصبح، بالنسبة لفئة واسعة من المواطنين، خدمة باهظة الثمن مرتبطة بالقدرة على الأداء.

إن المشكلة ليست في تسمية المبالغ المفروضة: هل هي «واجبات تسجيل» أم «مساهمة» أم «تكاليف تكوين»؟ فمهما تغيرت الكلمات، تظل النتيجة واحدة: الموظف أو الأجير مطالب بأداء آلاف، بل عشرات الآلاف من الدراهم، حتى يتمكن من متابعة دراسته داخل جامعة عمومية.

والقول إن التكوين العادي يظل مجانيا لا يجيب عن الإشكال، لأن الموظف المرتبط بدوام مهني لا يملك، في الغالب، إمكانية متابعة الدروس خلال التوقيت الجامعي العادي. وبالتالي، فإن «التوقيت الميسّر» ليس ترفاً يختاره الموظف بحثاً عن خدمة متميزة، وإنما هو في كثير من الحالات النافذة الواقعية الوحيدة التي تمكنه من ممارسة حقه في استكمال تكوينه الجامعي.

ثم إن الاستناد إلى استقلالية الجامعات لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض لفرض مبالغ مالية كيفما كان حجمها. فالاستقلالية تقترن بالمسؤولية والشفافية والمحاسبة، وهو ما يستوجب توضيحاً دقيقاً للرأي العام: كيف تم تحديد هذه المبالغ؟ وما الكلفة الحقيقية لكل طالب؟ ولماذا تختلف الرسوم من مسلك إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى؟ وما المعايير التي تضبطها؟ وما أوجه صرفها بالتفصيل؟

أما الحديث عن تخصيص نسب من مداخيل الدكتوراه لتدبير البحث العلمي وتعويض المتدخلين، فإنه يطرح بدوره سؤالاً أكثر عمقا: هل أصبح تمويل البحث العلمي وتأطير طلبة الدكتوراه مسؤولية مالية للباحث نفسه؟ أليست الجامعة والبحث العلمي والتأطير الأكاديمي من صميم المهام الأساسية للمرفق العمومي الجامعي؟

فالطالب الباحث يتحمل أصلاً مصاريف التنقل، والكتب والمراجع، والبحث الميداني، والمشاركة في الندوات، والنشر العلمي وغيرها من النفقات. فكيف نطلب منه فوق ذلك تمويل المنظومة التي يفترض أن تحتضن بحثه؟

كما أن الحديث عن مراعاة الحالات الاجتماعية أو إعفاء فئات محدودة لا يعالج أصل المشكلة. فالموظف الذي يتجاوز دخله بقليل الحد الأدنى للأجر ليس بالضرورة قادراً على أداء عشرين ألف درهم أو أكثر سنوياً. هناك أسر، وقروض، وسكن، وتعليم أطفال، وتكاليف معيشة متزايدة. الراتب الشهري ليس دليلاً آلياً على القدرة على تمويل دراسة جامعية مكلفة.

ولهذا، فإن البلاغ، رغم ما حشده من مصطلحات قانونية وإدارية، يبقى عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الحقيقي:

هل نريد جامعة عمومية يكون معيار الولوج إلى التكوين فيها هو الاستحقاق والكفاءة والرغبة في التعلم، أم جامعة يصبح فيها الحساب البنكي شرطاً غير معلن لمواصلة المسار الأكاديمي؟

إنها، بكل وضوح، مشكلة تسليع للتعليم لا مشكلة تسمية للرسوم.

ولا يمكن للعب بالكلمات أو تغيير تسمية الأداءات أن يحجب واقعاً بات واضحاً: هناك سوق تعليمية ملتهبة تتشكل داخل الجامعة العمومية، وكلما ارتفعت الرسوم تقلصت دائرة المستفيدين منها، وأصبح الحق في استكمال الدراسة امتيازاً لمن يستطيع الدفع.

ومن هنا فإن المطلوب ليس بلاغا جديدا لتبرير الرسوم، وإنما فتح نقاش عمومي حقيقي حول مشروعيتها ومشروعيتها الاجتماعية، وإخضاعها لمبادئ الشفافية والتناسب والعدالة، ومراجعة مبالغها جذريا، ونشر تفاصيل تكلفتها وأوجه صرفها، ووضع إطار وطني موحد يمنع تحويل التكوين بالتوقيت الميسّر إلى سوق للشهادات الجامعية.

الجامعة العمومية ليست مقاولة تجارية، والطالب ليس زبونا، والمعرفة ليست سلعة.

والتكوين مدى الحياة لا يكون برفع شعاره في البلاغات، بل بإزالة الحواجز أمام المواطن الراغب في التعلم، وفي مقدمتها الحواجز المالية.

تغيير الكلمات لا يغير الحقيقة: عندما تصبح القدرة على الدفع هي مفتاح متابعة الدراسة، نكون أمام تسليع للتعليم، مهما كانت التسمية التي نختارها له.

 

نائب الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.