مستقبل أبنائنا مسؤوليتنا.. أي لغة نريد لتدريس العلوم؟
غزلان الورزازي
مع كل دخول مدرسي، يتجدد النقاش داخل الأسر المغربية وداخل وسائل التواصل الاجتماعي، حول واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الأبناء: بأي لغة ينبغي أن يتعلم التلاميذ العلوم؟
فالنقاش حول لغة التدريس لا ينبغي أن يتحول إلى موقف رافض للغات الأجنبية، بل إلى نقاش تربوي هادئ حول السؤال الأهم: هل تساعد لغة التدريس التلميذ على فهم العلوم، أم تتحول في بعض الحالات إلى عائق إضافي أمام استيعابها؟
لا أحد ينكر أهمية تعلم اللغات الأجنبية، باعتبارها جسراً نحو المعرفة والانفتاح على العالم والدراسة والبحث العلمي. غير أن اللغة تظل في نهاية المطاف وسيلة للتعلم، وليست الغاية الأساسية من العملية التعليمية.
فحين يجد التلميذ نفسه مطالباً في الوقت نفسه بفهم لغة جديدة واستيعاب مفاهيم دقيقة في الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الحياة والأرض، قد يصبح التحدي مزدوجاً، خصوصاً بالنسبة إلى التلاميذ الذين لا يمتلكون أساساً لغوياً قوياً.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري أمام الأسر وصناع القرار التربوي: هل نريد للتلميذ أن ينشغل بفك رموز اللغة، أم أن يتفرغ لفهم القانون الفيزيائي والمعادلة الرياضية والمفهوم العلمي؟

بين الانفتاح على اللغات وضمان فهم العلوم
المطلوب حسب عدد من أولياء الأمور، ليس إغلاق الباب أمام الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرهما من اللغات، بل ضمان تعلمها وتعزيز حضورها بطريقة لا تجعلها على حساب استيعاب المواد العلمية.
فالانفتاح اللغوي يمكن أن يكون نقطة قوة حقيقية للتلميذ المغربي، شريطة أن يكون مصحوباً بسياسة تعليمية تضع جودة التعلمات وفهم التلميذ في صلب أولوياتها.
وفي هذا السياق، فإن إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب يستند إلى القانون الإطار رقم 51.17، فيما تواصل الوزارة تنزيل أوراش إصلاحية تستهدف تحسين جودة التعلمات وتكافؤ الفرص.
حق الأسر في النقاش والاختيار
ومن هذا المنطلق، يبرز دور الآباء وأولياء الأمور في طرح الأسئلة ومناقشة الخيارات التربوية التي تمس مستقبل أبنائهم.
فالمطلوب ليس الدخول في مواجهة حول اللغة، وإنما فتح نقاش مسؤول حول الطريقة التي يمكن من خلالها الجمع بين إتقان اللغات الأجنبية وضمان فهم عميق للعلوم.
وإذا كانت تجربة بعض التلاميذ تكشف أن الانتقال إلى لغة أجنبية في المواد العلمية قد يضيف صعوبة لغوية إلى صعوبة المادة نفسها، فإن من المشروع طرح السؤال حول مدى ملاءمة ذلك لقدرات مختلف المتعلمين، وحول الوسائل الكفيلة بضمان تكافؤ الفرص بينهم.
نريد تلميذاً يفهم العلم.. ويتقن اللغات
المعادلة التي تبحث عنها الأسر ليست معقدة: تعليم علمي قوي، ولغات أجنبية متينة، وتلميذ قادر على الانتقال بين اللغات دون أن يفقد القدرة على فهم المعرفة.
فاللغة لا ينبغي أن تكون حاجزاً أمام العلم، كما أن الدفاع عن العربية لا ينبغي أن يعني رفض تعلم اللغات الأخرى.
المطلوب هو تعليم يفتح أبواب المعرفة أمام أبنائنا، ويحترم اللغة العربية، ويمنح اللغات الأجنبية المكانة التي تستحقها، وفي الوقت نفسه يضمن للتلميذ فرصة فهم العلوم واستيعابها بأكبر قدر ممكن من الوضوح.
مستقبل أبنائنا مسؤوليتنا جميعاً.
لذلك، لا ينبغي أن يكون النقاش حول لغة التدريس مجرد أمر مفروض على الأسر، بل مناسبة للسؤال والمناقشة والتقييم: ما اللغة أو النموذج التعليمي الذي يساعد أبناءنا فعلاً على التفوق في العلوم، دون أن يحرمهم من فرصة الانفتاح على العالم؟
فالهدف في النهاية ليس أن يتعلم أبناؤنا كيف يدرسون العلوم بلغة معينة، وإنما أن يفهموا العلوم، ويحبوا المعرفة، ويتمكنوا من أدواتها، ويحققوا التفوق الذي يستحقونه.