التوقيت الميسر في الجامعة المغربية.. لا لإلغائه، نعم لإصلاح كلفته وشروطه
بقلم: عبد الصمد ادنيدن
لم يعد النقاش حول التوقيت الميسر في الجامعة المغربية مجرد نقاش تقني حول تنظيم ساعات الدراسة. فمنذ أن أصبح هذا النمط مرتبطا برسوم مالية بالنسبة إلى الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال تكوينهم، تحول النقاش إلى قضية أوسع تتصل بمجانية التعليم، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، وكلفة التكوين، ثم، قبل ذلك كله، بكيفية تنزيل هذا النظام على أرض الواقع.
لكنني أعتقد أن اختزال النقاش في سؤال: “هل أصبح الموظف يؤدي مقابل الدراسة بعدما كان يدرس مجانا؟” لا يحيط بكل أبعاد القضية.
فحتى الذين يعترضون اليوم على الرسوم ليسوا، بالضرورة، ضد التوقيت الميسر، ولا ضد فكرة التكوين مدى الحياة، ولا ضد أن يساهم المستفيد في جزء من كلفة تنظيم تكوين خاص يتلاءم مع التزاماته المهنية.
بل إن التوقيت الميسر، في حد ذاته، يمكن أن يكون مكسبا مهما للجامعة وللطلبة معا.
فهو يتيح توسيع العرض الجامعي، ورفع الطاقة الاستيعابية لبعض المسالك، وفتح إمكانية العودة إلى الجامعة أمام أشخاص أصبحوا مندمجين في سوق الشغل، دون أن يكون عليهم الاختيار بالضرورة بين الوظيفة والدراسة.
ومن هذه الزاوية، فإن المطالبة بإلغاء التوقيت الميسر ليست، في تقديري، هي الطريق الصحيح للنقاش.
المطلوب هو أن نسأل: كيف يمكن أن نجعل هذا النظام أكثر عدالة وأكثر نجاعة؟
المشكلة ليست في الأداء وحده
القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي أقر إمكانية تنظيم تكوينات أساسية مؤدى عنها في إطار التوقيت الميسر، وهو ما يمنح هذا النظام أساسا تشريعيا واضحا.
لكن وجود أساس قانوني للأداء لا ينهي النقاش.
فالسؤال القانوني شيء، والسؤال المتعلق بعدالة السياسة العمومية شيء آخر.
يمكن أن يكون إجراء ما مؤسسا على القانون، ومع ذلك يظل من المشروع مناقشة قيمته، وشروط تطبيقه، وآثاره الاجتماعية، ومدى تناسبه مع الغاية التي وضع من أجلها.
وهنا بالضبط يبدأ النقاش الحقيقي.
فالمعطيات المتداولة بشأن الرسوم تجعل الطالب أمام 15 ألف درهم سنويا بالنسبة إلى الماستر و20 ألف درهم سنويا بالنسبة إلى الدكتوراه خلال السنوات الأربع الأولى، أي 30 ألف درهم للماستر على سنتين، و80 ألف درهم للدكتوراه على أربع سنوات.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام منفصلة عن باقي كلفة الدراسة.
فالباحث في الدكتوراه، مثلا، لا يؤدي رسوم التسجيل فقط. هناك المراجع، والتنقل، والطباعة، والنشر، والمشاركة في الندوات، وربما جمع المعطيات والقيام ببحوث ميدانية أو مخبرية بحسب التخصص.
وبالتالي، فإن الكلفة الحقيقية لاستكمال المسار العلمي قد تكون أكبر بكثير من الرسوم الجامعية وحدها.
وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام مساهمة معقولة في كلفة تنظيم تكوين خاص، أم أمام كلفة يمكن أن تتحول إلى حاجز أمام فئات واسعة من الموظفين والأجراء؟
ماذا تقول المقارنة الأوروبية؟
المقارنة مع أوروبا تحتاج إلى بعض الدقة، لكنها تكشف مع ذلك عن مفارقة تستحق النقاش.
ففي فرنسا، تبلغ رسوم التسجيل الرسمية للطلبة الفرنسيين والأوروبيين في الجامعات العمومية خلال السنة الجامعية 2026-2027، 254 يورو سنويا للماستر و397 يورو للدكتوراه.
أما جامعة برشلونة، التي تحتل الرتبة 165 عالميا في تصنيف QS العالمي 2027، والرتبة الأولى في إسبانيا، فتحدد في 2026-2027 سعر وحدة الماستر بـ19.37 يورو بالنسبة إلى الطلبة الأوروبيين والمقيمين في إسبانيا. وباحتساب 60 وحدة دراسية، تصل الكلفة إلى نحو 1,162 يورو سنويا، مع الرسوم الإدارية.
وفي جامعة بوليتكنيك كاتالونيا، التي تصنف ضمن أفضل 28% من الجامعات العالمية في QS 2027، تتراوح الكلفة التقديرية لماستر من 60 وحدة بين 1,500 و1,600 يورو للطلبة الأوروبيين، بحسب نوع الماستر.
وبالتحويل التقريبي، فإن 15 ألف درهم تعادل نحو 1,400 يورو، بينما تعادل 20 ألف درهم نحو 1,850 يورو.
هذه المقارنة لا تعني، بطبيعة الحال، أن الأنظمة الجامعية قابلة للمقارنة حرفيا؛ فكل دولة لها نظامها في التمويل والدعم، كما تختلف تكاليف المعيشة ومستويات الأجور. لكنها تجعل من المشروع طرح سؤال بسيط: هل قيمة الرسوم المعتمدة في المغرب متناسبة فعلا مع القدرة الشرائية للفئة المستهدفة، ومع طبيعة الخدمات والتكوين الذي تحصل عليه؟
فالنقاش حول قيمة الرسوم ليس مزايدة، وإنما جزء أساسي من تقييم السياسة العمومية.
الموظف والأجير ليسا بالضرورة من الفئات الميسورة
وهنا أعتقد أن هناك تصورا يحتاج إلى مراجعة.
فالحديث في المغرب عن “الموظف” أو “الأجير” لا يعني الحديث عن شخص ميسور بالضرورة.
فجزء كبير من الطبقة المتوسطة نفسها أصبح يواجه ضغوطا متزايدة في مواجهة تكاليف السكن، والتعليم، والنقل، والغذاء، وباقي الحاجيات الأساسية.
وكثير من أبناء الأسر محدودة ومتوسطة الدخل يلجون سوق الشغل مباشرة بعد الحصول على أول دبلوم يؤهلهم للعمل، ليس لأنهم تخلوا عن طموحهم الأكاديمي، وإنما لأن ظروفهم الاجتماعية تفرض عليهم الحصول على دخل.
وبالنسبة إلى هؤلاء، يكون استكمال الدراسة بعد سنوات من العمل فرصة ثانية لتحسين الوضع المهني والاجتماعي.
لكن ماذا يعني أن يصبح الحصول على هذه الفرصة مشروطا برسوم تصل إلى 30 ألف درهم في الماستر أو 80 ألف درهم في الدكتوراه؟
قد تكون هذه المبالغ قابلة للتحمل بالنسبة إلى بعض الموظفين والأجراء، لكنها قد تكون ثقيلة جدا بالنسبة إلى آخرين.
ومن هنا يأتي السؤال الحقيقي:
هل تكفي صفة “موظف” أو “أجير” وحدها لافتراض القدرة على الأداء؟
لا أعتقد ذلك.
فقد لا تعني بضعة آلاف من الدراهم شيئا بالنسبة إلى شخص، بينما قد تعني بالنسبة إلى موظف أو أجير محدود الدخل اللجوء إلى الاقتراض أو التخلي عن حاجات أساسية.
ولذلك، فإن التوقيت الميسر إذا كان يراد له أن يكون أداة للتكوين مدى الحياة، ينبغي ألا يتحول، بسبب كلفته، إلى مسار يستفيد منه أساسا من يملك قدرة مالية أكبر.
التوقيت الميسر ينبغي أن يكون اختيارا
هنا أعتقد أن من الممكن الحفاظ على جوهر النظام، مع إدخال تعديل بسيط لكنه مهم.
لماذا لا يكون التوقيت الميسر اختياريا؟
فليس كل موظف أو أجير يحتاج بالضرورة إلى الدراسة خارج التوقيت العادي. هناك موظفون تسمح لهم طبيعة عملهم وتوقيتهم المهني بمتابعة الدراسة في الفترة العادية.
فإذا كان الطالب قادرا على الدراسة في التوقيت العادي، فلماذا يدفع تلقائيا نحو مسار مؤدى عنه؟
الأفضل أن تكون أمامه إمكانية الاختيار:
إما أن يتابع تكوينه في التوقيت العادي وفق الشروط المعمول بها، وإما أن يختار التوقيت الميسر إذا كانت التزاماته المهنية لا تسمح له بذلك.
بهذا الشكل نحافظ على التوقيت الميسر، ونحافظ في الوقت نفسه على مبدأ الاختيار.
والأداء؟ لماذا لا يكون بحسب الدخل؟
إذا كانت فلسفة الأداء تقوم على المساهمة في كلفة تنظيم تكوين خاص، فلماذا لا تكون هذه المساهمة متدرجة بحسب دخل المستفيد؟
هذا النموذج ليس غريبا من حيث المبدأ.
بل إن وجود تفاوت كبير في القدرة المالية بين الموظفين والأجراء يجعل اعتماد رسم موحد للجميع أقل عدالة من نظام يأخذ القدرة على الأداء بعين الاعتبار.
يمكن، مثلا، اعتماد شرائح للدخل، بحيث يؤدي الموظف أو الأجير ذو الدخل المحدود مبلغا أقل، بينما يساهم صاحب الدخل المرتفع بمبلغ أكبر.
وبذلك لا يتم إلغاء مبدأ المساهمة، ولا يتم في المقابل جعل الوضع المالي شرطا غير معلن لاستكمال الدراسة.
وإذا كان الطالب يؤدي، فعليه أن يحصل فعلا على التوقيت الميسر
هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية.
إذا اختار الطالب التوقيت الميسر وأدى الرسوم بناء على هذا الاختيار، فمن الطبيعي أن تلتزم الجامعة فعليا بهذا التنظيم.
لا يمكن أن يؤدي الطالب مقابل إمكانية الدراسة في توقيت ملائم لعمله، ثم يجد نفسه في النهاية أمام محاضرات وأنشطة تنظم في التوقيت العادي.
هنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بقيمة الرسوم، وإنما بمبدأ بسيط: مقابل الأداء ينبغي أن يتحقق فعليا.
التوقيت الميسر يعني أن الجامعة غيرت طريقة تنظيم الزمن الجامعي حتى يصبح قابلا للجمع بين العمل والدراسة.
فإذا لم يتحقق ذلك، فإن جوهر النظام نفسه يصبح محل سؤال.
لماذا لا نبحث عن مصادر أخرى للتمويل؟
إذا كان الإشكال الحقيقي هو تمويل التكوين، فلماذا نضع الطالب وحده في مواجهة الكلفة؟
يمكن التفكير في أكثر من آلية.
أولا، يمكن دراسة إعفاء أو تخفيض ضريبي لفائدة الموظف أو الأجير الذي يتحمل شخصيا مصاريف تكوين جامعي معتمد، في حدود وشروط واضحة.
الفكرة هنا ليست أن تتحمل الدولة الرسوم بالكامل، وإنما أن تعيد جزءا من الكلفة إلى المستفيد عبر النظام الضريبي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتكوين يؤدي إلى رفع الكفاءة وتحسين المؤهلات.
وهذه الفكرة تحتاج، بطبيعة الحال، إلى دراسة قانونية ومالية قبل اعتمادها، كخيار يمكن أن يدخل ضمن النقاش حول تمويل التكوين مدى الحياة.
ثانيا، لماذا لا يكون لمؤسسات القطاعين العام والخاص دور أكبر؟
إذا كان الموظف أو الأجير يطور مؤهلاته في مجال يمكن أن تستفيد منه المؤسسة التي يعمل فيها، فمن المنطقي أن تساهم جهة العمل، ولو جزئيا، في كلفة تكوينه.
فالمؤسسة لا تستفيد فقط من شهادة يحصل عليها الموظف، وإنما قد تستفيد من المهارات والمعارف الجديدة التي سيعود بها إلى مكان عمله.
ويمكن التفكير في آليات تشجع الإدارات والمقاولات على تحمل جزء من الرسوم مقابل التزام الموظف بالاستمرار في المؤسسة أو استثمار ما اكتسبه من تكوين داخلها.
ثالثا، يمكن التفكير في دور أكبر للقطاع البنكي.
لماذا لا يتم تطوير قروض مخصصة للتعليم العالي والتكوين مدى الحياة بشروط تفضيلية، وفوائد منخفضة ومعقولة، مع آجال سداد طويلة وفترة سماح مناسبة؟
ففكرة القروض التعليمية ليست جديدة في الأنظمة الجامعية، وهناك نماذج دولية تقدم قروضا بمعدلات منخفضة أو حتى بصفر فائدة في بعض الحالات والشروط.
كما أن المغرب عرف بدوره، في فترات سابقة، عروضا بنكية موجهة لتمويل الدراسات العليا، ما يعني أن تطوير هذا النوع من المنتجات ليس فكرة مستحيلة.
المطلوب فقط هو أن تكون هذه القروض مصممة فعلا للتعليم، لا أن يتحول الطالب إلى مستهلك لقرض استهلاكي مرتفع الكلفة.
رابعا، هناك البحث العلمي.
الدكتوراه ليست فقط مشروعا شخصيا للباحث. ففي كثير من الحالات يمكن أن يكون موضوع البحث مرتبطا بشكل مباشر بإشكالات تواجه الإدارة أو المقاولة أو قطاعا اقتصاديا بكامله.
لماذا لا نوسع إذن شراكات تمويل البحث العلمي بين الجامعات والقطاع الخاص؟
يمكن للمقاولة، مثلا، أن تمول بحثا في مجال يهم نشاطها، وتستفيد من نتائجه، بينما يستفيد الباحث والجامعة من التمويل والإمكانات.
وهكذا يصبح البحث العلمي استثمارا مشتركا، وليس تكلفة يتحملها الباحث وحده.
وهذا النوع من الشراكات ليس مجرد تصور نظري؛ فأنظمة جامعية مختلفة تربط تمويل البحث باحتياجات المؤسسات الاقتصادية، كما أن بعض الدول توفر حوافز ضريبية للشركات التي تنفق على البحث والتطوير. ففي فرنسا، مثلا، يسمح نظام “Crédit d’impôt recherche” للشركات بخصم جزء من نفقات البحث والتطوير وفق شروط محددة.
قد لا يكون من الممكن نقل هذا النموذج كما هو إلى المغرب، لكن من الممكن الاستفادة من فكرته: تشجيع القطاع الخاص على تمويل البحث العلمي بدل ترك الباحث يواجه وحده كلفته.
النقاش ليس بين “المجانية” و”الأداء”
لهذا كله، أعتقد أن النقاش الحالي يحتاج إلى شيء من الهدوء.
ليس كل من انتقد الرسوم يريد إلغاء التوقيت الميسر.
وليس كل من طرح سؤالا حول قيمتها ضد إصلاح التعليم العالي.
وليس كل من تساءل عن العدالة الاجتماعية جاهلا بالقانون.
كما أن وصف كل رأي مخالف بأنه “مزايدة سياسية” لا يساعد على الوصول إلى حل.
الأصل في النقاش العمومي أن نناقش الأفكار لا النوايا.
قد يكون هناك من يزايد فعلا، وقد يكون هناك من ينتقد عن جهل، لكن هذا لا يعني أن كل من يعترض على الإصلاح ينتمي إلى إحدى الفئتين.
بل إن أفضل ما يمكن أن يحدث لأي إصلاح هو أن يفتح المجال أمام النقد، لأن النقد قد يكشف ثغرة يمكن إصلاحها قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
لذلك، لا أعتقد أن الحل هو إلغاء التوقيت الميسر.
الأفضل، في تقديري، هو الحفاظ على إيجابياته، والعمل على جعله أكثر عدالة:
توقيت ميسر يكون اختياريا لمن يحتاج إليه، ورسوم متدرجة بحسب دخل المستفيد، والتزام فعلي من الجامعات بالتوقيت الذي اختاره الطالب وأدى مقابله، وإمكانية إشراك جهة العمل في تحمل جزء من الكلفة، وتطوير حلول تمويلية بنكية مخصصة للتعليم العالي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في تمويل البحوث التي تخدم الاقتصاد والمجتمع، ودراسة حوافز ضريبية تشجع على الاستثمار في التكوين والبحث العلمي.
بهذه الطريقة يمكن أن نحافظ على فكرة التوقيت الميسر، ونوسع فرص الولوج إلى الجامعة، ونزيد عدد المقاعد، ونضمن شهادة وطنية، دون أن نجعل القدرة المالية هي الفيصل الحقيقي في من يستطيع مواصلة دراسته ومن لا يستطيع.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل نريد التعليم المجاني أم التعليم المؤدى عنه؟
السؤال الأهم هو: كيف نمول التعليم العالي والتكوين مدى الحياة بطريقة لا تحول المال إلى حاجز أمام من يريد أن يتعلم؟
وهذا، في تقديري، نقاش يستحق أن يسمع فيه الجميع.