حسن أوريد: «الهروب الكبير» إلى سبتة يكشف أزمة اجتماعية تتجاوز الفقر وتطرح أسئلة سياسية عميقة
معكم 24
أعاد المؤرخ والباحث المغربي حسن أوريد النقاش حول أحداث النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة إلى الواجهة، معتبرا أن ما سماه «الهروب الكبير» لا يمكن اختزاله في ظاهرة الهجرة غير النظامية أو في دوافع اقتصادية واجتماعية محضة، بل يكشف، بحسب تحليله، عن تحولات عميقة في المجتمع المغربي واختلالات تتجاوز البعد الاجتماعي إلى المجال السياسي والمؤسساتي.
وفي مقال نشرته قناة الجزيرة، وصف أوريد الأحداث التي شهدتها المنطقة بين 29 و31 يوليوز بأنها غير مسبوقة من حيث حجم النزوح، مشيراً إلى أعداد كبيرة من الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى سبتة عبر البحر والبر، وما رافق ذلك من وفيات ومفقودين وتداعيات سياسية وإعلامية تجاوزت المغرب وإسبانيا.
ويرى أوريد أن المشهد تغير بشكل لافت بين بداية الأحداث وتطورها، فبعد أن لفتت صورة شابة رياضية تمكنت من الوصول سباحة إلى سبتة الانتباه، بدأت تظهر لاحقاً حشود كبيرة من المواطنين الذين قطعوا مسافات طويلة سيراً على الأقدام في اتجاه المنطقة الحدودية.
ويعتبر الباحث أن هذا التحول يكشف، في نظره، عن انتقال الظاهرة من حالات فردية مرتبطة بالرغبة في الهجرة إلى نزوح جماعي يعكس مستوى مرتفعاً من الإحباط وفقدان الثقة في المستقبل.
كما يناقش أوريد فرضيات ربطت موجة النزوح بقرار قضائي إسباني يتعلق بمعاملة الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة، لكنه يحذر من اختزال الحدث في هذا العامل، معتبراً أن حجم المشاركة واتساعها يطرحان أسئلة أعمق حول دوافع المغاربة الذين شاركوا في محاولات العبور.
ولا يقف تحليل أوريد عند الجانب الإنساني، إذ يعتبر أن التداعيات السياسية للحدث قد تكون كبيرة، خصوصاً في إسبانيا، حيث يمكن لأحزاب وتيارات اليمين المتطرف، بحسب تقديره، استثمار المشاهد التي رافقت عمليات العبور في خطابها المعادي للهجرة والمغاربة.
وفي المقابل، يرى أن المغرب نفسه تلقى ضربة على مستوى صورته الخارجية، معتبراً أن مشاهد آلاف المواطنين وهم يحاولون مغادرة البلاد نحو مدينة محتلة لا تنسجم مع الخطاب الرسمي الذي يركز على الاستقرار والتنمية والمنجزات الاقتصادية والاجتماعية.
ويرفض أوريد، في هذا السياق، التفسيرات التي تربط الأحداث بفرضية توظيف المغرب للمهاجرين من أجل الضغط على إسبانيا أو «قرص أذنها» بسبب مواقفها السياسية، معتبراً أن مثل هذه التأويلات لا تصمد أمام حقيقة أن صور النزوح الجماعي ألحقت، في تقديره، ضرراً بصورة المغرب نفسه.
ومن بين النقاط التي أثارها أوريد ما اعتبره صمتاً رسمياً وحزبياً إزاء الأحداث، في وقت انشغلت فيه السلطات العمومية بتنظيم عودة الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة.
ويرى أن هذا الصمت ساهم في توسيع مساحة التساؤلات داخل الرأي العام، خصوصاً في ظل الخسائر البشرية المرتبطة بمحاولات العبور.
ويذهب الباحث إلى أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، لأن خلف المشاهد، بحسب تحليله، أزمة ثقة اجتماعية وسياسية تحتاج إلى قراءة أعمق للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها أوريد في تحليله اعتبار أن المغرب يعاني، بحسب تقديره، تراجعاً في أدوار ما يسميها «البنيات الوسيطة»، من أحزاب سياسية ومجتمع مدني وصحافة ومدرسة، وهي المؤسسات التي يفترض أن تضطلع بأدوار التأطير والتنشئة والوساطة بين الدولة والمجتمع.
ويعتبر أن ضعف هذه الأدوار قد يساهم في انتقال التعبير عن الاحتقان من المؤسسات إلى الشارع، بما يحمله ذلك من مخاطر مرتبطة بالعنف وعدم التنظيم.
كما يربط الباحث ظاهرة النزوح بما يسميه «اقتصاداً مزدوجاً»، يرى أنه ينتج تفاوتاً بين مظاهر التنمية والبنيات الحديثة من جهة، وقدرة قطاعات واسعة من المواطنين على الاستفادة الفعلية منها من جهة أخرى.
ويتوقف أوريد كذلك عند فئة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التكوين، المعروفة اختصاراً بـ NEET، معتبراً أن هذه الفئة لم تعد تعبر فقط عن الغضب الاجتماعي، بل قد تصبح، في بعض الحالات، أكثر قابلية للانخراط في أشكال من العنف أو السلوكيات الخطرة.
ويربط أوريد جزءاً من هذه التحولات بما يعتبره آثاراً لمدونة الأسرة، متحدثاً عن تغيرات طرأت على بنية الأسرة والعلاقات داخلها.
وهذه النقطة تحديداً تظل طرحاً تفسيرياً وسوسيولوجياً مثيراً للجدل، ولا يمكن اعتبارها، من الناحية العلمية، إثباتاً لعلاقة سببية مباشرة بين مدونة الأسرة وظاهرة الهجرة غير النظامية أو العنف. كما أن عبارة «أبناء أسر من ولي واحد» التي استخدمها أوريد تحتاج إلى قراءة في سياقها السوسيولوجي، ولا تعني بالضرورة أبناء ناتجين عن علاقات غير شرعية؛ فهي، في سياق حديثه، تحيل إلى الأسر التي يوجد فيها الأبناء تحت مسؤولية ولي واحد، بما قد يرتبط بالطلاق أو الانفصال أو بنية أسرية أحادية الوالد.
وفي الجانب المرتبط بالقضية الترابية، يرى أوريد أن الأحداث أعادت إلى الواجهة وضع سبتة ومليلية والمواقع الإسبانية الأخرى على الساحل المغربي.
ويشير إلى أن محاولة اقتحام السياج في منطقة بني أنصار قرب مليلية حملت، بحسب قراءته، بعداً مختلفاً، معتبراً أن وجود المدينتين تحت الإدارة الإسبانية يظل، من وجهة نظره، من مخلفات مرحلة تاريخية استعمارية لم تعد تجد ما يبرر استمرارها.
ويقر الباحث بأن غالبية المشاركين في موجة النزوح نحو سبتة لم يرفعوا شعارات تطالب بتحرير المدينة، لكنه يرى أن مسألة الاحتلال ظلت حاضرة في الخلفية السياسية للحدث.
ويخلص أوريد إلى أن أحداث سبتة ينبغي أن تدفع إلى إعادة النظر في مفهوم التنمية نفسه، منتقداً ما يصفه بوجود «مغرب بسرعتين»؛ مغرب تتعايش فيه مظاهر التقدم والبنيات الحديثة مع أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة تجعل قطاعات من المواطنين غير قادرة على الاستفادة من ثمار التنمية.
وبحسب هذا التصور، فإن مشاهد النزوح الجماعي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حادثاً أمنياً عابراً، وإنما باعتبارها رسالة اجتماعية وسياسية قوية تستدعي قراءة عميقة لتحولات المجتمع، وإعادة تقييم فعالية المؤسسات الوسيطة والسياسات العمومية، والبحث عن أسباب فقدان الأمل لدى فئات من الشباب.