“الله ينصر سيدنا.. الله يحفظ مولاي الحسن”.. هكذا استقبلت تطوان صاحب الجلالة في مشهد تلاحم ووفاء
بقلم: *انس اليملاحي
“الله ينصر سيدنا”، “الله يحفظ مولاي الحسن ويرعاه”، “الله يطول في عمر سيدنا”، عبارات خرجت من قلوب قبل أن تخرج من ألسنة، ارتفعت عصر يوم الاثنين العشرين من يوليوز الجاري في شارع محمد الخامس بتطوان المحاذي للقصر الملكي، حين خرج صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من رحاب القصر إلى رحابة الشارع، مرتديا الجلباب الأصفر التقليدي والطربوش الأحمر، سائرا على قدميه بخطى هادئة مطمئنة، مرفوقا بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن. لم يكن هناك موكب مهيب يفصل، ولا حاجز بروتوكولي يباعد، بل كان هناك ملك يمشي بين رعاياه، يمد يده للمصافحة، ويميل بوجهه نحو الأصوات التي تدعو له، في مشهد استثنائي بكل المقاييس، أعاد إلى الأذهان أن العرش العلوي، في جوهره العميق، لم يكن يوما بناء متعاليا يسكنه ملك بعيد، بل امتدادا حيا لنبض شعب، يتنفس في الأزقة والدروب قبل أن يتنفس في المراسيم والبلاغات.
تجمع الناس خلف حواجز خفيفة لا تحمل من الصرامة شيئا، لا طاعة مفروضة ولا التزاما رسميا، بل شوقا صادقا خالصا للحظة عابرة يرون فيها ملكهم عن قرب، فرفعوا الأكف بالدعاء قبل أن يرفعوا الهواتف بالتوثيق، وصفقوا بحرارة من يستقبل عيدا لا موكبا عابرا، وتعالت الأصوات المتقطعة الصادقة: الله ينصر سيدنا، الله يحفظ مولاي الحسن، الله يمد في عمر جلالته، دعوات لا تصاغ في بلاغ رسمي ولا تكتب بأمر من أحد، بل تنبع من معين وفاء متوارث جيلا بعد جيل، لا تصنعه الأجهزة ولا تزينه المناسبات، وإنما تحفظه الذاكرة الجماعية لشعب يعرف قدر بيعته ويوقر عهده. لقد كانت العيون، أكثر من الهواتف، هي الكاميرا الحقيقية التي التقطت اللحظة، عيون شاخصة تتأمل ملكها وكأنها ترى فيه امتدادا لذاكرة أسرية جماعية.
وما بين مصافحة ويد ممدودة، وبين نظرة واستئناس، تتجلى حقيقة عميقة يصعب أن تختزلها الكلمات: أن العلاقة الرابطة بين العرش والشعب في المغرب ليست علاقة سلطة بمحكومين، بل هي علاقة انصهار وتماه، تنسج خيوطها الثقة المتبادلة قبل أن تنسجها المؤسسات. فالمواطن الذي مد يده للسلام لم يكن يصافح رئيس دولة، بل كان يجدد بيعة قلبية تسبق كل بيعة رسمية، بيعة لا تكتبها المحاضر ولا تحصيها الإحصائيات، وإنما يكتبها الوجدان الجمعي جيلا بعد جيل، منذ أن اختار المغاربة عبر تاريخهم الطويل هذا الشكل من الحكم حاميا لوحدتهم ولاختلافهم في آن واحد.
وفي قلب هذا المشهد، يتجلى معنى آخر لا يقل عمقا: أن الملك، في الوجدان المغربي، هو الضامن الأسمى لاستمرار الدولة واستقرار الوطن، الحكم الفصل الذي يعلو على التجاذبات والتقلبات، والصمام الذي يحمي وحدة الصف حين تتوزع الاجتهادات وتختلف الأهواء. فحين ينزل هذا الضامن إلى الشارع بلا حراسة مصطنعة تفصله عن الناس، فإنه إنما يؤكد عمليا ما تنص عليه الشرعية التاريخية والدستورية معا، وهو أن ثقة الشعب فيه ليست مفروضة بقوة القانون وحده، بل متجذرة في ضمير جماعي يرى فيه حارس الاستقرار وكافل التوازن.
أما الحب الذي شهدته شوارع تطوان في تلك اللحظة، فليس حبا عابرا تصنعه المناسبات، بل هو حب متجذر، ينتقل من صدر إلى صدر كما تنتقل الحكاية والذاكرة، حب لا يبتغي مقابلا ولا ينتظر جزاء، حب أب لأبنائه وأبناء لأبيهم، تختلط فيه المهابة بالألفة والوقار بالدفء، ومثل هذا المشهد، بكل ما يحمله من صدق وعفوية وامتزاج بين المهابة والقرب، لا يمكن أن يتكرر في أي بقعة أخرى من العالم كما يتكرر في المغرب، ذلك أن قلة من الأمم في هذا العصر تملك ملكية تمشي في الشارع دون أن تفقد هيبتها، وتصافح الأكف دون أن تفقد مكانتها، وتستحضر التاريخ في كل خطوة دون أن تتحول إلى طقس متحفي جامد. إنها خصوصية مغربية صرفة، تستمد جذورها من تراكم قرون من العلاقة بين العرش وإمارة المؤمنين والشعب، وتتجدد كل مرة يخرج فيها الملك إلى الناس، فيجدد الناس له بيعتهم بابتسامة ودعوة ودمعة فرح.
وتطوان، المدينة التي احتضنت هذا المشهد، ليست محطة عابرة في الجغرافيا الملكية، بل هي حاضرة عريقة نسجت مع العرش العلوي علاقة ضاربة في القدم، منذ أن كانت قاعدة للدفاع عن حوزة الوطن في وجه الأطماع الخارجية، ومنذ أن استقبلت أجيالا من السلاطين والملوك العلويين الذين وطئوا ثراها وأمّوا مساجدها وتفقدوا أحوال أهلها. مدينة أندلسية الهوى والهوية، صنفتها اليونسكو تراثا عالميا لإنسانيته، ونالت لقب المدينة الإبداعية وعاصمة للثقافة والحوار المتوسطي، فحين يختارها الملك مسرحا لهذا القرب العفوي من مواطنيه، تتضاعف الرمزية وتتلألأ الدلالة: مدينة عريقة الأصالة تستقبل مشهدا يجدد عهد الوفاء بين العرش والشعب، في تلاق نادر بين عبق التاريخ وحرارة اللحظة الراهنة.
هذا المشهد التطواني، بكل ما يحمله من صدق وعفوية، يستحق أن يُقرأ بوصفه شهادة متجددة على أن الملكية في المغرب ملكية ميدانية، تعرف عناوين الأحياء قبل أن تعرف عناوين التقارير، وتصافح الأكف الخشنة قبل أن تصافح حبر التوقيعات، وأن هذا القرب الذي لا تصنعه البروتوكولات، هو بالذات ما يفسر سر هذا العرش الشامخ عبر الأزمنة، محفوفا بدعاء لا ينقطع: الله ينصر سيدنا، الله يحفظ مولاي الحسن، ويديم على المغرب نعمة الاستقرار في ظل إمارة المؤمنين.
*فاعل اكاديمي وسياسي