بنشماش : استمرار ضعف السياسة قد يقيد نجاح الدولة
غزلان الورزازي
وجه عبد الحكيم بن شماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مجلس المستشارين السابق، رسالة سياسية لافتة مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، حذر فيها من أن استمرار ضعف السياسة والوساطة الحزبية قد يتحول إلى عامل يحد من قدرة المغرب على مواصلة مسار التنمية خلال المرحلة المقبلة.
وفي مقال رأي بعنوان «من يحمل المغرب إلى الدورة الجديدة؟»، اعتبر بن شماش أن المغرب يقف أمام مرحلة تتجاوز مجرد معرفة اسم رئيس الحكومة المقبل أو شكل الأغلبية التي ستقود المرحلة، مشدداً على أن «الدورة الجديدة» التي تحدث عنها خطاب العرش تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بنوعية السياسة والمجتمع ورصيد الثقة اللازم لحمل التحولات المقبلة.
دولة تتقدم.. وسياسة لا تواكب بالسرعة نفسها
ينطلق بن شماش من الاعتراف بحجم التحولات التي عرفها المغرب خلال ربع القرن الأخير، مستحضراً تطور البنيات التحتية والموانئ والصناعات الحديثة والطرق والقطارات والتحول الطاقي والانفتاح الإفريقي، إلى جانب أوراش الحماية الاجتماعية والاستعداد لاستحقاقات أفق 2030.
غير أن صاحب المقال يرى أن هذه التحولات أنتجت مواطناً جديداً، أصبح لا يكتفي بالسؤال عن وجود الخدمات، وإنما يهتم بجودتها وعدالتها والوقت اللازم للوصول إليها، وبمدى استفادته الشخصية من مسار التنمية.
ومن هنا يحدد بن شماش ما يعتبره إحدى أهم فجوات المرحلة، والمتمثلة في أن قدرة الدولة على تغيير البلد تقدمت، في مجالات عديدة، بوتيرة أسرع من قدرة السياسة على فهم المجتمع الجديد وتمثله وترجمة انتظاراته إلى اختيارات سياسية.
من الغلاء والبطالة إلى «أزمة العبور»
ويرى بن شماش أن هذه الفجوة لم تعد مجرد اختلاف في السرعة، بل بدأت تظهر في الحياة اليومية للمواطنين، من خلال ما سماه «الانكشاف الاجتماعي» و«الانكشاف الجيلي» و«الانكشاف المجالي».
ويشير في هذا السياق إلى تراجع هامش الأسر القادر على استيعاب الأزمات، سواء تعلق الأمر بالمرض أو البطالة أو تكاليف التعليم والصحة، محذراً من أن الأمر لا يتعلق فقط بتراجع القدرة الشرائية، وإنما بما يسميه «تضاؤل هامش المستقبل نفسه».
أما بالنسبة إلى الشباب، فيضع الكاتب المسألة في إطار أوسع من البطالة، معتبراً أن الأزمة الحقيقية تكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال، ومن الجهد إلى المكانة الاجتماعية.
كما يلفت إلى أن الجيل الجديد يعيش هذه الأزمة وهو متصل باستمرار بالعالم الخارجي، ما يجعل المقارنة بين ظروف العيش والعمل والدراسة والدخل أكثر سرعة وحضوراً.
«جيل Z» وسبتة.. إشارتان إلى أزمة الثقة؟
وفي قراءته للتحولات الاجتماعية، يتوقف بن شماش عند احتجاجات «جيل Z»، معتبراً أنها شكل من أشكال الانكشاف، بعدما وجد جيل جديد طريقه إلى المجال العام عبر الأدوات الرقمية بشكل أسرع من المؤسسات الحزبية والسياسية.
كما يستحضر أحداث سبتة، ليطرح قراءة مختلفة لمعنى الهجرة والرغبة في العبور إلى الخارج، معتبراً أن المسألة تصبح أكثر خطورة عندما يبدأ المواطن، وخصوصاً الشاب، في تصور مستقبله خارج بلده.
ويحذر من أن انتقال المستقبل في مخيلة جزء من الشباب من الداخل إلى الخارج قد لا يعكس فقط أزمة ثقة في حزب أو سياسة عمومية، بل تحولاً في علاقة المواطن نفسها بفكرة المستقبل الوطني.
تفاوت مجالي يهدد المشترك العمومي
ولا يفصل بن شماش بين هذه التحولات وبين التفاوتات المجالية، مشيراً إلى اختلاف تجربة المواطن مع الدولة بحسب المجال الذي يعيش فيه، سواء تعلق الأمر بالفوارق بين المدن والقرى أو بين الأحياء أو بين الجهات.
ويعتبر أن استمرار الفوارق في الدخل والخدمات والفرص قد ينقل السؤال من «لماذا تنقصنا هذه الخدمة؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «لماذا يبدو نصيبنا من الدولة مختلفاً؟»
ويرى أن هذه المرحلة تجعل الوساطة السياسية قضية تتجاوز الأحزاب لتصبح، في تقديره، مسألة مرتبطة بمناعة الدولة نفسها، لأن السياسي القريب من المجتمع كان يؤدي تاريخياً وظيفة التقاط الإشارات الاجتماعية قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.
المال والسياسة.. سؤال «مناعة» المؤسسات
ومن بين الملفات التي أثارها بن شماش أيضاً علاقة المال بالعمل السياسي، متسائلاً عن قدرة المنظومة السياسية والانتخابية على منع تحويل النفوذ الاقتصادي غير المشروع إلى قوة سياسية وتمثيلية.
ويؤكد أن الأمر، في نظره، لا يتعلق باستهداف حزب معين أو تحميل هيئة سياسية مسؤولية أفعال أفراد، وإنما بطرح سؤال أوسع حول مناعة السياسة وقدرتها على حماية مواقع القرار من الاختراق بالمال والنفوذ.
كما يحذر من اتساع المسافة بين الثروة والقرار السياسي، مستعملاً مفهوم «الأوليغارشية المفترسة» للتنبيه إلى مخاطر اقتراب الثروة والنفوذ وصناعة القواعد من بعضها إلى درجة يصبح معها الوصول إلى القرار غير متكافئ بين المواطنين.
انتقاد للبرامج الانتخابية.. «ترى الأشياء أكثر مما ترى العلاقات بينها»
وفي تقييمه للعرض الانتخابي، لا ينفي بن شماش أن البرامج الحزبية تتضمن ملفات الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المجالية وغيرها.
لكنه يرى أن الإشكال يكمن في أن جانباً من هذه البرامج يتعامل مع القضايا بشكل منفصل، بينما يعيشها المواطن كمنظومة مترابطة: مدرسة لا تفتح بالضرورة باب العمل، وعمل لا يسمح بالسكن، ودخل لا يوفر هامشاً للادخار، ومجال تقل فيه الفرص، وحياة يومية تتقاطع فيها هذه الأزمات مع الشعور السياسي.
ويحذر في الوقت نفسه من الوعود الانتخابية المبنية على افتراضات نمو مرتفعة، مؤكداً أن السياسة الجادة لا ينبغي أن تكتفي بشرح ما ستفعله في حال تحققت توقعاتها، بل مطالبة أيضاً بتقديم إجابات عن السيناريوهات التي قد لا يأتي فيها المستقبل وفق الجدول المتوقع.
تجربة «البام».. درس في شروط إنتاج السياسة
وفي جزء لافت من المقال، يستحضر بن شماش تجربته السابقة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، متوقفاً عند مرحلة «حركة لكل الديمقراطيين» التي سبقت تأسيس الحزب.
ويعتبر أن التجربة تقدم درساً يتجاوز تقييم الحزب نفسه، ومفاده أن مشروعاً سياسياً قد ينطلق من سؤال مجتمعي صحيح، قبل أن تدفعه شروط المنافسة الانتخابية تدريجياً إلى الابتعاد عن بعض القيم والأفكار التي تأسس من أجل الدفاع عنها.
ومن هنا يطرح سؤالاً يتجاوز البحث عن «رجل جديد» أو «حزب جديد»، إلى التساؤل عن شروط إنتاج السياسة نفسها: هل تكافئ البيئة السياسية صاحب الفكرة أم صاحب الشبكة؟ وهل تمنح الأولوية لبناء الكفاءات أم لاستقطاب المرشحين الجاهزين؟
«الدورة الجديدة».. اختبار للسياسة وليس للدولة فقط
ويصل بن شماش في نهاية مقاله إلى خلاصته الأساسية: المغرب تمكن خلال ربع قرن من بناء دولة أكثر قدرة على التخطيط وصناعة الخيارات الكبرى وتعبئة الموارد وتنفيذ المشاريع، لكن المرحلة المقبلة تحتاج، في المقابل، إلى سياسة قادرة على مواكبة هذه القوة المؤسساتية.
ويحذر من أن استمرار ضعف السياسة قد يتحول من مجرد اختلال ديمقراطي إلى قيد على نجاح الدولة نفسها، خصوصاً أن المرحلة المقبلة ستفرض قرارات صعبة تتعلق بالاختيار والمفاضلة وتوزيع الكلفة، وهي قرارات تحتاج إلى رأسمال سياسي قادر على الشرح والإقناع وتحمل المسؤولية.
وبالنسبة إلى بن شماش، فإن السؤال الحقيقي بعد انتخابات 23 شتنبر لن يختزل في معرفة الفائزين أو شكل التحالفات والحقائب، بل في معرفة ما إذا كان من سيتولون تدبير المرحلة قد فهموا طبيعة المغرب الذي تغير: مجتمع أكثر طلباً ومقارنة وغضباً، وشباب أكثر اتصالاً بالعالم، ودولة أصبح نجاحها نفسه يرفع سقف السياسة التي تحتاجها.
ويختصر بن شماش رهانه على المرحلة المقبلة في سؤال واحد: هل يستطيع المغرب بناء سياسة تليق بقدرته الجديدة على الإنجاز، وتتحول من نقطة ضعف إلى سند لمساره التنموي؟
فالدورة الجديدة، وفق هذه القراءة، لا تعني فقط مواصلة بناء المشاريع، وإنما بناء الثقة والوساطة السياسية والقدرة على جعل المواطن شريكاً في م