4"][/video]

بؤس الشعبوية الفكرية

بقلم : د. عبد الإله الخضري – باحث أكاديمي

من آفات الانحدار المعرفي في زمن السيولة الرقمية أن يتحول الانتشار إلى مرادف للأهلية، ويصبح عدد المتابعين بديلاً وهميا عن الحجة والبرهان، ليغدو الرصيد الجماهيري رخصة مفتوحة لاقتحام أعقد مطارحات الفلسفة واللاهوت. لا تكمن الأزمة في أن ينتقل باحث من حقل لآخر؛ فالتاريخ الفكري حافل بعقول موسوعية جمعت بين الفلسفة والطب والحكمة والرياضيات إلخ؛ لكن الكارثة تقع حين ينزلق المتحدث من اختصاصه الدقيق إلى مجال غاية في التعقيد، ألا وهو التقعيد الفلسفي، دون عُدّة علمية كافية وتأصيل منهجي محكم، متوهماً أن متابعيه في وصفات التغذية وخمائر «السمن البلدي والحريرة» يمنحونه تفويضاً لمناطحة قضايا الوجود والتشكيك في مقام النبوة وغيرهما من أساسيات رسالة التوحيد المحمدية.
هنا تحديداً تتجاوز حالة محمد الفايد شخص صاحبها لتغدو نموذجاً صارخاً لما يمكن وصفه بـ «التعدي الإبستيمولوجي»؛ ذلك السقوط الذي يعيد تدوير عبارات فلسفية غربية مبتورة في هيئة فتوحات عقلانية، متناسياً أن عمالقة الفكر الإنساني لم يجعلوا من العقل معولاً للهدم والاستعراض، بل جسراً حتمياً نحو ضبط المعرفة، وتحرير الإنسان، وتلمّس عظمة الخالق.
في هذه المقالة، سأسعى، في قراءة مركزة، إلى استحضار بعض الطروحات الفلسفية، بمنطلقات إيمانية راسخة تقي العقل مزالق المتنطعين، مستحضراً من كل فيلسوف من أولئك الأعلام إسهاماً خالداً قدمه للبشرية؛ عبر مسارات كبرى تبدأ من إثبات الصانع، مروراً بمشروعية الحكم الديمقراطي وترويض نوازع النفس، وصولاً إلى الاعتدال الأخلاقي وتفكيك استبداد الكهنوت.
نيوتن وفولتير: انتظام القوانين وتهافت الصدفة
من المغالطات الرائجة في الخطاب الشعبوي تصوير العلم الحديث وكأنه وُلد كإعلان حتمي للإلحاد ونفي الصانع. غير أن العودة إلى المنبع تسحق هذا التبسيط الفج؛ فقد أقر إسحاق نيوتن بوضوح أن ميكانيكا الجاذبية تفسر حركة الأجرام لكنها تعجز عن تفسير علة تناسقها، مؤكداً: «إن هذا النظام البديع للشمس والكواكب لا يمكن أن ينبثق إلا عن حكمة وهيمنة كائن قدير… إله واحد حي وسرمدي». هنا أدرك نيوتن بصرامته الفيزيائية أن التفسير الميكانيكي للحركة لا يستنفد سؤال النظام الكوني، وأن انتظام هذا النظام يحيل، في تصوره، إلى حكمة كائن عاقل وقادر.
وعلى نحو مختلف، لم يساوِ فولتير بين نقد المؤسسة الكنسية ونفي الخالق؛ فقد ظل متمسكاً بإقراره بالربوبية في الوقت الذي شن فيه هجوماً عنيفاً على التعصب والسلطة الكهنوتية، مطلقاً صيحته الشهيرة: «الكون يحيرني، ولا أستطيع أن أتصور وجود هذه الساعة دون صانع عبقري». إن عرض طروحات هذه النماذج لا يهدف إلى تحويلهم إلى لاهوتيين تقليديين، بل يثبت أن استقراء النظام والتدبير الكوني يمضي انسيابياً في مجمله على نحو ما يقرره البرهان القرآني: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]؛ ليفرض نفسه على رواد العقلانية، بوصفه سؤالاً ميتافيزيقياً عميقاً لا يستنفده التفسير الميكانيكي، ولا يصح اختزاله في العبث والصدفة.
سبينوزا ورسالة الحكم: الحرية لا الاستبداد
حين انبرى باروخ سبينوزا لتأسيس فلسفته السياسية في «رسالة في اللاهوت والسياسة»، قرر أن «الغاية الحقيقية من الدولة هي الحرية»؛ جاعلاً من الديمقراطية الشكل السياسي الأكثر اتساقاً مع حرية التفكير والتعبير ومشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام. ورغم أن ميتافيزيقا سبينوزا تفترق جذرياً عن التصور التوحيدي المتعالي، إلا أن جوهره الدستوري في نفي القداسة عن تدبير الشأن العام يلتقي مع روح العدالة السياسية؛ تلك الروح التي سبقتها التجربة الإسلامية التأسيسية بقرون.
فقد صاغ رسول الله ﷺ في «وثيقة المدينة» عقداً سياسياً أسس لتنظيم تعاقدي مكتوب يُرسخ أسس الدولة ومفهوم المواطنة والعيش المشترك في مجتمع متعدد الأديان والقبائل والأعراق، وتسبق الفكر التعاقدي الأوروبي المعاصر (مثل أفكار جون لوك وجان جاك روسو) بعدة قرون. كما تكشف السنة النبوية، في بعض سياقاتها، عن مساحة واضحة للخبرة البشرية في شؤون المعاش والتجربة، كما يدل عليه حديث تأبير النخل: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (رواه مسلم)، مجرداً السلطة من الحصانة المطلقة حين أتاح مساءلة أولي الأمر ومقاضاتهم أمام العدالة. وقد تجسدت في التراث السياسي الإسلامي، عبر الخلافة الراشدة، مبادئ المساواة أمام القضاء ومسؤولية الحاكم؛ كما يظهر في العهد المنسوب لعلي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر: «فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، بل وخضوع الخليفة نفسه للقضاء المستقل في مواجهة مواطن يهودي؛ ليتجلى صون كرامة الفرد، وبرهاناً على أن المحاسبة ليست ترفاً وافداً، بل أصلاً قيمياً يناقض النزوع نحو الاستبداد.
شوبنهاور والقرآن: تشريح نزوات النفس وترويضها
في سبر أغوار الذات البشرية، شخّص آرثر شوبنهاور مأساة الكائن الإنساني في خضوعه لـ «إرادة الحياة العمياء»؛ تلك الطاقة الغريزية الشرهة التي تسخّر العقل كخادم ذليل لإشباع أنانيتها، مما يبقي الإنسان متأرجحاً في شقاء دائم بين ألم النقص وملل الإشباع.
هذا التوصيف يلتقي موضوعياً مع التحذير القرآني من سلطان الغرائز المنفلتة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، وتنبيهه من استبداد النوازع الشرهة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]. غير أن الفارق المنهجي هنا حاسم: شوبنهاور انتهى إلى يأس سوداوي وزهد سلبي ينزع إلى إخماد الذات والهروب من العالم؛ في حين أسس المنظور القرآني لـ «التزكية والمجاهدة الإيجابية»: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، محولاً الطاقات الغريزية من وقود للصراع والهلاك إلى قوة بناء وعمران روحي وحضاري منضبط.
أرسطو وميزان الاعتدال: نقد التوظيف السطحي
أما المعلم الأول أرسطو، فصاغ في «الأخلاق إلى نيقوماخوس» نظريته في «الوسط الذهبي»؛ معتبراً الفضيلة نقطة توازن تقع بين رذيلتي الإفراط والتفريط (كالشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين الشح والتبذير). هنا يتحقق ميزان الاعتدال الأخلاقي لدى أرسطو في تقاطعه مع دلالات القصد والاعتدال في الرؤية الإسلامية: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
وإذا كان وسط أرسطو قد ظل مفهوماً نخبوياً نابعاً من نسق المدينة اليونانية المقتصر على المواطنين الأحرار دون العبيد؛ فقد ارتقى الإسلام بالقصد ليكون ميثاقاً إنسانياً شاملاً يعم سائر الخلق، ويوازن بحكمة تشريعية بين أشواق الروح ومطالب الجسد: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، دون الوقوع في رهبانية معطلة أو بهيمية منفلتة.
خلط السياقات: الثورة على الكهنوت وأصالة الفكر الإسلامي
إن السقوط الأكبر لمروجي التشكيك السطحي يكمن في ارتكاب مغالطة الإسقاط التاريخي؛ بالخلط التدليسي بين سياقين حضاريين متباينين. فقد كان تمرد فلاسفة التنوير في السياق الأوروبي (كجون لوك، وروسو، ودولباخ) صرخة انعتاق ضرورية ضد مؤسسة كنسية احتكرت الحقيقة، وباعت صكوك الغفران، وسيّجت طغيان الملوك بنظرية “الحق الإلهي”، وما رافق ذلك من محاكمات هرطقة وإعدامات طالت مفكرين وعلماء كبرونو وفانيني والتضييق على غاليليو.
أما في الفضاء الحضاري الإسلامي، فلم يعرف التاريخ كهنوتًا وسيطاً بالمعنى المؤسسي المغلق (كطبقة “إكليروس”)، وإن عرف فقهاء وعلماء امتلكوا سلطة تقديرية واجتماعية. ولذلك، لم تكن الفلسفة عند رواد التراث الإسلامي أداة للمروق، بل مساراً تحليلياً وبرهانياً متكاملاً؛ فهذا ابن رشد يقعّد في «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» لقاعدته الأثيرة: «الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له»، مؤصلاً لدليلي العناية والاختراع؛ وهذا أبو حامد الغزالي يصوغ الشك المنهجي في «المنقذ من الضلال» وينقد الوثوقية الحسية قبل ديكارت بقرون، مفككاً حتمية الاقتران السببي في «تهافت الفلاسفة» لا لهدم العقل بل لتحريره من أوهام التقليد؛ في حين استقرأ ابن خلدون في «المقدمة» نواميس العمران البشري وسقوط الدول معلناً أن «الظلم مؤذن بخراب العمران»؛ وكان الكندي قد فتح قبلهم جميعاً أبواب المثاقفة الإنسانية الشجاعة مقرراً في «الفلسفة الأولى»: «ينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى».
إن قيمة هؤلاء الأعلام لا تتأسس على النزعة التفاخرية بأنهم “سبقوا ديكارت وهيوم وماركس”، بل تنبع من أصالة مشاريعهم الذاتية، التي أثبتت أن التوحيد فضاء رحب لإعمال البرهان وتكريم الفكر، وليس قيداً يعطله.
بؤس الشعبوية ومعركة المنهج
إن مقام الألوهية في كبريائه، ومقام النبوة في هدايته وأميّته الشريفة — التي كانت برهاناً ساطعاً على صفاء الوحي السماوي وانقطاع شبهة الاقتباس البشري — أسمى وأجلّ من أن ينال منهما ضجيج المتهافتين.
إن المشكلة لا تكمن في حق أي إنسان أن يسأل، أو يشكك، أو يناقش؛ فالسؤال حق فطري ومدار تاريخ الفلسفة كله قائم عليه؛ وإنما تكمن المعضلة في «الجهل المركب» الذي يعرّيه الفضاء الرقمي، حين يجهل المتكلم أصول المسائل، ويجهل جهله بها، ثم يقدم هذا الفقر المعرفي لجمهوره بثقة مطلقة بوصفه “تفكيراً خارج الصندوق”. إن الخروج الوحيد الذي مارسه هؤلاء هو الخروج الصريح عن صندوق المنهج وقواعد التخصص، حين حولوا الميتافيزيقا ونظريات المعرفة إلى وجبة دسمة مدهونة بزيوت السطحية، جعلتهم عاجزين عن التمييز بين ردة فعل الغرب على وساطة كنيسة متسلطة، وبين نسق إسلامي بنى أصوله على حرية الضمير وتجريد التوحيد.
إن المعركة اليوم ليست بين الإيمان والإلحاد، ولا بين الدين والعقل؛ بل هي في جوهرها معركة بين المعرفة الرصينة والادعاء الشعبوي. فالعقلانية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع نبرة الصوت، ولا بعدد المشاهدات، ولا بالجرأة غير المؤصلة على المقدس؛ بل تبدأ من حيث يدرك المرء حدود أدواته: يقرأ، يفهم، يميّز، ثم يبرهن. وما دون ذلك ليس إلا بؤساً معرفياً يرتدي ثياب التنوير، وفقاعة سرعان ما تذروها رياح الحجة والبرهان.
وخلاصة القول، إن ارتهان الإنسان لهواه ليس سوى استلابٍ لذاته أمام نوازع النفس وطبائعها الميالة إلى الانفلات والجموح. ولعل في الإشارة القرآنية ما يوقظ البصيرة إزاء هذا الصراع الوجودي، فحين خاض البيان الإلهي في شأن الشيطان وأثره، جعله في مدار الهشاشة بقوله جل علاه : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، بينما لمّا انعطف إلى باطن الإنسان وكينونة نفسه، مهّد لها بأعظم قَسَمٍ، تكرر إحدى عشرة مرة في سورة الشمس، كأنما يستنهض الوعي لخطورة هذا الميدان الداخلي وتجاذباته : ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]. ولعل الله تعالى ينبهنا إلى أن غواية الخارج هيّنة ما لم تجد لها في الداخل صدى؛ فالمعركة الحقيقية ليست مع عدوٍّ مفارق، بل مع كينونة الذات، وطوبى لمن رقاها بالعقل والتزكية، والويل لمن استسلم لغوايتها وركن إلى فجورها.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.