التوقيت الصيفي او الساعة الإضافية: صراع بين التوقيت البيولوجي والتوقيت الاجتماعي
متابعة: عبد الحق المودن
تعتمد العديد من المناطق والدول النظر في استخدامها للتوقيت الصيفي، لكن تختلف مناهجها. فبعضها، كاليابان، التي لم تستخدم التوقيت الصيفي على مدى العقود الماضية، بينما ترغب دول أخرى في إلغاء التبديل بين التوقيت الصيفي والتوقيت العادي، لكنها لا تتفق على أيهما تستخدم: فقد اقترحت كاليفورنيا الإبقاء على التوقيت الصيفي الدائم ويناقش الاتحاد الأوروبي بين التوقيت العادي الدائم والتوقيت الصيفي الدائم، وتدرس إسبانيا مغادرة توقيت وسط أوروبا للانضمام إلى توقيت غرينتش، واعتمد المغرب منذ سنوات كذلك على التوقيت الصيفي ابتداء من شهر أبريل إلى شهر شتنبر قبل أن يعممه على طول السنة (باستثناء شهر رمضان حيث نعود إلى الساعة القانونية)، ويبدو أن موجة من النقاشات حول التوقيت الصيفي تجتاح العالم دوريًا. على الرغم من أن التوقيت الصيفي لطالما كان قضية سياسية، إلا أننا بحاجة إلى مناقشة الجوانب البيولوجية المرتبطة بهذه القرارات، لأن الساعة البيولوجية تلعب دورًا حاسمًا في كيفية تأثير نتائج هذه المناقشات على صحتنا وأدائنا.
ينبغي أن نحدد أولا بعض المفاهيم الخاصة لثلاثة أنواع مختلفة من الساعات أو الأطر الزمنية:
– الساعة الشمسية، التي تُظهر التوقيت المحلي لحركة الشمس الظاهرية؛ حيث تكون الشمس في أعلى نقطة لها عند الظهر، ومنتصف الليل هو منتصف المسافة بين الغسق والفجر.
– الساعة الاجتماعية، التي تُظهر التوقيت المحلي المحدد وفقًا للسياسات، والموجودة على أجهزة مثبتة على الجدران أو على المعصمين أو في الهواتف؛ وهي مفهوم اجتماعي يشير إلى التوقيت الشمسي عند خط الزوال المُختار لتلك المنطقة الزمنية،
– الساعة البيولوجية، التي تُحدد التوقيت الداخلي للكائن الحي وفقًا للساعة اليومية.
تتكون الساعة البيولوجية من شبكة عصبية فيزيولوجية معقدة، من الخلايا العصبية الدماغية الموجودة في منطقة ما تحت المهاد الأمامية، وفوق التصالب البصري. ترسل النواة فوق التصالبية إشارات عصبية وهرمونية إلى الساعات البيولوجية الطرفية الموجودة في جميع خلايا الجسم وأعضائه وأجهزته تقريبًا، وذلك للحفاظ على التزامن بين الساعة الرئيسية (المركزية) والعديد من الساعات الطرفية.
من أبرز الإيقاعات اليومية في الجسم دورة النوم والاستيقاظ، والتي تتزامن في الإنسان بشكل مثالي مع الليل والنهار على التوالي. بالإضافة إلى ذلك، يتم تنظيم وقت الاستيقاظ، واليقظة والانتباه، والتفكير النقدي، والعديد من المكونات الأخرى للوظائف العضوية، يتم تنظيم الآليات الطبيعية والمرضية على حد سواء بواسطة الساعات البيولوجية المتزامنة مع خلايا الجسم. لذلك، فإن أي نوع من آليات تعطيل الإيقاع اليومي قد يؤثر سلبًا على كلتا العمليتين، وفي ظل ظروف ضعف المؤثر الزمني وزيادة التعرض للضوء في المساء، تأخرت الساعات البيولوجية لمعظم الناس على الرغم من تقدم ساعات الفجر الأولى، مما أدى إلى اختلال التوازن الزمني البيولوجي.
هناك جوانب إيجابية للتوقيت الصيفي، مثل العودة إلى المنزل “مبكرًا” (بحسب الساعة الشمسية وليس الساعة الاجتماعية) من المدرسة أو العمل، وبالتالي التمتع بساعات أطول من ضوء النهار خلال وقت الفراغ بعد العمل. وقد تتجاوز هذه الآثار الإيجابية مجرد المشاعر الشخصية. فقد أظهرت دراسة، على سبيل المثال، أن النشاط يزداد مع ازدياد طول ساعات النهار المسائية ، وإن كان ذلك بتأثيرات بيولوجية طفيفة (فرق 6% تقريبًا في النشاط اليومي بين التوقيت القياسي والتوقيت الصيفي، بعد تعديله وفقًا لفترة الإضاءة). ومن المثير للاهتمام أن نتائج هذه الدراسة كانت خاصة بثقافات معينة: فقد لوحظت زيادة ملحوظة بشكل رئيسي في أوروبا، وإلى حد ما في أستراليا، بينما لم تُلاحظ أي آثار ملحوظة، أو حتى آثار سلبية طفيفة، في الولايات المتحدة والبرازيل.
من المهم ملاحظة أن تغييرات التوقيت الصيفي يمكن أن تُحدث آثارًا قصيرة و/أو طويلة المدى،. تُظهر الأيام الأولى بعد تغيير التوقيت الصيفي في الربيع آثارًا حادة: حيث يقل النوم، ويشعر المراهقون بنعاس أكبر خلال النهار ، وتزداد الحوادث العامة وزيارات قسم الطوارئ (، واحتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية الإقفارية. كما بينت دراسات أخرى تشابها بين آثار التوقيت الصيفي وآثار العمل بنظام المناوبات نتيجةً لعدم التوافق بين الساعة البيولوجية للجسم والساعة الاجتماعية/العملية.
أظهر تحليل الحالات المختلفة للتوقيت الصيفي في روسيا زيادة في مستوى الإرهاق الاجتماعي خلال التوقيت الصيفي الدائم، وخلصت دراسات إلى أن المخاطر تزداد ويقل متوسط العمر، كما وجد أن “ساعة إضافية من ضوء النهار الطبيعي في المساء تقلل مدة النوم بمعدل 19 دقيقة”، مع آثار كبيرة على الصحة (مثل السمنة، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وسرطان الثدي) وعلى الأداء الاقتصادي (دخل الفرد).
يرتبط تأخر وقت غروب الشمس بانخفاض عدد ساعات النوم، وضعف الأداء الأكاديمي، وانخفاض الأجور، وذلك بين البالغين في دراسة أجريت على أشخاص في الهند وإندونيسيا والصين.
لوحظت آثار صحية سلبية، تشمل زيادة احتمالية التدخين، بالإضافة إلى زيادة استهلاك الكافيين والكحول، وارتفاع معدل الإصابة بالاكتئاب واضطرابات مزاجية أخرى مثل اضطرابات القلق واضطرابات الشخصية.، وزيادة خطر الإصابة بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني أو زيادة الحاجة إلى الأنسولين لدى مرضى السكري من النوع الأول من المراهقين،
يؤدي التوقيت الصيفي حسب الدراسات، تردي والأداء المعرفي والتحصيل الدراسي,
باختصار، تُعارض الأبحاث العلمية بشدة التبديل بين التوقيت الصيفي والتوقيت القياسي، بل وتُعارض بشدة اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم. إذ أن هذا الأخير سيُفاقم جميع الآثار المذكورة أعلاه، بما يتجاوز مجرد تمديد التوقيت الصيفي من حوالي 8 أشهر في السنة إلى 12 شهرًا في السنة (بحسب البلد)، لأن الساعة البيولوجية للجسم تكون متأخرة عمومًا خلال فصل الشتاء مقارنةً بفترات النهار الطويلة في الصيف..!!