كيف تراجعت الرقابة على البرنامج النووي الإيراني؟.. سنوات من القيود تنتهي بفقدان الوكالة الدولية القدرة على التحقق
غزلان الورزازي
لم يعد الجدل حول البرنامج النووي الإيراني مقتصراً على مستوى تخصيب اليورانيوم أو حجم المخزون النووي، بل بات مرتبطاً بسؤال أكثر إلحاحاً: إلى أي حد ما زالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قادرة على معرفة ما يحدث داخل المنشآت النووية الإيرانية؟
وخلال السنوات الأخيرة، تراجعت قدرة الوكالة على مراقبة البرنامج الإيراني بصورة تدريجية، نتيجة مجموعة من التطورات بدأت بتقليص إيران تعاونها مع المفتشين، مروراً بتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي، وصولاً إلى إزالة معدات المراقبة وفقدان الوكالة استمرارية المعرفة بشأن أجزاء مهمة من البرنامج النووي.
وتشير وثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران أوقفت التطبيق المؤقت للبروتوكول الإضافي في فبراير 2021، ما حرم المفتشين من إمكانية إجراء عمليات وصول تكميلي إلى مواقع غير معلنة. وفي يونيو 2022، أزالت طهران معدات المراقبة المرتبطة بالاتفاق النووي، وهو ما أدى إلى فقدان الوكالة استمرارية المعرفة بشأن إنتاج ومخزونات أجهزة الطرد المركزي وبعض المواد والمكونات النووية.
من تقليص الوصول إلى فقدان الرؤية
وتفاقم الوضع بعد الهجمات العسكرية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025. فقد سحبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مفتشيها من إيران لأسباب أمنية، قبل أن تسن طهران في يوليوز 2025 قانوناً يقضي بتعليق التعاون مع الوكالة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت قدرة المفتشين على الوصول إلى المنشآت النووية محدودة للغاية. وبحلول نهاية يونيو 2025، لم تعد الوكالة قادرة على إجراء عمليات التحقق في المنشآت المتضررة من الهجمات، بينما اقتصرت بعض الزيارات على منشآت لم تتعرض للقصف.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: المراقبة النووية لا تقوم فقط على زيارة المنشآت، وإنما تحتاج إلى استمرار الوصول إلى المواد والمعدات والسجلات والأختام وأجهزة المراقبة حتى تتمكن الوكالة من إعادة بناء صورة دقيقة ومستمرة عن البرنامج.
أين يوجد اليورانيوم الإيراني؟
من أكثر الملفات إثارة للقلق بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية مسألة مخزون اليورانيوم المخصب.
وقبل اندلاع المواجهة العسكرية في يونيو 2025، قدرت الوكالة أن إيران كانت تمتلك نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة. وبحسب تقديرات الوكالة، يمكن أن يمثل هذا المخزون كمية كبيرة جداً إذا قررت إيران رفع مستوى التخصيب إلى درجة أعلى.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية المخزون، بل أيضاً بالمكان الذي يوجد فيه وما إذا كان قد بقي في المواقع التي كانت الوكالة تراقبها سابقاً.
فالوكالة أعلنت أنها فقدت استمرارية المعرفة بمخزونات المواد النووية وقدرات التخصيب، ولم تعد قادرة على التحقق بصورة كاملة من مكان وجود المواد أو وضع المنشآت المتضررة.
الاتفاقات لم تُنهِ الأزمة
ورغم أن اتفاقاً مؤقتاً بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026 فتح الباب أمام عودة المفتشين، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن عمليات التفتيش يجب أن تستأنف، وأن الإشراف على الالتزامات النووية لا يمكن أن يتم من دون الوصول الفعلي إلى المنشآت والمواد.
لكن الخلاف حول شروط الوصول ظل قائماً، خصوصاً بشأن المنشآت التي تعرضت للقصف والمواقع التي يُعتقد أنها تضم مواد نووية مهمة.
وبحلول سبتمبر 2026، أصبحت الوكالة تقول إن المفتشين لا يملكون وصولاً ميدانياً للتحقق من البرنامج الإيراني، فيما لم تقدم طهران المعلومات المطلوبة بشأن المواد والمنشآت النووية المعلنة.
الرقابة الدولية لا تهدف فقط إلى اكتشاف ما إذا كانت دولة ما تقوم بصناعة سلاح نووي، وإنما إلى التأكد بصورة مستمرة من أن المواد النووية المعلنة تظل في أماكنها وتستخدم للأغراض المصرح بها.
وعندما تفقد الوكالة القدرة على الوصول إلى المنشآت ومتابعة المواد والمعدات، فإنها لا تستطيع ببساطة أن تستنتج أن البرنامج تحول إلى برنامج عسكري، لكنها في الوقت نفسه تفقد القدرة على تقديم ضمانات موثوقة بأن كل شيء ما زال تحت السيطرة.
وهذا هو جوهر الأزمة الحالية: ليست هناك، بالضرورة، نتيجة فنية تقول إن إيران صنعت سلاحاً نووياً، وإنما توجد فجوة متزايدة في المعلومات تجعل عملية التحقق أكثر صعوبة.
التصعيد يصل إلى مجلس الأمن
وتطور الملف، في 9 شتنبر 2026، إلى مرحلة جديدة بعدما صوت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إحالة إيران إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ نحو عقدين.
وجاء القرار على خلفية عدم تعاون إيران مع التحقيق المتعلق بآثار اليورانيوم التي عُثر عليها في مواقع غير معلنة، إضافة إلى استمرار أزمة الوصول إلى المنشآت والمواد النووية. وصوتت 23 دولة لصالح القرار، بينما عارضته روسيا والصين والنيجر، مع امتناع ثماني دول عن التصويت وعدم مشاركة عضو واحد في التصويت.
وتقول طهران إن برنامجها النووي سلمي، وإن الظروف الأمنية والعسكرية الحالية جعلت عمليات التفتيش الطبيعية صعبة أو غير ممكنة، فيما تصر الوكالة والدول الغربية على أن التزامات إيران المتعلقة بالضمانات النووية لا يمكن تعليقها بهذه الطريقة.
الرقابة لم تختفِ.. لكنها لم تعد كما كانت
وبينما لا تزال الوكالة تعتمد على المعلومات المتاحة وصور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة، فإن هذه الأدوات لا يمكن أن تعوض بالكامل عن عمليات التفتيش الميدانية المباشرة.
وهكذا، انتقل الملف النووي الإيراني من مرحلة كانت فيها الوكالة قادرة على متابعة جزء كبير من الأنشطة بشكل مستمر، إلى مرحلة أصبحت فيها فجوة المعلومات نفسها واحدة من أكبر المخاطر.
فكلما طال غياب المفتشين، أصبح من الصعب إعادة بناء التسلسل الكامل لما حدث للمواد النووية وأجهزة الطرد المركزي والمنشآت، وهو ما يفسر تصاعد الضغوط الدولية على طهران للسماح بعودة عمليات التحقق.
وبذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد فقط «ماذا تفعل إيران ببرنامجها النووي؟»، وإنما أيضاً: «كم بقي للعالم من القدرة على معرفة ما تفعله إيران فعلياً؟»