«واش هاد الناس داخلين فحسابات المرشحين؟».. سؤال عن المشردين يضع الانتخابات أمام اختبار التضامن
غزلان الورزازي
في صباح عادي، قد يمر الإنسان بجانب شخص يفترش الرصيف وينام في العراء، ثم يواصل طريقه وكأن المشهد أصبح جزءاً من تفاصيل المدينة اليومية. لكن ماذا لو توقفنا للحظة وسألنا أنفسنا: كيف وصل هذا الإنسان إلى هنا؟ وهل اختار فعلاً أن يعيش بهذه الطريقة؟
مشهد أشخاص بدون مأوى وهم يفترشون الشوارع، في غياب أبسط شروط العيش الكريم، يطرح أسئلة تتجاوز حدود الحملات الانتخابية والبرامج السياسية، لتلامس جوهر المجتمع نفسه: هل ما زال لدينا ما يكفي من التضامن حتى لا يترك الإنسان وحيداً في مواجهة الفقر والتشرد والبرد؟
وخلال السنة الماضية، مكنت مبادرة «حملة دفء»، بحسب القائمين عليها، من الوصول إلى أكثر من 200 شخص بدون مأوى، ممن يقضون لياليهم في الشارع ويواجهون البرد والوحدة في صمت.
ومع اقتراب الانتخابات، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تتضمن برامج المرشحين حلولاً حقيقية لهذه الفئة؟ وهل توجد ضمن الوعود الانتخابية إجراءات عملية لإيواء الأشخاص بدون مأوى، وإعادة إدماجهم اجتماعياً، ومواكبتهم نفسياً ومهنياً، بدل الاكتفاء بالتدخلات الموسمية؟
فالمدينة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع والمنشآت والواجهات التي تلمع في صور الحملات الانتخابية، وإنما تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية الأشخاص الأكثر هشاشة، وبالطريقة التي تتعامل بها مع من وجد نفسه خارج دائرة السكن والاستقرار والأسرة.
والأهم من سؤال: «هل هؤلاء داخل حسابات المرشحين؟»، هو سؤال آخر أكثر إيلاماً: هل نعتقد فعلاً أن هؤلاء اختاروا مصيرهم؟
قد يظن البعض أن التشرد مشكلة تخص أشخاصاً آخرين، وأن المسافة بين الحياة المستقرة والشارع شاسعة. لكن الأزمات الاقتصادية، وفقدان العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتفكك الأسري، والهشاشة الاجتماعية، وغيرها من الظروف، قد تدفع الإنسان إلى أوضاع لم يكن يتصور يوماً أنه سيعيشها.
وهنا تبرز أهمية التضامن الأسري والاجتماعي، باعتباره أحد الحواجز التي يمكن أن تحول دون سقوط الإنسان في العزلة والتشرد. فحين يصبح شعار المرحلة هو «كل واحد يدبر راسو»، يصبح المجتمع أكثر عرضة لفقدان واحدة من أهم قيمه: الوقوف إلى جانب من يحتاج إلى المساعدة.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتحول المشهد إلى شيء مألوف؛ نمر بجانب شخص ينام في الشارع، نراه يعاني البرد والجوع والوحدة، ثم نواصل السير وكأننا أمام مشهد عابر لا يعنينا.
لكن الإنسان ليس آلة بلا إحساس، والمجتمع الذي يفقد قدرته على التأثر بمعاناة أفراده يفقد شيئاً من إنسانيته.وفي المغرب، شهدت فترات البرد تدخلات رسمية ومدنية لمساعدة الأشخاص بدون مأوى، كما أطلقت السلطات في بعض المدن عمليات ليلية لرصد هذه الفئة وإيوائها، بينما دعت أصوات مدنية إلى تجاوز منطق الحملات الموسمية نحو حلول أكثر استدامة تضمن الكرامة والإدماج.
لذلك، فإن ملف الأشخاص بدون مأوى لا ينبغي أن يظهر فقط عندما تنخفض درجات الحرارة أو عندما تقترب الانتخابات. المطلوب هو سياسة اجتماعية مستمرة، تبدأ بفهم أسباب التشرد، وتوفر الإيواء والمواكبة الصحية والنفسية والاجتماعية، وتنتهي بإعادة الإدماج قدر الإمكان.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجهاً إلى المرشحين وإلى المجتمع معاً: هل نريد مدناً جميلة في الواجهات فقط، أم مدناً تحفظ كرامة الإنسان أيضاً؟