شريط الأخبار

سعيدالعنزي تاشفين يكتب : وقفة الرباط ..حين انتصرت المحاماة لكرامتها وللوطن

بقلم : سعيد ألعنزي تاشفين 

ليست كل الوقفات مجرد تجمعات عابرة ، وليست كل الحشود قادرة على صناعة المعنى ٠ أما وقفة المحاميات والمحامين بالرباط ، فقد كانت رسالة وطنية بامتياز ، كتبت فصولها بهيبة رجال ونساء اختاروا أن يتحدثوا بلغة القانون ، وأن يدافعوا عن مهنتهم بأخلاق المهنة نفسها . لقد كان المشهد أكبر من مجرد احتجاج ، وأعمق من مجرد موقف ظرفي ؛ كان إعلانا صريحا بأن المحاماة المغربية ستظل حصنا للحقوق ، وصونا للعدالة ، وسندا لدولة المؤسسات والقانون . فمن يحمل رسالة الدفاع لا يبحث عن امتياز ، وإنما يتمسك بضمانات تجعل العدالة أكثر قوة ، وتجعل المواطن أكثر اطمئنانا إلى أن حقه يجد من يحميه .
ما ميز هذه الوقفة ليس فقط حجم المشاركة ، بل ذلك الإنضباط الراقي الذي عكس وعيا مهنيا ومسؤولية وطنية عالية . فلا فوضى ، ولا إساءة ، ولا تجريح ، ولا خروج عن مقتضيات الإحترام ، ولا رمي النفايات ، ولا تشتيت الشعارات ؛ بل صورة مشرقة لمهنة تعرف كيف تختلف ، وكيف تعبر عن موقفها بثقة ورصانة وكرامة . ولقد أثبتت هيئة الدفاع ، مرة أخرى ، ها هنا ، أن قوة المواقف لا تُقاس بارتفاع الأصوات ، وإنما بصلابة المبادئ وتحضر الإحتجاج . وأن الدفاع عن استقلال المهنة ليس مطلبا فئويا ضيقا ، بل دفاع عن إحدى الركائز الأساس لمنظومة العدالة ، لأن محاماة قوية ومستقلة تعني عدالة أقوى ، ومجتمعا أكثر أمنا قانونيا ، ودولة أكثر رسوخا في احترام الحقوق والحريات ٠
إن هذه الوقفة التي التحم فيها فرسان مهنة الدفاع تستحق الإشادة ، لأنها قدمت درسا في المسؤولية ، وأكدت أن أصحاب البذلة السوداء لا يدافعون عن أنفسهم فقط ، بل يدافعون عن قيمة العدالة ذاتها ، وعن مؤسسة ظلت عبر التاريخ ضميرا قانونيا للمجتمع ، وحصنا للحق كلما اشتدت التحديات وارتفعت حنجرة شعبوية وزير . وستظل وقفة الرباط علامة فارقة في سجل المواقف المهنية الراقية ، لأنها جمعت بين قوة الرسالة ونبل الغاية ، وبين الثبات على المبدأ واحترام المؤسسات . وعندما ينتصر أهل القانون للقانون ، فإن الرابح الحقيقي هو الوطن ، وتكون العدالة هي المنتصر الأكبر ٠
* صفوة القول : لم تكن وقفة المحاميات والمحامين بالرباط مجرد محطة مهنية عابرة ، بل كانت درسا وطنيا بليغا في الرقي المؤسسي ، والإنضباط الحضاري ، وسمو التعبير . ومن هنا ، فإن مختلف القطاعات المهنية والنقابية مدعوة إلى استلهام هذا النموذج ، والإيمان بأن قوة المواقف لا تُقاس بحدة الخطاب أو بضجيج الشعارات ، أو المزايدة على الدولة وممارسة البوليمك ، وإنما برصانة الكلمة ، ونبل المقصد ، واحترام المؤسسات ، والقدرة على الإرتفاع فوق صغائر الأمور . فالمطالبة بالحقوق لا تزداد قيمة بالصخب ، وإنما تكتسب مشروعيتها وهيبتها كلما اقترنت بالحكمة ، واتزنت بالمسؤولية ، ومارست حقها في التعبير في صون تام للمؤسسات ، وتجردت من كل ما يسيء إلى أخلاق الإختلاف . إن ما قدمه المحامون اليوم يؤكد أن الدفاع عن القضايا الكبرى يمكن أن يكون حازما دون أن يكون متشنجا ، وقويا دون أن يكون مستفزا ، ومؤثرا دون أن ينحدر إلى الإساءة ؛ وهي رسالة جديرة بأن تتحول إلى ثقافة عامة تؤطر كل أشكال التعبير في الفضاء العمومي ٠
* وختاما :
تستحق أسرة المحاماة المغربية خالص التهنئة على نجاح هذه الوقفة الراقية ، التي كرست صورة مشرقة لمهنة عريقة ، وجعلت من الإنضباط والرقي عنوانا لقوة الموقف وسمو الرسالة ٠ فهنيئا لنا جميعا ونحبك يا مغرب حبا يجري في العروق ٠ وشكرا للمحامين الذين جعلوا صورة جلالة الملك ببدلة الدفاع تعلو شامخة وأنيقة بما يفيد أن ممارسة الترافع داخل الشرعية أنبل شكل يجعلنا كمغاربة كبارا وعظماء ٠ فما أجملكم يا فرسان هيأة الدفاع ٠

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.