” باق” و “بربلااااق ” !
بقلم: حسناء زوان
تتداول مغربيات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ماصار يعرف “باللانش بوكس” ووصفاته” المزوقة” التي اتخذتها بعضهن حرفة تلتقط منها دريهمات من ” البارطاج ” واللايكات”.
لا تهمني هؤلاء النسوة ولا وصفاتهن، وإن كانت العادة دخيلة علينا نحن جيل كان وجبة فطوره ” خبيز فيه زبدة وكوفتير” و وجبة استراحته بين حصتي اللغة العربية واللغة الفرنسية، قطعة خبز بها، القليل من “الطون” والكثير ” الحرور” لا تزيد قيمتها عن 20 سنتيم ليس كوصفات ” اللانش بوكس” التي تتعدى قيمتها 20 درهما.
تقفز الى ذهني كلما تسارعت على صفحتي الافتراضية مقترحات ” اللانش بوكس”، صورة طفلة كنت قد التقيت بها صدفة خلال زيارتي لدوار “بوجنيبة”، التابع لإقليم بولمان.
صورة تلك الطفلة لم تغادر مخيلتي لليوم، يطاردني وجهها وحتى كسرة الخبز “الحرفي”، التي كانت تمسكها بيدها المحمرة من شدة البرد، تقضمها بشراهة، دون أن تبالي بالسائل المخاطي اللزج
الذي كان ينزل من أنفها ويختلط ب” طريف الخبز”.
صادفتها عند الزوال، وأنا بصدد إنجاز ربورتاج ميداني عن قريتها.
كانت في طريق عودتها إلى القرية رفقة زميلاتها بعد أن قطعن
مسافة طويلة مشيا على الأقدام.
يوميا يفعلن ذلك، في الحر، في البرد، تحت الأمطار… للوصول
إلى مدرستهن أو ما يقال إنها مدرسة.
بمجرد ما نظرت إليها، أسرعت في مشيتها وخبأت عينيها الخضراوين استحياء. كانت تنتعل حذاء طويلا بلاستيكيا ” البوط” وتحمل كيسا بلاستيكيا أيضا تخبئ فيه كتبها.
اختفت تلك الصغيرة عن ناظري، لكن صورتها تلك، وهي تقضم
خبزها الحرفي، ظلت باستمرار تناوشني.
أحيانا كثيرة أسأل نفسي إن كانت ما تزال مستمرة في دراستها، رغم المشوار اليومي المرهق، أم أنها استسلمت وغادرت المدرسة كما يفعل الكثيرون من أقرانها، أبناء المغرب المهمش، الذئي بلغ هدرهم المدرسي ل330 ألف سنويا !.
لا أدري لماذا صارت صورة تلك الصغيرة مرتبطة في ذهني
بالهدر المدرسي، كلما استمعت إلى حديث بخصوص أرقامه المرتفعة أو قرأت مقالا عن إصلاح التعليم تراءت لي صورتها تلك، أو سمعت تصريح مسؤول أو وزير يتغنى بإنجازاته.
تلك الصغيرة مجرد رقم بسيط في لائحة طويلة تضم عشرات
الآلاف من الأطفال في البوادي يعانون الويلات يوميا من أجل
التعلم أو على الأقل “فك الليف من الزواطة”.
بيد أنه وعلى عادة من سبقوه يخرم الوزير برادة آذاننا بإنجازاته في مدرسة الريادة التي قال تراقبان تجربتها وعن كثب كل من بريطانيا وفرنسا لاستنساخها حسب زعمه، كيف لا وأحد مقررات فصلها الرابع ابتدائي يحتوي على عبارات ” باق” و “بربلااااق” !