افتتاح الملك للبرلمان.. لحظة سياسية لقراءة رهانات المغرب داخليا وخارجيا
من رهانات السيادة الوطنية إلى معركة القدرة الشرائية والتشغيل.. هل تتحول الولاية التشريعية الجديدة إلى محطة لاستعادة الثقة في السياسة والمؤسسات؟
بقلم: أبو دنيا
لا يشكل افتتاح الملك محمد السادس للسنة التشريعية الجديدة مجرد موعد دستوري تتجدد فيه العلاقة المؤسساتية بين المؤسسة الملكية والبرلمان، ولا مناسبة بروتوكولية لاستئناف النقاشات التشريعية داخل غرفتي المؤسسة التشريعية، بل يمثل لحظة سياسية تختزل طبيعة النسق السياسي المغربي، وتكشف عن أولويات الدولة في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات السيادة الوطنية مع تحديات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتتصاعد فيها انتظارات المواطنين من المؤسسات المنتخبة، في ظل تحولات إقليمية ودولية تعيد رسم موازين القوة والتحالفات ومجالات النفوذ.
ويكتسب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنه مع مرحلة انتقال سياسي أعقبت الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، في خطوة تفتح الباب أمام قراءة أبعاد الاختيار الملكي في ضوء نتائج الاقتراع، وموقع المؤسسة الملكية داخل البناء الدستوري، وطبيعة التوازنات التي تحكم تدبير الشأن العام بالمغرب. وتأتي هذه المحطة في وقت لا تزال فيه المشاورات بشأن تشكيل الأغلبية الحكومية جزءا من المشهد السياسي الراهن.
إن الرمزية السياسية لافتتاح البرلمان تنبع، في جوهرها، من موقع المؤسسة الملكية داخل النسق الدستوري المغربي، باعتبار الملك رئيس الدولة، وضامن دوامها واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، وفق مقتضيات الدستور. فالفصل 65 ينظم موعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، بينما يحدد الفصل 47 المسار الدستوري لتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب. ومن ثم، فإن افتتاح البرلمان يمثل لحظة تتقاطع فيها الشرعية الدستورية مع الشرعية الانتخابية، وتُستحضر فيها مسؤولية المؤسسات عن تحويل الاختيارات السياسية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتحدد فقط بما تحمله من إشارات مؤسساتية، بل كذلك بقدرة البرلمان والحكومة على استيعاب التحولات التي يعرفها المحيط الجيوسياسي للمملكة، واستشراف انعكاساتها على المصالح الاستراتيجية للمغرب، دون إغفال التحديات الداخلية التي أصبحت تمس بصورة مباشرة الحياة اليومية للمواطنين.
الصحراء المغربية وسبتة ومليلية.. السيادة الوطنية في محيط إقليمي متحرك
يجد المغرب نفسه أمام بيئة إقليمية معقدة، تتداخل فيها رهانات الأمن والاستقرار مع ملفات الوحدة الترابية، ومستقبل العلاقات مع الجوار، والتنافس على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في غرب المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء. وفي قلب هذه المعادلة تظل قضية الصحراء المغربية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية للمملكة، بما تحمله من أبعاد سيادية ودبلوماسية وتنموية وأمنية.
لقد أصبح تدبير هذا الملف مرتبطا، بصورة متزايدة، بقدرة الدولة على الجمع بين العمل الدبلوماسي وتعزيز الشراكات الدولية، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية، وترسيخ المؤسسات والآليات الكفيلة بإشراك الساكنة في تدبير شؤونها، بما يعزز مصداقية الموقف المغربي على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل رهانات الصحراء المغربية عن طبيعة العلاقات مع الجوار، ولا عن استمرار التحديات المرتبطة بالحدود البرية والبحرية، وبالأخص الوضع الخاص لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. فهذا الملف، بما يحمله من حساسية تاريخية وسياسية وقانونية، يفرض على الدولة المغربية مواصلة تدبير علاقاتها مع إسبانيا بمنطق المصالح الاستراتيجية المتبادلة، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية وتجنب الانزلاق نحو التوتر غير المحسوب.
كما أن ما شهدته نقاط العبور المؤدية إلى سبتة ومليلية خلال الأشهر الأخيرة من أحداث مرتبطة بمحاولات العبور والهجرة غير النظامية يعكس تداخل العوامل الاجتماعية والأمنية والإعلامية في هذه المنطقة، ويؤكد أن الجوار الجغرافي لا يمكن التعامل معه بمنطق الحدود وحدها، بل يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والتعاون والتواصل المسؤول.
ومن هنا، تبرز أهمية البرلمان باعتباره فضاء لمناقشة الخيارات الاستراتيجية للدولة، وتقييم السياسات المرتبطة بالأمن الحدودي والهجرة والدبلوماسية البرلمانية، ومساءلة الحكومة بشأن قدرتها على حماية المصالح الوطنية في سياق إقليمي يتسم بتعدد مصادر الضغط وعدم اليقين.
فالمطلوب ليس تحويل القضايا السيادية إلى مادة للمزايدات الحزبية، بل بناء توافق وطني حولها، بالتوازي مع تعزيز النقاش الديمقراطي بشأن الوسائل والموارد والنتائج، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بصلابة مواقفها الخارجية، وإنما كذلك بقدرتها على تعبئة المجتمع حول مشروع وطني يربط بين السيادة والعدالة والتنمية.
ارتفاع أسعار النفط.. حين تتحول الأزمات الدولية إلى عبء على المواطن المغربي
على المستوى الدولي، تفرض التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة نفسها على الحسابات الاقتصادية للمغرب، باعتباره بلدا يرتبط جزء مهم من حاجياته الطاقية بالاستيراد. ويجعل هذا المعطى الاقتصاد الوطني عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته، وما قد يرافقه من زيادة في كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وانعكاسات على أسعار عدد من السلع والخدمات.
وقد أشار المندوب السامي للتخطيط، في تحليله للوضع الاقتصادي خلال سنة 2026، إلى أن الاقتصاد الوطني واجه بيئة دولية صعبة اتسمت بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع كلفة الطاقة واستمرار الشكوك التجارية. كما سجلت الحسابات الوطنية تباطؤا في نمو الاقتصاد خلال الفصل الثاني من السنة، رغم استمرار مساهمة الطلب الداخلي في دعم النشاط الاقتصادي.
وتكشف هذه المعطيات أن التحدي لا يكمن فقط في الحفاظ على مؤشرات النمو، وإنما في ضمان انتقال أثره إلى حياة المواطنين، وتحويله إلى فرص شغل ودخل مستقر وتحسن ملموس في الخدمات الأساسية. فالنمو الاقتصادي الذي لا ينعكس على القدرة الشرائية للأسر، ولا يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، يظل محدود الأثر من منظور المواطن الذي يقيس السياسات العمومية بما يلمسه في السوق وفي العمل والسكن والتعليم والصحة.
وهنا تبرز المسؤولية السياسية للحكومة المقبلة في بناء سياسة اقتصادية قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية، عبر تحسين آليات الاستهداف الاجتماعي، ومراقبة المنافسة والأسعار، وتطوير البدائل الطاقية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقوية القطاعات التي توفر فرص الشغل والقيمة المضافة.
كما أن ارتفاع أسعار النفط، حين يحدث، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لتفسير كل الاختلالات الداخلية. فثمة عوامل خارجية لا يملك المغرب التحكم فيها، لكن ثمة اختيارات داخلية تتعلق بفعالية الأسواق، وكلفة الوساطة، وتنافسية الاقتصاد، ونجاعة الإنفاق العمومي، وهي مجالات تملك المؤسسات الوطنية أدوات للتدخل بشأنها.
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري.. دلالة سياسية تتجاوز البعد الرمزي
يشكل تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، في 29 شتنبر 2026، محطة لافتة في تاريخ التجربة السياسية المغربية، ليس فقط لكونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المملكة، بل أيضا لارتباط هذا التعيين بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وبالمسار الدستوري الذي يربط تشكيل الحكومة بتصدر حزب سياسي نتائج الاقتراع.
وتكمن الدلالة السياسية لهذا التعيين في الجمع بين الاختيار الدستوري، الذي يستند إلى نتائج الانتخابات، والبعد الرمزي المرتبط بوصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي حكومي. وهو تطور يفتح نقاشا أوسع حول موقع المرأة في مراكز القرار، وحدود الانتقال من التمثيلية السياسية إلى التأثير الفعلي في صناعة السياسات العمومية.
لكن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند رمزية التعيين، مهما كانت أهميتها، بل يمتد إلى طبيعة الحكومة التي ستتشكل، ومدى انسجام مكوناتها، وقدرتها على وضع برنامج واضح ومحدد الأولويات، يحظى بسند برلماني كاف، ويستجيب في الوقت نفسه لحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
كما أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات، بحصوله على 97 مقعدا وفق النتائج المعلنة، لا يعفيه من مسؤولية بناء أغلبية قادرة على ضمان الاستقرار الحكومي والتشريعي. فالنتائج الانتخابية تمنح الشرعية لتصدر المشهد، لكنها لا تمنح تفويضا مفتوحا، ولا تعفي الحكومة من واجب التفاوض والتوافق والإنصات إلى المعارضة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، ستكون طبيعة التحالفات الحكومية وتوزيع المسؤوليات داخلها مؤشرا مهما على مدى قدرة الطبقة السياسية على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. فالمواطن لا ينتظر حكومة تتقاسم فيها الأحزاب المواقع فحسب، بل حكومة تتقاسم فيها المسؤولية، وتحدد بوضوح من يقرر، ومن ينفذ، ومن يحاسب عند الإخفاق.
إن التعيين الملكي، في هذا السياق، يفتح مرحلة سياسية جديدة، لكنه لا يحسم وحده طبيعة الممارسة الحكومية ولا نتائجها. فهذه ستتحدد من خلال البرنامج الحكومي، ومدى واقعيته، والموارد المخصصة لتنفيذه، والقدرة على التنسيق بين القطاعات، والاستعداد لتحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان والرأي العام.
الانتخابات الأخيرة.. بين تجديد النخب واستعادة الثقة في المؤسسات
لا يمكن قراءة افتتاح البرلمان بمعزل عن الرسائل التي حملتها الانتخابات الأخيرة، وما أفرزته من خريطة سياسية جديدة، وما تطرحه من أسئلة بشأن العلاقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتجديد الشرعيات، وإعادة تشكيل المؤسسات التمثيلية، ومنح المواطنين فرصة للتأثير في الاختيارات العامة. غير أن قيمة هذا المسار تظل مرتبطة بمدى شعور الناخب بأن صوته يحدث فرقا في حياته اليومية، وأن البرامج الانتخابية ليست مجرد وعود ظرفية تنتهي بانتهاء الحملة.
لقد أصبح من الضروري أن تنتقل الأحزاب من منطق التعبئة الانتخابية إلى منطق الالتزام السياسي القابل للقياس، وأن تتحول المؤسسات المنتخبة من فضاءات لتدبير التوازنات الحزبية إلى مؤسسات تنتج الحلول وتراقب الأداء وتدافع عن مصالح المواطنين.
ومن شأن الولاية التشريعية الجديدة أن تشكل فرصة لإعادة الاعتبار للعمل البرلماني، من خلال تطوير الرقابة على العمل الحكومي، وتحسين جودة التشريع، وتعزيز دور اللجان البرلمانية في تتبع تنفيذ السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن الاكتفاء بالمواقف الخطابية أو التجاذبات التي لا تنعكس على الواقع.
وفي المقابل، يتعين على المعارضة أن تضطلع بدورها الدستوري والسياسي، عبر تقديم البدائل ومراقبة الحكومة بموضوعية، وعدم اختزال دورها في الاعتراض المطلق. فالتعددية السياسية لا تكتمل بمجرد وجود أغلبية ومعارضة، وإنما بوجود تنافس ديمقراطي حول البرامج والحلول، في إطار احترام المؤسسات والثوابت الدستورية.
البطالة والتضخم والقدرة الشرائية.. الامتحان الاجتماعي للحكومة المقبلة
إذا كانت الملفات الجيوسياسية تفرض نفسها على أجندة الدولة، فإن الملف الاجتماعي يظل الاختبار الأكثر إلحاحا للحكومة الجديدة، بالنظر إلى تأثيره المباشر على الاستقرار المجتمعي والثقة في المؤسسات.
فالمواطن المغربي الذي يواجه ارتفاع كلفة المعيشة لا يتعامل مع المؤشرات الاقتصادية من زاوية الأرقام المجردة، بل من خلال قدرته على اقتناء المواد الأساسية، وأداء مصاريف السكن والنقل، وتوفير متطلبات التعليم والصحة، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار لأسرته.
وفي هذا السياق، تظل البطالة، خصوصا في صفوف الشباب والنساء، من أبرز التحديات التي تستوجب تدخلا عموميا أكثر فعالية. فقد أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن معدل البطالة بلغ 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، فيما وصل إلى 29.2 في المائة لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، و16.1 في المائة لدى النساء. وهي أرقام تعكس حجم الصعوبة التي تواجه فئات واسعة في الاندماج بسوق الشغل، وتؤكد أن توفير فرص العمل ينبغي أن يتصدر أولويات المرحلة المقبلة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد خلق مناصب شغل ظرفية، بل ببناء اقتصاد منتج قادر على استيعاب الخريجين، وتطوير التكوين المهني، وتحفيز المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وربط الدعم العمومي بقدرته على خلق فرص العمل وتحسين جودتها واستدامتها.
كما أن معالجة البطالة تقتضي تجاوز الفوارق المجالية التي تجعل فرص العمل والخدمات والموارد مركزة في مناطق محددة، بينما تظل مناطق أخرى تعاني ضعف الاستثمار ومحدودية العرض الاقتصادي. فالتنمية الترابية ليست مجرد توزيع للمشاريع، بل مدخل أساسي لضمان تكافؤ الفرص وتعزيز الانتماء والثقة في المؤسسات.
أما التضخم والقدرة الشرائية، فيفرضان على الحكومة المقبلة الانتقال من التدابير الظرفية إلى سياسات أكثر استدامة، تقوم على حماية الفئات الهشة، وتحسين الدخل، وتعزيز المنافسة، وتطوير سلاسل الإنتاج والتوزيع، والحد من الاختلالات التي تؤدي إلى اتساع الفجوة بين دخل الأسر وكلفة المعيشة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يصبح تقييم السياسات الحكومية مرتبطا بمؤشرات ملموسة، من قبيل تطور فرص الشغل، ونسبة استفادة الشباب من برامج الإدماج، وتطور الدخل الحقيقي للأسر، وكلفة السلع والخدمات الأساسية، ومدى تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم والسكن اللائق.
فلا يكفي أن تعلن الحكومة عن برامج اجتماعية جديدة، بل يتعين أن تقدم معطيات دورية بشأن المستفيدين منها، وكلفتها، ونتائجها، ومدى قدرتها على تقليص الفوارق. كما أن نجاح الدولة في حماية الاستقرار الاجتماعي يرتبط بقدرتها على إقناع المواطنين بأن الأعباء موزعة بصورة عادلة، وأن ثمار النمو لا تظل محصورة في فئات أو مجالات بعينها.
بين قوة الدولة وفعالية المؤسسات.. ماذا ينتظر المغاربة من الولاية الجديدة؟
إن الرهان الذي يواجه المغرب اليوم لا يتمثل في الاختيار بين دولة قوية ومجتمع منتظر للإنصاف، بل في بناء علاقة تكاملية بين قوة الدولة وفعالية مؤسساتها، وبين الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية، وبين الطموح الاستراتيجي الوطني وتحسين شروط العيش اليومي.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تنجح في الدفاع عن مصالحها الخارجية وتدبير علاقاتها الدولية، وإنما أيضا تلك التي تستطيع توفير شروط العيش الكريم، وتحقيق تكافؤ الفرص، وضمان الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب.
كما أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بانتظام المواعيد الدستورية، وإنما بقدرتها على إنتاج قرارات فعالة، والاستجابة للانتظارات المجتمعية، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم والمساءلة.
ومن هنا، فإن افتتاح الملك محمد السادس للبرلمان يمثل مناسبة لاستحضار طبيعة المرحلة التي تدخلها البلاد، بما تتطلبه من وضوح في الأولويات، وانسجام في السياسات العمومية، ورفع منسوب المسؤولية لدى الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
فالبرلمان الجديد مطالب بأن يكون أكثر التصاقا بقضايا المجتمع، والحكومة المقبلة مطالبة بأن تجعل التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الأساسية في صلب برنامجها، فيما تظل الأحزاب مطالبة بإعادة بناء الثقة عبر الوفاء بالالتزامات والابتعاد عن منطق التدبير الانتخابي القصير المدى.
وفي المحصلة، فإن الرمزية السياسية لافتتاح البرلمان تتجاوز صورة المؤسسة الملكية وهي تترأس لحظة دستورية، لتطرح سؤالا أعمق حول قدرة النسق السياسي المغربي على تحويل الاستقرار إلى رافعة للتنمية، وتحويل الشرعية الانتخابية إلى إنجازات ملموسة، وتحويل التوازنات المؤسساتية إلى فرص حقيقية للإصلاح.
إن المغاربة لا ينتظرون فقط بداية ولاية تشريعية جديدة، بل ينتظرون أن تكون بداية مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام، تتقدم فيها النتائج على الشعارات، وتصبح فيها محاربة البطالة والتضخم والفوارق الاجتماعية التزامات قابلة للمحاسبة، وتترجم فيها رهانات السيادة الوطنية إلى قوة اقتصادية واجتماعية تعزز مناعة البلاد.
فالتحدي الأكبر أمام الدولة ومؤسساتها ليس فقط الحفاظ على الاستقرار في عالم مضطرب، وإنما ضمان أن يشعر المواطن بأن هذا الاستقرار يفتح أمامه آفاقا أفضل، وأن السياسة ما تزال قادرة على تغيير واقعه نحو الأفضل. عند هذه النقطة تحديدا، تكتسب المؤسسة التشريعية معناها الحقيقي، وتتحول الولاية الجديدة من محطة دستورية إلى اختبار سياسي واجتماعي لمستقبل الثقة بين الدولة والمجتمع.