الميركاتو الصيفي بإدارة الصحة بمكناس يهدد مشروع رقمنة وتوحيد النظام المعلوماتي الاستشفائي
هيام بحراوي
في وقت تتجه فيه المنظومة الصحية الوطنية نحو تسريع ورش الرقمنة وتوحيد الأنظمة المعلوماتية الاستشفائية، تثير تدبيرات إدارية بقطاع الصحة بمدينة مكناس تساؤلات حول مدى انسجام تدبير الموارد البشرية مع متطلبات هذا الورش الإصلاحي، خصوصا في ظل الحديث عن نقل عدد من تقنيي المعلوميات من مؤسسات استشفائية، في وقت تحتاج فيه هذه المؤسسات إلى كفاءات تقنية تضمن تشغيل الأنظمة المعلوماتية وصيانتها واستمراريتها.
هذه التطورات، وفق مصادر صحية، في سياق مصادقة الحكومة خلال الأيام الماضية على القانون رقم 52.26 المتعلق برقمنة المنظومة الصحية، بما يشمل المنظومة الاستشفائية وتوحيد النظام المعلوماتي الاستشفائي وإرساء الملف الطبي الموحد، وهي أوراش ترتبط بشكل مباشر بمسار إصلاح المنظومة الصحية وتنزيل مشروع المجموعات الصحية الترابية وتعميم التغطية الصحية.
غير أن واقع الموارد البشرية التقنية بعدد من المؤسسات الصحية بمكناس يطرح، وفق مصادر مهنية، مفارقة لافتة؛ إذ يأتي الحديث عن تعزيز الرقمنة وتوحيد الأنظمة المعلوماتية في وقت تعاني فيه بعض المؤسسات من خصاص في التقنيين المتخصصين في المعلوميات.
ومن أبرز المعطيات التي تثير الانتباه، تنقيل التقني الوحيد في مجال المعلوميات الذي كان يشتغل بمستشفى محمد الخامس بمكناس إلى مدينة فاس، الأمر الذي جعل المؤسسة، وفق المعطيات المتداولة، دون تقني متخصص يتولى مواكبة الأنظمة المعلوماتية وحل الإشكالات التقنية المرتبطة بها.
ويرى مهنيون أن هذا الوضع يطرح تساؤلات حول كيفية ضمان استمرارية الخدمات المعلوماتية داخل مؤسسة استشفائية، في وقت أصبحت فيه الرقمنة جزءاً أساسياً من تدبير الملفات والخدمات الصحية، كما أن أي عطب تقني أو خلل في الأنظمة المعلوماتية يحتاج إلى تدخل متخصص وسريع.
ولم تتوقف التطورات عند مستشفى محمد الخامس، إذ تفيد المصادر ذاتها، بأن وزارة الصحة ومندوبية الصحة بمكناس أقدمتا، مؤخراً، على نقل عدد من تقنيي المعلوميات العاملين بمستشفى بانيو للأم والطفل، حيث جرى نقل بعضهم إلى وكالة الدم، فيما تم توجيه آخرين إلى مصالح خارج المستشفى.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن إدارة مستشفى بانيو كانت قد أبدت رأياً سلبياً (avis défavorable) بشأن طلبات الانتقال المعنية، وهو ما يفتح باب التساؤل حول المعايير المعتمدة في تدبير هذه التنقيلات ومدى أخذ الحاجيات التقنية للمؤسسة الاستشفائية بعين الاعتبار.
وتكتسب هذه التنقيلات أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي، وفق المعطيات المتداولة، في مرحلة تستعد فيها المنظومة الصحية لتنزيل أوراش رقمية واسعة، من بينها النظام المعلوماتي الاستشفائي الموحد والملف الطبي الموحد.
وتزداد علامات الاستفهام مع استمرار المركز الاستشفائي في الإعلان عن طلبات عروض مرتبطة بصفقات معلوماتية تقدر قيمتها بمئات الملايين، بالتزامن مع حديث عن غياب أو خصاص في التقنيين القادرين على تشغيل هذه الأنظمة ومواكبتها وصيانتها.
ويطرح هذا الوضع إشكالية تتجاوز مجرد تدبير الموارد البشرية، لتصل إلى سؤال أساسي يتعلق بمدى انسجام الاستثمار في التجهيزات والأنظمة المعلوماتية مع توفير الموارد البشرية المؤهلة لاستغلالها.
فشراء المعدات والبرمجيات لا يضمن وحده نجاح الرقمنة، ما لم يواكبه تكوين وتأطير وموارد بشرية تقنية قادرة على ضمان التشغيل المستمر والصيانة والتدخل السريع عند وقوع الأعطاب.
ويعيد هذا الوضع، بحسب مصادر مهنية، إلى الواجهة النقاش حول مآل عدد من التجهيزات والأنظمة المعلوماتية التي سبق اقتناؤها في إطار صفقات سابقة، وسط مخاوف من أن تلقى التجهيزات الجديدة المصير نفسه، فتتحول إلى معدات مركونة بالمخازن في حال عدم توفير البنية البشرية والتقنية اللازمة لتشغيلها.
ويرى مهنيون أن المفارقة تكمن في أن الدولة تراهن على الرقمنة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لإصلاح المنظومة الصحية، في حين أن بعض المؤسسات الاستشفائية بمكناس تواجه، وفق المعطيات المتوفرة، نقصاً في الموارد البشرية المتخصصة في المعلوميات.
كما يثير تدبير التنقيلات تساؤلات وسط بعض العاملين حول مدى اعتماد معايير موضوعية وشفافة في تحديد الحاجيات وتوزيع الموارد البشرية، خصوصا في ظل الأجواء الانتخابية والسياسية والنقابية التي تسبق الاستحقاقات المقبلة.
وتذهب بعض الأصوات المنتقدة إلى التحذير من أن يؤدي ما تصفه بـ”الاستغلال السياسوي والانتخابي والنقابي” في تدبير الموارد البشرية إلى التأثير على مشاريع الإصلاح، غير أن هذه الادعاءات تظل بحاجة إلى توضيحات ومعطيات رسمية من الجهات المسؤولة.
وبينما تراهن الدولة على مشروع إصلاحي واسع للمنظومة الصحية، يرتكز على الرقمنة وتوحيد الأنظمة المعلوماتية وإرساء الملف الطبي الموحد وتنزيل المجموعات الصحية الترابية، تبدو طريقة تدبير الموارد البشرية التقنية على المستوى المحلي عاملاً حاسماً في نجاح هذه الأوراش.
فالمعادلة لا تتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الصفقات المبرمة، وإنما أيضاً بوجود منظومة بشرية وتقنية قادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى خدمات رقمية فعلية يستفيد منها المرضى والمهنيون.