قانون المحاماة: إغلاق آخر ثغور الدفاع قبل الدخول إلى مرحلة الغموض
بقلم : عبد المولى المروري
لم يبدأ إخضاع المحاماة يوم نشر قانونها الجديد في الجريدة الرسمية، ولم يبدأ حتى يوم وضع مشروعه.. إنه مسار أطول، وقع خلاله تفكيك التوازن الهش داخل منظومة العدالة حلقة بعد أخرى، ولفهم وتحليل ما وقع سياسيا وحقوقيا، سأحاول بسطه بطريقة كرونولوجية سهلة وتحليل سياسي بسيط..
بدأ هذا المسار بإخراج النيابة العامة من مجال المسؤولية السياسية المباشرة، وتوسيع سلطتها العملية داخل منظومة العدالة وذلك بإقرار استقلاليتها عن وزارة العدل.
ليأتي بعد ذلك التدخل من بوابة الولوج إلى مهنة المحاماة من خلال امتحان 2022 المثير للشبهات، ثم إعادة تنظيم المهنة بقانون يقلص استقلالها وتنظيمها الذاتي.. وأخيرا تمرير القانون في الأسابيع الأخيرة من الولاية التشريعية وتعطيل الرقابة الدستورية السابقة بإحالة ناقصة، ثم نشره بسرعة استثنائية قبل الانتخابات التشريعية بشهر واحد تقريبًا.
عندما تُجمع هذه الحلقات لا نعود أمام خلاف مهني بين وزارة العدل والمحامين، وإنما أمام مشروع لإعادة بناء مجال العدالة على قاعدة واضحة تحمل عنوانا طويلا بطول المعاناة: نيابة عامة قوية لا تخضع للمساءلة السياسية المباشرة، ومحاماة ضعيفة تخضع لرقابة قضائية وإدارية وتأديبية متزايدة.
أولًا – استقلال النيابة العامة أم تحرير سلطة الاتهام من الرقابة السياسية؟
نقل رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، سنة 2017 كان يقدم باعتباره خطوة نحو استقلال القضاء وحماية التحقيق والمتابعة من التدخل الحكومي.
ومن حيث المبدأ، يعد فصل النيابة العامة عن وزير سياسي ضمانة ضد استعمال الدعوى العمومية لخدمة الحكومة أو الانتقام من خصومها السياسيين المفترضين.. لكن الإشكال المغربي لم يكن في الشعار، بل في البنية التي نشأت عنه.. فقد تم إخراج السياسة الجنائية من مجال المسؤولية الحكومية المباشرة من دون بناء آليات موازية فعالة للمساءلة الديمقراطية.
فلقد كان وزير العدل، نظريًا على الأقل مسؤولًا سياسيًا أمام البرلمان.. قابلًا للاستجواب والمساءلة.. عضوًا في حكومة يمكن محاسبتها انتخابيًا.. مسؤولًا عن توجيه السياسة الجنائية وتنفيذها.
أما بعد نقل رئاسة النيابة العامة، فقد نشأت سلطة شديدة الاتساع في مجال الاعتقال والمتابعة وتراجع الحريات، ورغم ذلك لا تخضع للمساءلة السياسية بالكيفية نفسها.. وهنا ظهرت المفارقة، حيث تم توسيع استقلال سلطة الاتهام، بينما لم يواكب ذلك تعزيز مماثل لاستقلال سلطة الدفاع.
فالنيابة العامة أصبحت أكثر استقلالًا عن الحكومة، لكن المحاماة لم تصبح أكثر استقلالًا عن النيابة العامة والقضاء ووزارة العدل.. بل جاء القانون الجديد ليوسع قنوات تدخل هذه الجهات في المجال المهني والتأديبي للمحامين..
إن التوازن لا يتحقق داخل العدالة باستقلال النيابة العامة وحدها، وإنما بثلاثة أركان متوازنة:
– قضاء مستقل ومحايد.
– نيابة عامة مستقلة وخاضعة للمساءلة.
– دفاع حر ومستقل ومحمي من التدخل والانتقام.
أما تقوية طرف الاتهام وإضعاف طرف الدفاع، فليست إصلاحًا للعدالة، بل إعادة توزيع غير متكافئ للقوة داخلها.
ثانيًا – مباراة المحاماة لم تكن فضيحة عابرة
شكّلت مباراة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة لسنة 2022 محطة كاشفة في علاقة وزارة العدل بالمهنة.. فقد أثارت نتائجها اعتراضات واسعة بسبب نجاح ابن وزير العدل.. تكرار أسماء عائلية مرتبطة بشخصيات نافذة.. الحديث عن أرقام ناجحين لم تكن موجودة في بعض لوائح المترشحين.. غياب الشفافية الكافية بشأن معايير التصحيح.. ثم رفض فتح تحقيق مستقل وشامل.. وأخيرا الطريقة المستفزة التي دافع بها الوزير عن المباراة وعبارته المشهورة في الدفاع عن نجاح ابنه بأنه درس في كندا وأن والده غني.
لا ينبغي اختزال الواقعة في مسألة نجاح ابن الوزير؛ لأن المشكلة أعمق من ذلك بكثير.. فقد أظهرت المباراة أن السلطة التنفيذية تستطيع التحكم في باب الولوج إلى مهنة يفترض أن تكون مستقلة عنها، ثم ترفض إخضاع قراراتها للتحقيق المستقل.
كما سجلت المباراة نجاح 2081 شخصًا من نحو سبعين ألف مترشح، وسط اتهامات بالمحسوبية وغياب تكافؤ الفرص، بينما رفض الوزير اعتبار الوقائع المثارة سببًا كافيًا لفتح تحقيق..
سياسيًا، كانت المباراة أول عملية واسعة لإعادة تشكيل المهنة من مدخلها البشري.. فكل سلطة تريد احتواء مؤسسة مستقلة تستطيع أن تتحرك في اتجاهين متكاملين:
– التحكم فيمن يدخل إليها.
– والتحكم فيمن يديرها وكيف يمارس عمله بعد الدخول.
المباراة مست المدخل، والقانون الجديد يمس البنية والتنظيم والحصانة والتأديب.. ولا يلزم افتراض وجود مخطط مكتوب ومعلن حتى نلاحظ تكامل النتائج المتمثلة في إدخال أفواج كبيرة إلى المهنة في سياق فاقد للثقة والنزاهة والشفافية، ثم وضع المهنة كلها تحت إطار قانوني جديد يقلص مناعة وحصانة واستقلالية مؤسساتها.
ثالثًا – لماذا تشكل المحاماة هدفًا سياسيًا؟
وهذا هو المهم في الموضوع، فالمحاماة ليست مجرد مهنة من المهن الحرة.. إنها المؤسسة الوحيدة تقريبًا التي تدخل يوميًا إلى الأماكن التي تنتج وتمارس فيها الدولة سلطتها القسرية:
– مخافر الشرطة.
– مقرات الفرق الأمنية.
– النيابات العامة.
– محاكم التحقيق والحكم.
– المؤسسات السجنية.
– ملفات الاعتقال السياسي والصحافي والحقوقي.
والمحامي المستقل لا يقدم خدمة تقنية فقط؛ بل يقوم بوظائف سياسية وحقوقية بالمعنى الواسع:
– يكشف التعذيب وسوء المعاملة.
– يوثق خروقات الحراسة النظرية.
– يواجه ويشكك في محاضر الشرطة ويفضح خروقاتها.
– ينازع النيابة العامة في مشروعية الاعتقال.
– ينقل ما يقع داخل المحاكم إلى الرأي العام.
– يحول القضية الفردية إلى قضية حقوقية.
– يقدم لغة قانونية وحقوقية لمقاومة لغة السلطة.
– يمنع الدولة من احتكار رواية الوقائع.
ولهذا فإن المحاماة المستقلة هي آخر وسيط مؤسسي يمكنه مواجهة الدولة من داخل منظومتها القانونية نفسها.
لقد أمكن التضييق على الصحافي بمنعه أو متابعته، وعلى الجمعية برفض وصلها أو تجفيف مواردها، وعلى الحزب باحتوائه انتخابيًا، وعلى النقابة بتفتيتها، وعلى المحتج بتجريم فعله.. لكن المحامي ظل يدخل إلى المحكمة بقوة القانون، ويطلع على الملف، ويلتقي المعتقل، ويترافع علنًا، ويضع الرواية الرسمية موضع الاختبار.
من هنا يصبح إخضاع المحاماة جزءًا منطقيًا في تضييق المجال الحقوقي، لا مجرد نزاع حول التدبير المهني.
رابعًا – القانون لا يلغي المحاماة؛ بل يعيد تعريف المحامي المقبول
الأنظمة الاستبدادية الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى حل المؤسسات أو منعها.. يكفي أن تعيد تصميم قواعد اشتغالها، فالهدف ليس إنتاج محامٍ صامت بصورة مطلقة، وإنما إنتاج محامٍ:
– كفء تقنيًا لكنه منزوع الجرأة الحقوقية.
– يدافع في حدود الملف ولا يحول القضية إلى رأي عام.
– لا يصطدم برئيس الجلسة.
– لا ينازع النيابة العامة بقوة قانونية مشروعة، يعني إلغاء شخصيته.
– لا يحتج داخل المحكمة.
– لا يشارك في توقف جماعي مؤثر.
– يخشى المسطرة التأديبية والتوقيف.
– يعتبر نفسه مساعدًا للمحكمة لا سلطة دفاع مستقلة في مواجهتها.
– أي نحن أمام محام مجرد من أي حصانة قانونية تخول له ممارسة مهامه بكل شجاعة ومسؤولية..
إن المحامي المقبول في هذه الهندسة هو الذي يساعد العدالة كما تعرّفها المؤسسات الرسمية، لا الذي يختبر عدالة هذه المؤسسات ويكشف اختلالاتها. ومن ثم، فالغرض السياسي للقانون لا يقاس بعدد المحامين الذين سيعاقبون فعليًا.. وقد لا تكون المتابعات كثيرة أصلًا.. يكفي أن ينتج القانون أثرًا نفسيًا عامًا يسمى في الدراسات الحقوقية «الأثر المخيف» أو الردعي، ويتحقق ذلك عندما يراقب المحامي نفسه قبل أن تراقبه السلطة، وأن يتراجع عن بعض ما يقتضيه الدفاع خوفًا مما قد يترتب عليه مهنيًا.. وهنا يتحول القانون من أداة للعقاب اللاحق إلى أداة للضبط المسبق.
خامسًا – الإحالة الناقصة إلى المحكمة الدستورية — من فرضية الخطأ إلى قرينة الخدعة
من السهل أن نتفق جميعا في تفسير ما وقع بأنه مجرد «خطأ شكلي» يعد تفسيرا ضعيف جدًا من الناحية السياسية، بل ومضحكا من الناحية الإجرائية.. فنحن لا نتحدث عن مواطن عادي أخطأ في إرفاق وثيقة بطلب إداري، وإنما عن:
– رئيس مجلس النواب.
– مؤسسة دستورية لها إدارة قانونية وتشريعية.
– قانون أثار أزمة وطنية واحتجاجات مهنية واسعة.
– إحالة إلى أعلى جهة للرقابة الدستورية.
– مسطرة يحدد القانون التنظيمي وثائقها وشروطها.
– نص نهائي معلوم التاريخ والصيغة.
فقد كان موضوع الإحالة هو «القانون» كما وافق عليه البرلمان نهائيًا، ومع ذلك لم تُرسل نسخته النهائية المطابقة للأصل، بل أرسل تقرير لجنة يتضمن صيغة سابقة..
من الصعب سياسيًا تصديق أن كل الأجهزة القانونية والإدارية في مجلس النواب لم تكن تعرف أن المحكمة الدستورية تحتاج إلى النص النهائي موضوع الطعن، لا إلى تقرير لجنة يتضمن إحدى صيغه السابقة..لكن القرينة الأقوى لا تكمن في الخطأ وحده، بل فيما حدث بعد اكتشافه.. فلو كانت الغاية الحقيقية هي تمكين المحكمة من فحص الدستورية، لكان المتوقع والعادي:
– الاعتراف بالخلل.
– إعداد إحالة جديدة مستوفية للشروط.
– إرسال النسخة النهائية المطابقة للأصل.
– انتظار قرار المحكمة في مضمون القانون.
– ثم إصدار الأمر بتنفيذه.
لكن الذي حدث هو العكس:
– صدر قرار تعذر البت يوم 10 غشت 2026.
– لم تُصحح الإحالة.
– صدر الظهير بتنفيذ القانون يوم 18 غشت.
– ونُشر في الجريدة الرسمية يوم 20 غشت.
أي إن تعذر الرقابة الدستورية لم يُعامل باعتباره خللًا ينبغي إصلاحه، بل باعتباره فرصة لاستكمال الإصدار.
وهنا تنتقل الواقعة سياسيًا من مجرد «خطأ» إلى ما يشبه «التحايل المؤسسي» على الرقابة الدستورية، أي إحالة شكلية توحي باحترام الدستور، لكنها أُنجزت بطريقة تمنع المحكمة من الوصول إلى الموضوع.
لا يمكن الجزم قضائيًا بالقصد الاحتيالي من دون تحقيق أو وثيقة داخلية؛ لكن في التحليل السياسي، يصبح اجتماع ثلاثة عناصر قرينة قوية على التدبير المتعمد:
– بداهة الشرط الذي وقع إغفاله.
– كفاءة المؤسسة التي ارتكبت «الخطأ».
– الامتناع عن تصحيحه بعد ظهوره.
فالخطأ الحقيقي يبحث صاحبه عن إصلاحه؛ أما الخطأ الذي تُستثمر نتيجته بسرعة، فهو أقرب إلى الوسيلة المعتمدة منه إلى السهو العفوي.
سادسًا – سرعة النشر تكشف الوظيفة السياسية للتوقيت
دخل القانون حيز التنفيذ يوم 20 غشت 2026، بينما ستجرى الانتخابات التشريعية يوم 23 شتنبر، وتنطلق الحملة الانتخابية رسميًا يوم 10 شتنبر، وفق الموعد الرسمي الذي أعلنته الدولة.
نحن إذن أمام قانون استراتيجي نُشر:
– قبل بدء الحملة الانتخابية بنحو ثلاثة أسابيع.
– وقبل الاقتراع بأربعة وثلاثين يومًا.
– وبعد عشرة أيام فقط من قرار المحكمة الدستورية.
– وفي اللحظات الأخيرة من عمر الحكومة والبرلمان.
وهذا التوقيت يطرح سؤالًا مركزيًا، لماذا لم يُترك قانون بهذه الحساسية للحكومة والبرلمان القادمين، أو على الأقل لتصحيح الإحالة الدستورية وفحصه موضوعيًا؟
الجواب السياسي المرجح هو أن السلطة أرادت فرض أمر واقع قانوني قبل دخول البلاد مرحلة الانتخابات وما بعدها، فلو تأخر القانون، لكان معرضًا لعدة احتمالات:
– تغير الحكومة أو وزير العدل.
– تغير التوازنات البرلمانية.
– إعادة فتح الحوار مع الهيئات.
– تصاعد الاحتجاجات المهنية.
– تحويله إلى موضوع انتخابي.
– فرض رقابة دستورية سليمة عليه.
– فقدان القدرة على تمريره بالصورة نفسها.
لذلك كان المطلوب إخراجه من دائرة الاحتمال إلى دائرة النفاذ، بحيث ترث الحكومة المقبلة قانونًا قائمًا بدل أن ترث مشروعًا قابلًا للسحب أو التعديل.
إنها تقنية سياسية معروفة تتجسد في تمرير التشريعات غير الشعبية في نهاية الولاية، حين تكون الكلفة الانتخابية موزعة، والمحاسبة الزمنية ضعيفة، والاهتمام العام متجهًا نحو الانتخابات.
سابعًا: لماذا قانون المحاماة بالسرعة، ومدونة الأسرة بالتأخير؟
هنا تظهر المقارنة التي تعتبر مفتاحًا سياسيًا مهمًا..
فقد أثيرت مراجعة مدونة الأسرة منذ الخطاب الملكي لسنة 2022، ثم شُكلت هيئة للمراجعة، ونُظمت جلسات استماع، واحتدم نقاش مجتمعي واسع، وأُعلنت توجهات عامة، والنسخة النهائية جاهزة.. ومع ذلك، بقي النص متأخرًا إلى نهاية الولاية التشريعية، وسط تساؤلات عما إذا كان سيُرحّل إلى الحكومة المقبلة، أم في الأنفاس الأخيرة لهذه الولاية.. ولا أحد يستطيع الادعاء معرفته سبب هذا التأخر، ولم يجرؤ حزب أو سياسي أو مثقف أو فقيه على طرح السؤال..
أما قانون المحاماة، فرغم:
– الرفض المهني الواسع.
– الإضرابات والاحتجاجات.
– الاعتراضات الحقوقية.
– الملاحظات الأممية.
– الشبهات الدستورية.
فقد تعذر فحصه أمام المحكمة الدستورية.. وتم تسريع المصادقة عليه وإصداره. هذه المفارقة تكشف سلم الأولويات الحقيقي:
– القانون الاجتماعي المثير للانقسام الانتخابي يُؤجل.
– القانون الذي يعيد ضبط مؤسسة مقاومة يُسرّع.
– القانون الذي قد يكلف الأحزاب أصواتًا يُرحّل.
– القانون الذي يحصن الدولة في مواجهة المجتمع يُمرر قبل نهاية الولاية.
مدونة الأسرة تمس الكتلة الانتخابية الواسعة، وتضع الحكومة بين التيارات المحافظة والحقوقية، وقد ترفع كلفتها الانتخابية.. لذلك يبدو التأخير وسيلة لتجنب دفع الثمن السياسي قبل الاقتراع.
أما المحامون، فهم فئة محدودة عدديًا، ويمكن تقديم اعتراضهم للرأي العام باعتباره دفاعًا عن امتيازات مهنية أو مصالح مالية.. لذلك تبدو كلفة مواجهتهم انتخابيًا أقل، بينما فائدة إخضاعهم مؤسساتيًا أكبر.
ومن هنا فإن التفاوت في السرعة ليس إداريًا فقط؛ بل يعبر عن انتقائية سياسية في إنتاج التشريع.
ثامنًا: لماذا تريد الدولة تحصين مجال العدالة قبل الانتخابات؟
يجب أن نعلم أن انتخابات 23 شتنبر 2026 لا تجري في سياق عادي.. فالمغرب مقبل على مرحلة تتداخل فيها عناصر عديدة:
– أزمة الثقة في المؤسسات والأحزاب.
– تراجع المشاركة السياسية المنظمة.
– اتساع الاحتقان الاجتماعي.
– البطالة والهجرة الجماعية.
– تآكل الطبقة الوسطى.
– ارتفاع المديونية وكلفة المعيشة.
– إمكان ظهور احتجاجات غير مؤطرة حزبيًا.
– صعوبة توقع الخريطة الحزبية المقبلة.
– احتمال ضعف الحكومة المقبلة أو تشتت أغلبيتها.
– الاستعداد لاستحقاقات كأس العالم 2030 وما تستلزمه من ضبط سياسي واجتماعي.
إنها مرحلة «الغموض الكبير» هي التي تنتظر المغرب في السنوات القادمة، وهي لا تعني بالضرورة انهيار المؤسسات أو حدوث تحول مفاجئ، وإنما تعني أن السلطة لا تستطيع أن تتوقع بدقة:
– حجم المشاركة والمقاطعة.
– طبيعة الحكومة المقبلة.
– قدرة الأحزاب التقليدية على احتواء الغضب.
– شكل الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة.
– القضايا التي قد تفجر المجال العام.
– أثر التحولات الإقليمية والدولية.
– قدرة الخطاب الرسمي على الحفاظ على الثقة.
وفي أزمنة الغموض تلك، تميل الدول غير الديمقراطية إلى تقليل مساحة المفاجأة عبر تحصين أجهزة الضبط قبل دخول المرحلة، وليس بعدها.. والضبط لا يكون أمنيًا فقط، بل يشمل:
– ضبط المجال الانتخابي.
– ضبط الإعلام.
– ضبط الاحتجاج.
– ضبط القضاء.
– ضبط سلطة الاتهام.
– وضبط الدفاع الذي يتولى حماية المعارضين والمحتجين عند وصولهم إلى المحاكم.
وهكذا يصبح قانون المحاماة جزءًا من هندسة استباقية للمخاطر السياسية.
تاسعًا: من التحكم في السياسة إلى التحكم في شروط الاعتراض
الدولة لا تستطيع منع كل الاحتجاجات ولا كل اعتراض، لكنها تستطيع التحكم في شروط تحوله إلى أثر سياسي، وهذا هو الأهم والأسهل بالنسبة إليه.. فعادة ما يمر المحتج عبر سلسلة ثابتة تقريبا:
– احتجاج أو كشف انتهاك
– اعتقال
– نيابة عامة
– محاكمة
– محاماة ودفاع
– توثيق وترافع حقوقي
لقد تم التحكم بدرجات متفاوتة في الحلقات الأولى المتمثلة في المجال العام، الأمن، المتابعة، الإعلام.. وبقيت حلقة الدفاع قادرة على إعادة فتح القضية وكشف ما وقع في الحلقات السابقة.
لذلك فإن إضعاف المحاماة يحقق وظيفة سياسية مركبة:
– تقليل قدرة المعتقل على مواجهة رواية الشرطة.
– تقليل قدرة الدفاع على مواجهة النيابة العامة.
– تقليل وصول الخروقات إلى الرأي العام.
– تحويل المحاكمات السياسية إلى ملفات تقنية مغلقة.
– عزل المحامي الحقوقي عن تضامن هيئته.
– جعل المؤسسات المهنية أقل قدرة على اتخاذ مواقف جماعية.
– رفع الكلفة الشخصية والمهنية للدفاع في القضايا الحساسة.
فلم يكن المقصود منع حق الدفاع في النص القانوني، وإنما تقليل قدرته على تغيير ميزان القوة داخل المحكمة وفي الواقع السياسي.
عاشرًا: وهبي ليس وحده صاحب القانون
قد يسهل اختزال المسألة في شخص عبد اللطيف وهبي، خاصة بعد تصريحاته المستفزة ومباراة المحاماة وطريقة إدارته للحوار مع الهيئات.. لكن قانونًا بهذه الأهمية، مر عبر:
– مجلس الحكومة.
– الأغلبية الحكومية.
– مجلس النواب.
– مجلس المستشارين.
– الأمانة العامة للحكومة.
– مسطرة الإصدار.
– ثم النشر السريع بعد تعذر الرقابة الدستورية.
لا يمكن اعتباره نزوة شخصية لوزير يقترب من مغادرة منصبه.. نعم، قد يكون وهبي واجهة سياسية وتنفيذية للمشروع، لكنه ليس قادرًا منفردًا على فرض هذا المسار كله.
بل إن قرب نهاية ولايته يقوي الفرضية العكسية، لو كان القانون مشروعًا شخصيًا صرفًا، لكان من الأسهل تأجيله وتركه يسقط بانتهاء الولاية.. أما الإصرار المؤسسي على إخراجه قبل الانتخابات فيدل على أن الحاجة إليه تتجاوز الوزير والحكومة الحالية.
وهنا ينبغي نقل السؤال من: «لماذا فعل وهبي ذلك؟» إلى: «لماذا احتاجت الدولة، في هذه اللحظة بالذات، إلى قانون يجعل المحاماة أقل استقلالًا قبل رحيل وهبي وحكومته؟»..
الجواب واضح بما يكفي، وهو إغلاق الثغرات قبل المرحلة الجديدة..
لا يمكن فهم القانون رقم 66.23 خارج سياق التراجع الحقوقي العام.. فهو لا يأتي لتقييد مهنة عادية، بل لتقليص استقلال المؤسسة التي تدافع عمن مستهم تلك التراجعات بالدرجة الأولى، وبدرجات أقل القضايا المرتبطة بالمحاماة بشكل وعام، والمحامي بشكل خاص.
إذن، بدأ المسار بإعادة بناء سلطة النيابة العامة بعيدًا عن المسؤولية السياسية المباشرة.. ثم ظهرت إرادة التحكم في مدخل المهنة من خلال مباراة فقدت ثقة جزء واسع من المجتمع.. واليوم يكتمل البناء بقانون يوسع الرقابة على المحامي وهيئاته واحتجاجه وتأديبه.
أما الإحالة الناقصة إلى المحكمة الدستورية، ثم الامتناع عن تصحيحها، ثم إصدار القانون بعد عشرة أيام فقط، فلا يصعب فهمها سياسيًا، فطبعا لم يكن المقصود الحصول على حكم دستوري موضوعي، بل عبور محطة المحكمة من دون تمكينها من فحص النص واستنطاقه دستوريا بأقصى سرعة ممكنة.
لقد كانت إحالة تحايلية من أجل القول إن القانون «أُحيل على المحكمة الدستورية»، لكنها لم تكن كافية أو بالأحرى لم تكن وجدية وصادقة لكي تحكم المحكمة في دستوريته.
ومع اقتراب موعد انتخابات 23 شتنبر، وتأخر مدونة الأسرة رغم سنوات من النقاش الحاد والصراع الدونكيشوطي، تظهر أولويات الدولة بوضوح، وهي تأجيل ما قد يربك الانتخابات اجتماعيًا وسياسيا، وتسريع ما يحصن السلطة قانونيا ومؤسساتيًا.
وعليه، فإن قانون المحاماة ليس نهاية خلاف مهني، بل بداية مرحلة جديدة في العلاقة الغامضة والمرتبكة بين الدولة والدفاع.. دولة تدخل مرحلة من الغموض السياسي والاجتماعي، فتسعى قبل دخولها إلى إغلاق آخر الثغرات التي قد يتسرب منها الاعتراض إلى داخل منظومة العدالة.
عندما تخشى الدولة المستقبل، فإنها لا تكتفي بالتحكم فيمن يحكم، بل تسعى إلى التحكم فيمن يحتج، ومن يُتابِع، ومن يُحاكِم، وأخيرًا في من يدافع.. فهل تم إغلاق سلسلة التحكم بآخر حلقة؟ وهل تم تدمير كل حصون الدفاع عن حقوق الإنسان بإضعاف آخر ثغر؟ وهل أُغلق كتاب الحقوق والحريات بآخر صفحة؟ أم هناك مفاجآت تنتظرنا على الطريق؟