الصحراء المغربية.. إحاطة دي مستورا استنزاف دبلوماسي!
بقلم : أحمد نور الدين
ما سرّبته وكالة الأنباء الفرنسية قبل غيرها عن الإحاطة الأخيرة، التي قدمها السيد دي مستورا يوم 23 أبريل 2026 أمام مجلس الأمن حول الصحراء المغربية، لا يدعو للاطمئنان شكلاً ومضموناً، رغم أن التسريبات لاقت حفاوة بشكل غير مباشر كما جرت العادة في الاحتفاء بكل ما يصدر عن الأمم المتحدة من قرارات وتقارير منذ بداية مسلسل التسوية، ورغم أن تلك القرارات والتقارير كانت دائماً تقول الشيء ونقيضه ليجد فيها كل قيْس لَيْلاه وكلّ عنترةٍ عبْلاه.. وهذا لا يخدم صاحب الشرعية بقدر ما يخدم أجندة الجهات التي تقتات من النزاع ويهمها أن يبقى إلى الأبد دون حلّ، سواء أكانت تلك الجهات في صفّ العدوّ المباشر أم كانت ممن يتقمص دور الصديق.
من حيث الشكل، الإحاطة تتحدث عن الطرفين رغم أنّ القرار الأخير 2797 تحدث بكل وضوح عن الأطراف بالجمع وليس المثنى، بل إنه لأول مرة تتأخر فيها الترجمة العربية لنص القرار 24 يوماً بالتمام والكمال، لأن “النمكلاتورا” التي تعودت التلاعب بلغة ومضمون القرارات ،حاولت التدليس باستعمال الطرفين في النسخة العربية بدل الأطراف، وهو ما كنت قد نبهت إليه في حينه وفي سنوات ماضية، ولكن هذه السنة أتى التنبيه بفائدة، وخاض المغرب معركة انتهت بفضح الجهاز الإداري في الأمم المتحدة، والذي كان قد سبق لجلالة الملك أن وصفه بأن فيه من يخدم مصالح أطراف أخرى، ويتصرف خارج الموضوعية والحياد والأمانة التي يقتضيها العمل داخل منظمة دولية، في إشارة واضحة إلى شراء الذمم والتلاعب بالقرارات، وخصوصاً بالتقارير التي تُقدّم باسم الأمين العام، والذي قد لا يكون بالضرورة على علم بتفاصيلها، كما أشار العاهل المغربي نفسه إلى ذلك في الخطاب المرجعي الذي ألقاه في ابريل 2016.
ليس هذا هو أخطر ما في الإحاطة، فالرجل الذي فشل في كل الملفات الدولية التي كلف بها من قبلُ، سواء في سورية او أفغانستان أو غيرهما، حاول الالتفاف مرة أخرى على مضمون المحادثات، وتعويم جوهرها المتمثل من جهة، في مراجعةٍ استراتيجية لمهام المنورسو، ومن جهة أخرى، في تنفيذ المقترح المغربي التفصيلي، والذي قدمه المغرب في أربعين صفحة كما تقول الاخبار، لأن الحقيقة لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، في غياب نقاش عمومي داخل البرلمان او مع الأحزاب التي قدمت مذكراتها، ولاذت بالصمت وتوارت خلف الحجاب، رغم أن كلّ المغاربة معنيون بمعرفة تفاصيل الحكم الذاتي المقدم، لأنه يهم سيادة وطنهم ووحدة أراضيهم التي قدموا في سبيلها التضحيات الجسام وقوافل الشهداء. ولا أدري ما وجه السرّية في المقترح بعد أن تمّ تقديمه للعدوّ قبل الصديق.
لقد تحدث السيد دي مستورا، وفقاً للتسريبات ذاتها عن كل شيء إلاّ عن المنورسو وعن الإجراءات التنفيذية للحكم الذاتي، وراح يتحدث عن “العمل على إيجاد اتفاق إطار يحدد معالم التسوية”.. وهنا نتساءل، إذا لم يكن المقترح المغربي التفصيلي ذو الأربعين صفحة هو الاتفاق الإطار فماذا يكون إذن؟ وأضاف المبعوث الخاص أن الإطار يجب أن “يضمن الانسجام مع مبدأ تقرير المصير”، وهذا يحيلنا إلى نقطة الصّفر التي ما فتئت الجزائر تعيد إليها المسلسل السوريالي كلما اقتربنا من الحلّ منذ 35 سنة خلت. وأحيل القارئ على مقالاتي في الموضوع حتى لا أكرّر ما تعب القلم من كتابته في كلّ نادٍ، وبحّ الصوت من الصدح به في كلّ وادٍ..
وليتَ الأمر توقّف عند هذا الحدّ، فالأخطر من ذلك هو أنّ كل هذا المخاض يراد له أن يلد “خطوطاً عريضة” فقط، لاحظوا معي أن الرجل يتحدث عن مجرد رؤوس أقلام وليس عن الحَسم. ولأيّ شيء تصلح هذه “الخطوط العريضة أو الغليظة” يا سيدي المبعوث الاممي؟ إنها تصلح لإنشاء “آلية المصادقة على الاتفاق المحتمل”! يعني كل هذه العاصفة أو الإعصار “الأوراغون” ليس الهدف منها فض النزاع، وطيّ الملف الذي عمرت مفاوضاته 35 سنة وعمّر في اللجنة الرابعة 63 سنة؟ لا يا سادة، كلّ ما يطمح إليه الرسول الأممي هو خطوط غليظة.. ولأجل ماذا هذه الخطوط؟ من أجل آلية للمصادقة.. هل تقصد المصادقة على الحلّ النهائي يا سيادة الرسول المبعوث؟ لا، أقصد المصادقة فقط على الاتفاق الإطار.. وهل هو اتفاق مبرم ونهائي؟ كلاّ، إنه مجرد اتفاق “محتمل”.. وعلم الاحتمالات يقول بأن النتيجة 50/50 يعني مقامرة!
هل هذا كل شيء؟ لا يا سيدي المغربي ليس هذا كل شيء في سوق النخاسة “الديمستورية”! وهل هناك شرّ بعد كلّ الذي ذكرت؟ !نعم، إنّ الرسول المبعوث من طرف الأمم غير المتحدة ، يتناول في إحاطته مسألتين تكاد الوطنية تتفطر من هولها وتنشق الأرض من خطورتها: الأولى أن كل ما سبق ذكره من إطار وانسجام مع المبدأ وتقريرٍ للمصير وآلية للمصادقة وغيرها، يحتاج بعد البتّ فيه إلى آلية أخرى؟ كيف ذلك أصلح الله بال سيدي الرسول الأممي؟ ألم تُحدثنا آنفاً عن هذه الآلية؟ ليس ذاك، فالآلية الأولى للمصادقة على كِيت وكِيت كما اخبرتكم، أمّا الآلية الأخرى فتتعلق بتنفيذ الاتفاق “المحتمل”.. هل تقصد، رعاك الله، تنفيذ الحكم الذاتي ذي الأربعين صفحةً؟ لا يا سيدي! الآلية الأخرى ستتكفل بتنفيذ الاتفاق خلال “مرحلة انتقالية” فقط.. بمعنى أن القضية ستدخل إلى غرفة المداولة بعد انقضاء تلك المرحلة الانتقالية، والأمر يحتمل الطي النهائي، بعد عمر طويل، او العودة إلى أصل الحكاية وفصلها، وتحديد الهوية واللجان، ومانهاست وبرلين ولشبونة، والموائد والجولات المكوكية.. ولمّ الاستعجال؟ أليست العجلة من الشيطان؟
هل لديك اقوال أخرى؟ نعم سيدي، بعد إذنكم أودّ أن أشكر السيد دي مستورا لأنه أشاد بالزخم الدبلوماسي للقضية، ولأنه تفضّل وأقحم شيئاً جديداً بعد نعت “الحقيقي” المضاف إلى الحكم الذاتي، وبعد عودته إلى اقتراح “تقسيم الصحراء” الذي يتنافى مع تقرير المصير الذي يتشدق به في كل فقرة من تقاريره، ها هو ذا في إحاطته يطلب من المليشيات الانفصالية أن تتفضل علينا بصدقة، وتقدم لنا نيابة عن حاضنتها “تنازلات ضرورية”. نعم، فالجبهة وحاضنتها الجزائر ليستا في موقف المنهزم عسكرياً والمحاصر دبلوماسياً، والمتفكك داخلياً والمفلس إيديولوجيا، وليستا من المتورطين حتى النخاع في زعزعة استقرار جمهورية مالي بتحالف مع إرهابيّي القاعدة وفلول الانفصاليين، حاشا وكلاّ، إنهما في موقف المنتصر الذي تتوسل منه الامم المتحدة، على لسان دي مستورا الرسول الأممي، أن يُقدّما بعض التنازلات الطّفيفة للضرورة “الديمستورية” وليس للضرورة الشعرية..
وختاماً، سيدي المُفاوض، وبعد أن قبل المغرب دون احتجاج رسمي إضافة نعت “الحقيقي” إلى مقترح الحكم الذاتي، رغم ما يتضمنه من غمزٍ في المقترح المغربي وتشكيك في النوايا المغربية، وبعد أن قدّم المغرب مقترحاً تفصيلياً بطلب من المبعوث الشخصي، ها هو دي مستورا يطبق سياسة الاستنزاف الدبلوماسي التي نبّهنا إليها مرارا وتكراراً منذ تعيينه في المنصب سنة 2021، وها هو ذا يتبنى نفس المنهجية التي سار عليها أسلافه وأخصّ منهم بالذكر “كريستوفر روس”، في جرّ المغرب إلى تقديم المقترحات تلو الأخرى، وتقديم التنازلات خطوة خطوة، كما في قصة الضفدع مع حوض الماء الساخن، بينما الجزائر والجبهة الانفصالية المنهزمتان، ظلتا تعرقلان كل الحلول، وظلتا في موقف ثابت تُكرّران لازمة “حق الشعب المزعوم في تقرير المصير”، وهو حق أريد به الباطل والتضليل كما فصلنا فيه القول سنين عديدة وأزمنة مديدة، دون أن يَلتفت إلينا سعد أو يُصغي إلينا سعيد.. بل الجزائر وميليشياتها الانفصالية تطالبان بالمزيد من التنازلات، وهما ليستا في موقف إملاء المطالب.. والهدف هو تبديد الزمن المغربي، وربح الوقت الأممي، لأن استراتيجية الجزائر تعمل على الإبقاء على وضع الركود “statu quo”، فهو أفضل حلّ يخدم مخططاتها الكالحة، وأجندتها الداخلية والإقليمية.. في انتظار أن تمرّ العاصفة أو يتغير اتجاه رياح السياسة الدولية..
هذا هو رهان العدوّ الجزائري لمن راجع سلوكه الدبلوماسي منذ توقيع اتفاق 1991 تحت ضغط العشرية السوداء ورياحها الهوجاء.. وفي هذا السياق يسعى “دي مستورا” كسابقه “كريستوفر روس ” إلى تعطيل الحلّ، أو حتى قضم سيادة المغرب وانتزاع تنازلات جديدة، إذا وجد إلى ذلك سبيلاً واستغفل المفاوض المغربي كما فعل روس حين أقنعنا بقبول مناقشة الثروات وحقوق الإنسان، وهو بذلك كان يقضم السيادة المغربية في غفلة منّا، وكان يُعطي للجزائر متنفساً ومخرجاً للهروب إلى الأمام. وحين استقال من منصبه أظهر وجهه الحقيقي وانحيازه الفاضح للجزائر من خلال مقالاته.. نفس الخطة يسير عليها دي مستورا، خاصة وأنه يعلم الآن أنّ أيامه معدودة باقتراب نهاية انتداب الأمين العام للأمم المتحدة السيد “أنطونيو غوتريش”، الذي سيغادر البيت الزجاجي بنيويورك في ديسمبر 2026.
لذلك كلّه طالبنا منذ سنوات بإنهاء مهام دي مستورا لأسباب قانونية وأخطاء مهنية، وطالبنا قبل ذلك بإنهاء مهام “المنورسو”، وليس تجديدها أو تغييرها كما يُروّج له الآن في الكواليس، وطالبنا بطي الملف في اللجنة الرابعة بتقديم قرار مغربي خالص، عوض التوافق مع القرار الذي تتقدم به الجزائر كل سنة، ويصوت عليه المغرب دون تحفظ، يا للحسرة والخيبة! وطالبنا بإغلاق المخيمات في تندوف، وطالبنا بإلغاء المنطقة العازلة التي هي أراضي مغربية خالصة، تم تركها لمتابعة فلول الانفصاليين قبل اتفاق وقف إطلاق النار! وكتمرين تسخيني مُساعد طالبنا بطرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي، وأرفقنا كل مطلب باقتراحات عملية.
يا سادة، من هنا الطريق نحو الطي النهائي للملف.. وإذا لم يكن الاعتراف الأمريكي والفرنسي والزخم الدولي المرافق لهما سينفعنا في الدفع نحو إنهاء النزاع، فَفيمَ إذن يكون نفعهما؟ وفيمَ كل هذه الضجة الكبرى، إذا كان مبعوث يخلفه مبعوث، ومفاوضات تتلوها محادثات، وقرار يُعوضه قرار، دون آجل مسمى ولا سقف معلوم؟ ويستمر ابتزاز المغرب من طرف القوى الكبرى والصغرى، في كلّ صغيرة وكبيرة من كرة القدم إلى القفطان والصفقات العمومية والاستثمارات الدولية.. إلى متى سنقبل ونتحمّل هذا النزيف؟