أراضي الأجداد تُفجّر الجدل بسيدي بيبي… متابعات قضائية تفتح ملف الترامي والتعويضات المشبوهة

متابعة: رضوان الصاوي

عاد ملف ما يُعرف محلياً بـ“أراضي الأجداد” بمنطقتي سيدي بيبي وأيت عميرة إلى الواجهة بقوة، بعد تطورات قضائية جديدة فجّرت موجة جدل واسعة، عقب مثول عدد من المواطنين والمستشارين الجماعيين وبعض الكتّاب العموميين أمام المحكمة الابتدائية ببيوكرى، على خلفية متابعات مرتبطة بتفويت عقارات تقول الجهات الرسمية إنها تابعة لجماعة سلالية.

هذه التطورات دفعت جمعية “أكال” إلى إصدار بيان استنكاري بتاريخ 11 أبريل 2026، كشفت فيه أن مجموعة من ساكنة سيدي بيبي ومستشارين جماعيين وكتّاب عموميين توصلوا باستدعاءات من طرف وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية ببيوكرى للمثول أمام القضاء خلال جلسة 9 أبريل الجاري، للنظر في جنح تتعلق بتفويت عقارات يُقال إنها مملوكة لما يسمى بـ“الجماعة السلالية لأيت عميرة”، أو المشاركة في إعداد وثائق مرتبطة بهذه التفويتات.

واعتبر البيان (الذي حصلنا على نسخة منه) أن هذه المتابعات تعكس، وفق تعبيره، “منطق تضييق واتهام” تمارسه وزارة الداخلية باعتبارها سلطة الوصاية على الجماعات السلالية، متهماً إياها باللجوء إلى الضغط القضائي كلما تصاعدت مطالب الساكنة بكشف ما تصفه بـ“الحقيقة التاريخية” المرتبطة بملكية هذه الأراضي.

وحسب المعطيات المتداولة في الملف، فإن وزارة الداخلية، عبر عمالة اشتوكة أيت باها، تتقدم بهذه الشكايات بناء على ملتمسات صادرة عن المجلس النيابي الذي يمثل الجماعة السلالية المالكة للأراضي موضوع النزاع. غير أن هذا المجلس نفسه سبق أن وجد اسمه ضمن شكاية أخرى مرتبطة بملف الترامي على أرض جماعية بنفوذ الجماعة الترابية لسيدي بيبي.
فوفق مصادر مطلعة، تم تسجيل شكاية في الموضوع لدى المحكمة الابتدائية بإنزكان ضد مستثمر مغربي متهم بالترامي و الاستيلاء على أرض جماعية، و بعدما حصل على شواهد استغلال موقعة من طرف المجلس النيابي نفسه لفائدة أشخاص لا ينتمون إلى ذوي الحقوق في الجماعة السلالية المذكورة. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن المستثمر تمكن من الحصول على تنازل صادر عن أحد أعضاء المجلس النيابي دون الحصول على إذن السلطة الوصية مقابل طمس الفضيحة، ما فتح الباب أمام شبهات تتعلق بطريقة تدبير هذا الملف، حيث تم طمس الملف إلى غير رجعة…

وفي سياق متصل، تشير مصادر محلية إلى أن منطقة سيدي بيبي وأيت عميرة تعرف منذ سنوات تفشي ظاهرة إصدار قرارات تعويض لفائدة مقربين دون المرور عبر المساطر القانونية المرتبطة بنزع الملكية لفائدة المنفعة العامة، وهي قرارات يحيط بها كثير من الغموض وتثار حولها اتهامات بوجود وساطات وعمولات غير معلنة يستفيد منها بعض أعضاء المجلس النيابي أو جهات تحميهم. كما وجب التساؤل أين غاب المجلس النيابي الذي عمر لأزيد من أربعين سنة عندما تم تفويت أكثر من 25 تجزئة سكنية لفائدة غرباء عن المنطقة و أغلبهم ليسوا من ذوي الحقوق ؟ وكيف يحاسب المجلس النيابي الساكنة و أعضاؤه يوجدون في مقدمة البائعين للملك الجماعي ؟ حتى إن بعضهم لم يعد يملك سوى مسكنه ؟

و ارتباطاً بالبيان المذكور، شددت جمعية “أكال” على أن أصل النزاع يعود إلى ما تعتبره “تحفيظاً غير مشروع” لأراضي المنطقة باسم الجماعة السلالية، استناداً ـ وفق روايتها ـ إلى وثيقة تعود لفترة الحماية الفرنسية تشكك في الطبيعة الجماعية لهذه الأراضي. وترى الجمعية أن الساكنة ظلت لقرون تتصرف في هذه الأراضي بالبيع والشراء والاستغلال والتوارث، مستندة إلى وثائق شرعية وقانونية، قبل أن يتم إدراجها ضمن الأراضي السلالية عبر مسطرة طويلة بدأت خلال فترة الاستعمار واستمرت بعد الاستقلال.

كما انتقد البيان متابعة مواطنين أبرموا معاملات عقارية بعقود حررها محامون وصودق على توقيعاتها لدى مؤسسات رسمية، معتبراً أن هذه الوقائع تكشف عن تناقض بين مؤسسات الدولة نفسها، إذ تم التأشير على هذه العقود لدى مصالح كتابة الضبط بالمحاكم، كما صودق على إمضاءاتها لدى جماعات ترابية خاضعة لوصاية وزارة الداخلية، فضلاً عن أداء الرسوم والضرائب المرتبطة بها لفائدة الخزينة العامة.

وانطلاقاً من ذلك، ترى الجمعية أنه إذا كانت هذه المعاملات غير قانونية فعلاً، فإن تحميل المواطنين وحدهم المسؤولية يطرح إشكالاً قانونياً، معتبرة أنه من حق المتضررين اللجوء إلى القضاء لمطالبة الإدارات التي شاركت في توثيق هذه العقود أو استخلاص رسومها بإرجاع الضرائب والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.

كما اعتبرت الجمعية أن جرّ مواطنين ومنتخبين ومهنيين إلى المتابعات القضائية يمس بحقوق الملكية التي تؤكد الساكنة أنها تمتعت بها لقرون، متهماً القوانين المنظمة للأراضي السلالية بأنها امتداد لنصوص تشريعية وضعت خلال فترة الحماية الفرنسية واستُخدمت، وفق وصفها، لتسهيل مصادرة أراضي السكان الأصليين بدعوى التنمية.

وفي ختام بيانها، أكدت جمعية “أكال” استمرارها في الدفاع عن الحقوق العقارية لساكنة سيدي بيبي وأيت عميرة، والتصدي لما تعتبره محاولات لفرض الصبغة السلالية على أراضٍ تقول الساكنة إنها مملوكة لها تاريخياً.

ويأتي هذا التصعيد في وقت يتزايد فيه الجدل حول تدبير ملف الأراضي السلالية في عدد من مناطق المغرب، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والتاريخية والاجتماعية، مما يجعل هذا الملف أحد أكثر القضايا العقارية حساسية وتعقيداً على الصعيد الوطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.