شريط الأخبار

حين تصمت الرجولة وتتكلم النساء… وأطفال “الحفرة” يطالبون بحقهم في الحياة

متابعة : رضوان الصاوي

لم يكن احتجاج نساء دوار “الحفرة” بقصبة الطاهر، بالجماعة الترابية لأيت ملول، مجرد صرخة غضب عابرة، بل مشهد كامل لفشل تنموي مركّب، حيث اجتمع الإهمال، والصمت، وغياب الحد الأدنى من الكرامة في بقعة تنتمي إدارياً إلى واحدة من أغنى الجماعات الترابية بالجهة.

بعد التساقطات المطرية الأخيرة، تحوّل الدوار إلى مستنقع مفتوح: أزقة غارقة، أوحال في كل الاتجاهات، بالوعات صرف صحي مخنوقة بالأزبال، ومياه أمطار تتسلل إلى المنازل، خاصة بالطوابق السفلية. لا تبليط، لا قنوات صرف فعالة، ولا إنارة عمومية، وكأن الدوار خارج الجغرافيا وخارج الزمن.

وسط هذا المشهد القاتم، لم يكن اللافت فقط خروج النساء للاحتجاج بدل الرجال، بل تلك اللحظة العفوية التي اختزلت كل شيء. أثناء تصوير الوقفة، ارتفعت أصوات الأطفال، دون تنسيق ولا شعارات جاهزة. طفل صرخ: “نريد ملعباً لكرة القدم”، آخر صاح: “نريد دار الشباب”، بينما عبّر طفل ثالث عن حلم بسيط وصادم في آن واحد: “نريد أن نتعلم لعبة الشطرنج”.

لم يطلب الأطفال هواتف ذكية، ولا ترفاً، ولا امتيازات… طلبوا فضاءً للعب، للتعلم، وللهروب من الوحل. طلبوا حقهم في الطفولة، في التنشئة، في الحلم. صرخاتهم كانت أبلغ من كل البيانات الرسمية، وفضحت غياب أي رؤية اجتماعية أو ثقافية داخل الدوار.

في الوقت الذي تقدّمت فيه النساء إلى الصفوف الأمامية، رافعات صوت الاحتجاج، ظلّ واقع الدوار شاهداً على عجز السياسات المحلية عن توفير حتى الفضاءات الأساسية للشباب والأطفال. لا ملعب للقرب، لا دار شباب، لا فضاءات ثقافية، فقط ممرات بإسم شوارع موحلة وأحلام مؤجلة.

نساء الدوار، في تصريحات قوية، ناشدن عامل عمالة إنزكان أيت ملول التدخل العاجل لإصلاح وتأهيل المنطقة، مؤكدات أن “الحفرة” غاب عنها كل شيء، من البنية التحتية إلى أبسط مؤشرات المجال الحضري، حتى بشكل تدريجي. لكن صراخ الأطفال أعطى للاحتجاج بعداً أخطر: إنه إنذار مبكر بمستقبل يُهدر أمام أعين الجميع.
دوار “الحفرة” اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في أن يكون جزءاً من مدينة أيت ملول، لا هامشاً منسياً. وحين تضطر النساء لقيادة المعركة، ويضطر الأطفال للصراخ بأحلامهم أمام الكاميرات، فذلك يعني شيئاً واحداً: أن التنمية غائبة، وأن المسؤولية ضائعة بين المكاتب.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه : أي مدينة نريد، حين يطلب أطفالها ملعباً ودار شباب، ولا يجدون سوى الوحل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.