جريمة قتل الخادمة القاصر خديجة بالجديدة

يعود بنا ركن “من أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع، إلى فتح ملف قضية الخادمة القاصر بالجديدة من جديد، هذه القضية التي أسالت الكثير من المداد، وسلطت الضوء على الجحيم الذي تعانيه بين ظهرانينا آلاف الخادمات القاصرات من دون حماية..، حيث   اهتزت مدينة الجديدة الهادئة في أحد أيام صيف سنة 2011 الحارة، على وقع جريمة قتل مروعة ذهبت ضحيتها المسماة خديجة،11 سنة، نتيجة الضرب المبرح الذي تعرضت له على يد إبنت مشغلتها بسبب قميص غسلته بشكل لم يرقها..، ولم تتركها إلا وهي جثة هامدة…

* إعداد: عبد الحفيظ محمد

إشتهرت قرية أيمنتنوت الواقعة على سفح جبل جنوب مدينة مراكش على الطريق المؤدي إلى أكادير، كمشتل للخادمات القاصرات، حيث يتواجد وسطاء في العمالة المنزلية يملكون بها بيوتا. وتقصدها الأسر من جميع انحاء البلاد لجلب خادمات قاصرات نموذجيات يتميزن بالمواظبة والإنضباط والبساطة…

مجبرا لا بطل
كان المسمى محمد فلاحا بسيطا، يقطن بأحد الدواوير المجاورة. متزوج وأب لثلاث بنات، أكبرهن سنا قاصر لا يتجاوز عمرها 14 ربيعا، ورغم ذلك تعد في سن الزواج وفقا لعادات وتقاليد هذه المنطقة، وأصغرهن عمرها أربع سنوات. أما واسطة العقد فهي المسماة خديجة ذات الإحدى عشر ربيعا.

  1. فتاة لطيفة، ذات قسمات رقيقة تميز جمال وأصالة أمازيغيات الأطلس الكبير، مع وجنتين ذات لون قرمزي وعينان براقتان دهاء…
    وبما أن محمد كان يعاني من العوز وقلة الحيلة، وبات مسحوقا تحت وطأة الضرورة، قرر في بداية السنة الماضية تسليم ابنته خديجة للعمل كخادمة في بيت أسرة مراكشية مكونة من زوجين موظفين وثلاثة مراهقين، مقابل مبلغ شهري لا يتجاوز 400 درهما. ولما عاد بعد مرور شهر لتسلم أجرة عرق أكثاف ابنته، وجدها في حالة مزرية وتعاني من اكتئاب شديد، ومن ثمة قرر إعادتها إلى الدوار.
    منذ عودتها إلى الدوار، بدأت خديجة تعيش طفولتها بدون قيود كبقية أقرانها حتى اليوم الذي تمت مصادرتها منها من جديد. حيث قرر والدها محمد تسليمها مرة ثانية لتشتغل كخادمة لدى أسرة أخرى، لكن هذه المرة كان حذرا للغاية إذ حرص على اختيار لابنته امرأة متقدمة في السن من معارفه، متقاعدة ورصينة وتعيش وحيدة بمنزلها في الدار البيضاء. معتقدا أنها لن تصيب ابنته بأي مكروه، لاسيما لما حرصت المرأة على طمأنته بأنها ستشمل خديجة بالرعاية الكافية وستعاملها كواحدة من بناتها. وبعد ان اطمأن محمد بأن ابنته توجد في أيدي أمينة عاد إلى بيته مسرورا بأيمنتنوت في ربيع السنة نفسها، بعد نملها كواحدة من بناتها. وسارت الأمور لصالح الخادمة القاصر بشكل جيد، حتى اليوم الذي دخلت فيه ابنة مشغلتها المسماة جميلة إلى المشهد، وطلبت من والدتها أن تعير لها خديجة في نهاية كل أسبوع. فوافقت المشغلة على طلب ابنتها ولم تعارضه أو تقرنه بشروط واضحة وصارمة نظرا لصغر سنها وطراوة عودها، لاسيما وأنها تعرف بأن ابنتها فظة الطباع وعنيفة.
    فاصطحبت جميلة معها الخادمة الصغيرة إلى منزلها الواقع في حي الألفة بالدار البيضاء.
    ومرة هناك، لاحظت خديجة على الرغم من صغر سنها، أن ابنت مشغلتها جميلة ليست إمرأة فظة وعنيفة فحسب، بل إمرأة “مخموجة ” أيضا.
    كانت جميلة إمرأة في عقدها الثالث، فظة وعنيفة، كما كانت كسولة أيضا، حيث كانت تمضي كل وقتها أمام التلفزيون في متابعة المسلسلات التركية والمكسيكية، مما جعلها تهمل بيتها، وتنتظر حتى مجيء الصغيرة خديجة في نهاية الأسبوع لكي تغرقها في أشغال البيت التي تراكمت طوال الأسبوع.
    وكان زوج جميلة، شاب وسيم وثري، كما كان خنوعا ومستسلما لسيطرة زوجته التي كانت تحركه كما تشاء كخاتم في أصبعها، إلا أنه لم يكن يشتكي من تصرفاتها وكان يكتفي بالظهور بمظهر الأبله المغفل، الذي لا يعرف أمامها قول كلمة لا.
    وأمام فظاظة جميلة والأشغال الشاقة التي تنتظرها باتت نهايات الأسبوع متشابهة كالجحيم بالنسبة لخديجة في حضن ابنت مشغلتها. ولحسن الحظ، أنه ليس لدى الزوجين أطفال، وإلا لكان وضعها أسوأ، حيث كانت تتهالك تعبا في العمل لتجنب شلال التوبيخات من ابنت مشغلتها الفظة التي لم تكن تعير أي اعتبار لسنها وطراوة عودها.

العنف المعنوي
كانت مشغلة خديجة تملك منزﻻ ثانويا بمدينة الجديدة. ومع حلول فصل الصيف وبالضبط في أواخر يوليوز زارتها ابنتها جميلة، حيث طلبت منها مفاتيح المنزل لقضاء بضعة أيام مع زوجها هناك للترويح على نفسها وللاستجمام، كما طلبت منها بأن تسمح لخديجة بمرافقتها لكي تتمتع بمشاهدة أمواج البحر وتروح عن نفسها بعد شهور من العمل.
لم تتردد والدة جميلة في الموافقة على طلبات ابنتها. ومن ثمة شد الزوجين الرحال إلى عاصمة دكالة برفقة خديجة.
لكن هذه الأخيرة لم تتمتع برؤية زرقة مياه المحيط الأطلسي ولم ترتاح طول العطلة كما وعدت جميلة والدتها. ﻷن الزوجين كانا يغادران المنزل في الصباح ولا يعودان حتى وقت متأخر من الليل، تاركان خديجة في البيت مع شيء من الطعام.
وفي أوائل شهر غشت، عاد الزوجين إلى الدار البيضاء في ساعة متأخرة من الليل وظلا ساهران حتى مطلع الفجر. وفي اليوم الموالي، استيقظ الزوج في حدود الساعة الواحدة بعد الزوال على ضجيج صوت زوجته، وهي بصدد مد قطعة صابون إلى الخادمة الصغيرة لكي تغتسل. فغسل الزوج وجهه، وارتدى ملابسه وغادر المنزل لتناول وجبة الفطور في أحد المقاهي المجاورة بعد أن ركن سيارته بالقرب من أحد محلات غسل السيارات من أجل غسلها، ولم يعد إلى المنزل إﻻ في الساعة الثالثة بعد الظهر.

العنف الجسدي
عند عودة الزوج إلى المنزل التقى زوجته جميلة عند مدخل العمارة التي يقطن بها وهي شاحبة ومذعورة، حيث أبلغته بأن الخادمة خديجة أصابها مكروه ويجب عليهما إحضار عمتها، التي تعمل ممرضة في أحد مستشفيات الجديدة لكي تفحصها وتقف على حالتها، فلم يتردد الزوج في تلبية طلب زوجته، وذهبا معا لإحضار العمة الممرضة.
وبمجرد عودتهما بمعية الممرضة، صعدت هذه الأخيرة رفقة جميلة إلى الشقة. في حين فضل الزوج عدم الصعود إلى شقته ولو بدافع الفضول لمعرفة ما الذي جرى للخادمة القاصر حتى يقدم المساعدة إليها إن كانت في خطر. لأن هذا الرجل الجبان استشعر أن مصيبة أصابت بيته، وفضل الصعود على متن سيارته التي انطلق بها في اتجاه مدينة أكادير، من دون أن يخطر حتى زوجته بالأمر، التي كانت في موقف حرج للغاية. فهل أراد بهذا السلوك التخلص من زوجته على رأي المثل القائل “اللي دارها بيديه إفكها بسنيه”.
داخل الشقة، رأت الممرضة أن جسد الخادمة مسجى على أرضية صحن الدار، حيث انحنت على جسد الصبية لفحصها ومعرفة حالتها. ونظرا لخبرتها وتجربتها الطويلة في التمريض أدركت بأن الصبية قد سلمت الروح إلى بارئها. لكنها لم تخبر جميلة بالأمر مخافة أن ترتكب هذه الأخيرة حماقة وهي في حالة هستيرية، ﻻسيما وأنها تعرفها حق المعرفة. فحاولت إخبار زوجها بالأمر عبر هاتفها المحمول لكنه لم يرد على مكالماتها.
أمام إصرار الزوج على عدم الرد على مكالمات الممرضة، دفع هذه الأخيرة إلى الإتصال بالوقاية المدنية على خط الطوارئ. وبمجرد توصل مصلحة الوقاية المدنية بمكالمة الممرضة حتى حضر رجال المطافئ على الفور. لكن لما لاحظوا بأن الخادمة خديجة جثة هامدة، رفضوا نقلها إلى مستودع الأموات قبل مجيء الشرطة لمعاينة الجثة. فتم الاتصال بمصلحة الشرطة عبر رقم الهاتف 19. وعند مجيء عناصر الشرطة إلى عين المكان لاحظوا أن جثة الصبية تظهر عليها علامات الضرب على الرأس والجذع والأطراف.
مكنت تحريات الشرطة من العثور على أنبوب غاز مطاطي في المطبخ، وعلى نعل من البلاستيك، وعلى علبة أقراص الفيتامين. فسأل المحققون ربة البيت عما جرى. لكنها كانت تصرخ وتتمتم بكلمات غير مفهومة..، كما لاحظ المحققون انتفاخا في يدها اليسرى، ولما سئلت عن سبب ذلك الانتفاخ أجابت والدموع تنهمر من مقلتيها. وفي هذه الأثناء تم نقل جثة الصبية إلى مستودع الأموات بأمر من نائبة وكيل النيابة العامة التي انتقلت إلى مكان الحادث وكانت بالكاد تخفي تأثرها حيث أمرت بإجراء تشريح للجثة لتحديد أسباب الوفاة. في حين تم نقل جميلة إلى مركز الشرطة، حيث قضت الليلة رهن الحراسة النظرية.
وقد تم تأجيل استجوابها، لأنها كانت تحت الصدمة وعاجزة عن الكلام.
وفي صباح اليوم الموالي، انتقل المكلف بالتحقيق في ملف وفاة خديجة إلى مصلحة الطب الشرعي حيث تم إخراج جثتها من الثلاجة.. وبرفقة الطبيب الشرعي لاحظ المحقق آثار تعذيب واضحة على مختلف أجزاء جسم الضحية. وقد أكدت نتائج عملية التشريح أن وفاة الخادمة القاصر كانت نتيجة أعمال عنف خطيرة مورست عليها…

أطفال من دون حماية

ولما عاد إلى مصلحة الشرطة متأبطا تقرير الطبيب الشرعي، دعا إحدى زميلاته مفتشة شرطة وطلب من الجميع الخروج وتركها مع جميلة.
طلبت المفتشة من جميلة بأن تخلع ملابسها، الشيء الذي استجابت إليه هذه الأخيرة، حيث تمكنت المفتشة من معاينة بالإضافة إلى انتفاخات على الذراع هناك كدمات وخدوش على ساقيها.
ووفقا لتقرير المعاينة الذي أعدته المفتشة، تأكد الضابط بما لا يدع مجالا للشك أن الصبية دافعت عن نفسها بكل ما استطاعت من قوة أمام جبروت وقساوة ابنت مشغلتها.
وبعد أن خرجت جميلة من الصدمة وباتت قادرة على الكلام بدأ الضابط في استجوابها، حيث جاء في اعترافاتها أنه، في صباح يوم الحادث، استيقظت عند منتصف النهار، وذهبت إلى المطبخ ورأت الصغيرة جميلة تقوم بغسل الملابس، وكانت تمسك في يدها قميص زوجها، الذي حرصت على التأكيد أنه تم شراؤه بثمن 750 درهما، وقد أتلفته لما غسلته بيديها بدلا عن الغسالة، ولطخته بماء جافيل، فاستشاطت غضبا وبدأت في توبيخ الخادمة القاصر. ولما ردت هذه الأخيرة بكلام لم يرقها خلعت حذاءها وبدأت في تعنيف الصبية حيث وجهت إليها سيلا من الضرب المبرح بواسطة حذائها البلاستيكي على مستوى الرأس والساقين.
وحينما حاولت الخادمة إمساكها من يدها اليسرى لتفادى ضرباتها، قامت جميلة بضربها بعنف في مختلف أجزاء جسمها. لكن النقطة التي أفاضت الكأس هي لما خدشت الخادمة ساقي ابنت مشغلتها، حيث في هذه اللحظة تخلت جميلة عن حذائها وأمسكت خرطوم مطاطي وانهالت على الصغيرة بالضرب المبرح بكل قسوة وجبروت. ولما حاولت الخادمة القاصر الهروب من مخالب ابنت مشغلتها انزلقت وسقطت على رأسها. وفي هذه الأثناء تحولت جميلة إلى مسعفة حيث حاولت عبثا إنعاش الصبية عن طريق رشها بالماء البارد. لكن الخادمة القاصر فارقت الحياة…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.