من أرشيف الجريمة في المغرب: “الإنسان، هذا الكائن البشري المجهول”
ينقلنا ركن “من أرشيف الجريمة في المغرب”، لهذا الأسبوع، إلى مدينة خريبكة التي كانت في خريف سنة 2011, مسرحا لجريمة قتل بشعة ارتكبها بقال بواسطة السلاح الأبيض, بدافع الإحساس ب”الحكرة” والإهانة، وذهب ضحيتها شخص في عقده الرابع، استفزت سلوكاته الفضة المتكررة صاحب محل بقالة واقع بنفس الزقاق حيث ولد وترعرع، فأصيب بحالة هيجان شديد جعله يهرع إلى منزل والديه حيث استولى على سكين وباغث غريمه بسيل من الطعنات في مختلف أجزاء جسده ولم يترك له أي فرصة للدفاع عن نفسه أو حتى معرفة هوية المعتدي.
وهكذا، تحول البقال بعد إحساسه بالذل و”الحكرة” بسرعة إلى قاض إقطاعي يرى أنه كان على حق حينما أزال المنكر بيده وخلص سكان الزقاق من شخص سيء ووقح…
*إعداد: عبد الحفيظ محمد
بداية، عنوان قضية هذا الأسبوع مستعار من العمل الشهير للباحث الفرنسي “الكسيس كاريل” الصادر في القرن الماضي تحت عنوان “الإنسان، هذا الكائن البشري المجهول”. وهذا المقال لا يدعي شرح أو التعليق على محتوى هذا العمل الرائع، الذي أثار حينها جدلا واسعا، ولا يزال يثير حتى اليوم انتقادات لاذعة في جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك، فإن الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو إثبات وجود صلة بين الخصائص النفسية والفسيولوجية للإنسان وتسليط الضوء على ازدواجية الجسم والعقل لدى أي كائن بشري.
هذه الخصائص، التي وفقا للمؤلف، لم يتم دراستها بشكل كاف حتى الآن بالطريقة التي كان يمكن فيها تحديد الطبيعة الحقيقية للإنسان بدقة، وذلك على الرغم من التقدم الحاصل، الذي لا يمكن إنكاره، في جميع التخصصات العلمية والأمبريكية.
وبعلاقة مع الملف الإجرامي موضوع عدد هذا الأسبوع، فإن النقص المعرفي حول الكائن البشري يتعزز بدقة من خلال دافع سخيف أدى بالقاتل إلى ارتكاب جريمته. إذ سدد شخص في حالة غضب مدفوعا بشعور بسيط بالانتقام وبمبرر بما يمكن تسميته بالإهانة، عشر طعنات قاتلة أمام الملأ لبني جلدته حيث لم يتركه إلا وهو جثة هامدة على الرغم من أن العديد من الفضوليين الذين كانوا شهودا على هذه المأساة حاولوا بقوة توقيف عملية الإبادة، لكن من دون جدوى.
وكانت حصيلة هذا السلوك الوحشي دخول امرأة مع طفليها في سن مبكر في حداد على الخسارة المفاجئة لمعيلهم الوحيد، من جهة. وقبوع شاب في عمر الزهور خلف القضبان لفترة طويلة بتهمة ارتكاب جريمة قتل، من جهة أخرى. والتي كان من الممكن تفاديها منطقيا، لأن لا شيء كان يبررها حقا.
بداية القضية
تعود وقائع هذه القضية, التي هزت ساكنة مدينة خريبكة, إلى شهر دجنبر من سنة 2011. حيث كان المسمى (م,ه)، 29 سنة، عازب، يشتغل في محل للبقالة واقع في أحد الأحياء الشعبية بالمدينة. في حين كان جاره في بداية ظهر هذا اليوم، المسمى (م.أ) يبلغ من العمر 36 سنة بدون عمل وصاحب سوابق مشهور ومتزوج وأب لطفلين لم يبلغا بعد سن التمدرس، شبه عار وعلى ما يبدو في حالة هلوسة تامة بسبب احتسائه للمشروبات الكحولية أو تناوله للمخدرات، حيث كان يعربد في الشارع، ويصرخ بصوت عال وبكلمات نابية تخدش الحياء ومهينة موجهة سواء للتجار أو ضد المارة، طالبا من هؤلاء مده بشيء من المال بدعوى قيامه بعمل مزعوم كحراسة الحي خلال الليلة الماضية، وذلك في عملية ابتزاز مكشوفة للحصول على مصروف الجيب.
وأمام حدة السباب والكلمات النابية التي كان يتفوه بها (م.أ) أمام الملأ من دون أدنى مراعاة لمشاعر السكان 8والمارة، أحس (ه.م) عن حق أو خطأ أن تجارته 6ع المتواضع كانا مستهدفين بسبب الفوضى الصادرة عن ما وصفه بالرجل الوقح والدخيل، ولم يستطع بالتالي السيطرة على أعصابه أو التحكم في حالة الحنق الذي أصابه. وفجأة توجه مسرعا نحو (م.أ) مصدر الفوضى في محاولة لتهدئته ومطالبته بأن يغير سلوكه ويتعامل باحترام مع غيره. لكن (م.أ) لم يستسغ تصرف التاجر الذي نهاه عن ما اعتبره هذا الأخير منكرا يجب تغييره بلسانه بذل التصرف تجاه هذا الساقط بأضعف الإيمان كما عمل غيره. فأصابه حنق شديد وعمته سحابة غضب بعد أن اثار حفيظته ما اعتبره تدخلا في “شؤونه الخاصة”، فاقترب من التاجر وأمسكه من خناقه وبحركة سريعة أسقطه أرضا، حيث كان بصدد أن يلقنه درسا بتوجيه سيل من اللكمات إليه لولا تدخل بعض المارة الذين تمكنوا من فض الاشتباك وتخليص التاجر من قبضة هذا السافل من دون حدوث خسائر أو تبادل للعنف.
نقطة اللا عودة
وفي الوقت الذي عاد فيه (ه.م) إلى متجره، بدا (م.أ) هادئا وغادر مكان الحادث بهدوء وكأنه عاد إلى رشده بفعل سحر ساحر. ولم يعد يظهر له أثر منذ ذلك الحين وكأن الأرض ابتلعته، حتى اليوم التالي حيث عاد في الوقت نفسه تقريبا إلى الظهور من جديد في الزقاق، في حالة نشوة وبصراخه المعتاد والمستفز، وبنفس الطريقة كما حصل بالأمس، ومكررا نفس الكلام النابي والسب والقذف.
فعودة (م.أ) إلى إعادة انتاج نفس السلوك في الزقاق وبالقرب من محل التاجر (ه.م) استفز هذا الأخير، الذي أصابته حالة من الغضب الشديد جعلته يهرع إلى منزل والديه حيث استولى على سكين مطواة واتجه نحو غريمه، الذي تشجار معه بالأمس، حيث وجه إليه عدة طعنات بواسطته في مناطق مختلفة من جسده ولم يترك له أي فرصة للدفاع عن نفسه أو حتى أن يتعرف على من هاجمه.
شريعة الغاب
وهكذا، تحول (ه.م) بسرعة إلى قاض إقطاعي بعد إحساسه بأن كرامته أهينت، وبعد شعوره بالذل والحكرة. فأخذ حقه بيده حيث نفذ حكمه بالإعدام في حق شخص كان بالتأكيد وقح واستفزازي، إلى درجة أصبح لديه يقين بأنه كان على حق في إزالة المنكر ورد اﻻعتبار إلى كرامته التي أهينت أمام جمهرة من الزبائن والجيران والمارة الذين شاهدوا المشاجرة التي وقعت بالأمس في الحي الذي ولد فيه وترعرع، وحيث يحظى باحترام الجميع. فكل هذه الأشياء وظفها (ه.م) بشكل سخيف وغبي لتشكل دافعا حتى يتسنى له اﻻنتقال إلى الفعل بإزهاق روح شخص اعتبره في نهاية المطاف كعدو لذوذ تجرأ على إذلاله علنا.
وهكذا وحتى قبل هذا التاريخ المشؤوم، كان (ه.م) مواطنا صالحا ﻻ تلومه لومة لائم، يكسب لقمة عيشه بعرق جبينه، طامحا ربما في حياة مزدهرة ومستقرة حتى نهاية حياته قبل أن يرهن حياته الخاصة عندما أعلن الاقتصاص في المدينة بقتل بني جلدته بحركة غارقة في الأنانية، ولم يفكر فيها بشكل جيد ومن أجل دافع يبقى على الرغم من كل شيء غير عقلاني وغير مسؤول للغاية وغير منطقي وغير مقنع سواء بالنسبة إليه أو بالنسبة لهيئة القضاة الذين سينظرون في قضيته.
وانطلاقا من وقائع القضية أعلاه، ألم يكن “الكسيس كاريل” على حق عندما اعتبر أنه على الرغم من التقدم الحاصل في المجال العلمي، فإن ﻻ العلم بكل شعبه، وﻻ الملاحظة التجريبية، لم يتمكنوا بعد من تسليط الضوء على السر الذي يشكل الكائن البشري..!!