“تقاعد مستحق” لقاتلة وراء قضبان السجن..

ينقلنا ركن من “أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع إلى مدينة الزهور المحمدية، المتربعة على ضفاف المحيط الأطلسي، التي اهتزت مطلع سنة 2010 على وقع جريمة قتل بشعة، ذهب ضحيتها رجل في الخمسينات من العمر على يد عشيق طليقته، الذي وظفته كأداة لتنفيذ مشروعها الإجرامي بعد أن غمرته بالوعود المعسولة، بدافع الانتقام من زوجها والاستيلاء على ثروته،…، لكن نتائج التحقيق أتت بما لا تشتهي أطماعها ومعاكسة لمخططها الإجرامي.. حيث ستقضي بقية عمرها خلف القضبان.

*إعداد: عبد الحفيظ محمد

في سن المراهقة، غادر المسمى (م.ه) مسقط رأسه مدينة سطات للاستقرار نهائيا بمدينة المحمدية. وظل منذ ذلك الحين يكد ويعمل بجد ونشاط لكسب قوت يومه بعرق جبينه.

وبعد أن كون ثروة صغيرة، فكر في الدخول إلى القفص الذهبي، حيث تزوج المسماة (ت.ب، 37 سنة) والتي رزق منها بأربعة أبناء، ولد وثلاث بنات…

حياة سعيدة ولكن..
عمل (م.ه) طوال مساحة زمنية هامة من شبابه، في إحدى المقاولات المتخصصة في الصناعات الغذائية، وهذا العمل كان يأخذ معظم وقته، حيث كان هدفه الوحيد هو تحقيق السعادة والعيش الكريم لأسرته .
وبما أنه كان يتنقل كثيرا في إطار عمله عبر جميع أنحاء البلاد، فإن ذلك كان يمنعه من معرفة ما يجري ويدور من حوله.

وبالتالي، كان آخر من يعلم بما كانت تفعله زوجته الخائنة لعهد الزوجية أثناء غيابه. حيث كان كل جيرانه تقريبا على علم بالعلاقات التي كانت تقيمها (ت.ب) خارج نطاق مؤسسة الزواج مع شباب من مختلف الاتجاهات والذين كان لديها رغبة ظلت مستترة في معاشرتهم.
وبعد مرور عقدين من الزمن في العيش تحت سقف واحد مع زوجته، أصبح (م.ه) غنيا ومن أصحاب الثروات، فانقطع عن التنقل خارج مدينة المحمدية، واكتفى بالأرباح المهمة التي بات يجنيها من استثمار أمواله في المجال التجاري. الشيء الذي مكنه من التوفر على مزيد من الوقت أصبح يخصصه لأسرته.
لكن سلوك زوجته وأم أولاده المنافي للأخلاق، الذي أمسى حديث الخاص والعام، بدأت تصل إليه بعض أصدائه من هنا وهناك.

وأمام استمرار الشائعات التي كانت تصل إليه وتعكر صفو حياته وضع خطة لرصد جميع تحركات زوجته لوضع حد لكل تلك الإشاعات ولفرز الغث من السمين. لكن جريه وراء معرفة سلوكات زوجته لم تتأخر نتائجه في تأكيد تلك الشائعات التي كانت تغذي شكوكه..

وسط جحيم الشائعات
وفقا لشهادات الجيران، كان (م.ه) رجل شرف ويف بالتزاماته، كما كان رجلا طيبا وإنسانا تقيا ويتمتع بسمعة طيبة سواء في الحي حيث يقيم منذ سنوات أو في عالم الأعمال الذي عمل فيه لمدة طويلة، وزاده تقديرا ووقارا مواظبته على أداء فريضة الصلاة في المسجد القريب من مقر سكناه.
وعلى الرغم من ارتباطه العاطفي القوي بأبنائه الأربعة، لم يستطع تحمل الاهانة والذل والعار الذي يجلبه سلوك زوجته إليه وإلى أسرته.

وفي خطوة مفاجئة وغير متوقعة، لم يتردد في طلب تطليق زوجته حيث حصل على ما أراد من خلال إتباعه للمسطرة القانونية، أي الطلاق الصريح ممن كانت في الأصل سببا في أكبر خيبة أمل في حياته.
وبما أنه لم تكن تنقصه الإمكانيات، ولم يكن بخيلا سارع إلى استئجار شقة فاخرة في وسط المدينة لزوجته السابقة وأبنائها، مع الالتزام الدقيق بموعد منحهم شهريا ما يكفي من المال لتلبية احتياجاتهم…
وبعد مرور زمن قصير على انفصال الزوجين رأى (م.ه)، الذي يحمل على كثفيه عمرا يناهز 57 سنة، بأن الفيلا التي كانت تعيش تحت سقفها أسرته لم تعد مناسبة لرجل واحد. فعرضها للبيع، وبمجرد أن تسلم مبلغها خصص جزءا منه لشراء شقة مريحة في المدينة، حيث انتقل للسكن فيها من دون أن يمنع أولاده من زيارته عندما يرغبون في ذلك، وأودع باقي المبلغ في أحد بنوك المدينة…

انتقام امرأة
بعد أن طلقها زوجها، وانفجرت أسرتها، وأدركت أنها خرجت من المورد بدون حمص بسبب مبادرة زوجها والتي اعتبرتها من جانب واحد، أصيبت (ت.ب) المطلقة بإحباط شديد، وبما أنها كانت تربطها فعلا علاقة عاطفية خارج إطار الزوجية مع شاب شرير من أصحاب السوابق المسمى (ن.ر)، (23 سنة)، بدأت تراودها رغبة جامحة وشعور لا يقاوم بالانتقام من الرجل الذي ترى أنه قد دمر حياتها من خلال حرمانها من ما تعتقد أنه حق من حقوقها (نصيبها من الفيلا وفي كل الثروة التي بات يكتنزها زوجها السابق )، ولم تكن مستعدة لإطفاء نار الانتقام المشتعلة في صدرها، أو طي صفحة طليقها بسهولة وبشكل نهائي…

ميكيافلي مر من هنا!
تحت تأثير غضبها الجامح ونار الانتقام المشتعلة في صدرها، الذي لم يعد فيه فسحة للأمل، وضعت (ت.ب) خطة ميكيافلية تستهدف التصفية الجسدية لزوجها السابق، الذي ترى أنه أضر بها كثيرا.

ولتنفيذ مشروعها الإجرامي لجأت إلى خدمات عشيقها، بمساعدة شريك ينتمي إلى نفس الوسط السيئ السمعة، وهو المدعو (ت.ل، 20 سنة)، حيث غمرتهما بوعودها المعسولة وبأنها ستحقق لهما كل ما يتمنيانه بمجرد ما يتم تنفيذ المهمة الإجرامية التي كلفتهما بتنفيذها.
ومع بدء العد العكسي لتنفيذ مشروعها الإجرامي، اتصلت (ت.ب) بعشيقها وشريكه حيث زودتهما بالعنوان الجديد لزوجها السابق، فضلا عن رقم هاتفه المحمول، حتى يتمكنا من الاتصال به وتحديد مكانه ومن ثمة التعرف عليه مباشرة لكي لا يخطئوا الهدف. وذلك بالإدعاء بكونهما مهتمان بشراء قارب صيد تقليدي الذي عرضه المعني بالأمر للبيع، ومن هناك يسهل استدراجه وتصفيته جسديا.
وهكذا، ووفقا للخطة المرسومة لتنفيذ مشروعها الإجرامي أعد المسمى(ن.ر) وشريكه(ت.ل) كل شيء مسبقا للمرور إلى الفعل، بما في ذلك ربط الاتصال الهاتفي مع الهدف، والقيام بحصص المراقبة واقتفاء أثره بسرية تامة للتعرف على عاداته، والأماكن التي يتردد عليها، ونمط حياته، وحيازة سلاح الجريمة (سكين) واقتناء قفازات لوضعها وقت تنفيذ الجريمة لكي لا يتركا بصماتهما على مسرح الجريمة.
وكما تم الاتفاق عليه، فغداة أحد أعياد الأضحى قام الشريكين، (ن.ر) و(ت.ل)، بإقتفاء أثر (م.ه)، وذلك منذ خروجه من المسجد حيث أدى صلاة العشاء حتى عودته إلى منزله.

وفي الوقت الذي ظل فيه (ن.ر) يلازم الهدف كضله في انتظار أن يفتح باب شقته، تكلف شريكه بعملية المراقبة و رصد المنطقة.
وبمجرد ما هم الضحية بالدخول إلى شقته حتى فاجأه (ن.ر) ماسكا سكينا في يده، فدفعه بعنف إلى الداخل، وبعد أن أغلق الباب وجه إليه سيل من الطعنات وصل عددها إلى 12 طعنة على مختلف أجزاء جسده بحيث لم يترك له أدنى فرصة للدفاع عن نفسه على الرغم من محاولاته في هذا الاتجاه، والتي كشفت عنها نتائج التحريات التي توصل إليها التحقيق في مسرح الجريمة.
وبعد ارتكابه لجريمته الشنيعة، استولى الجاني (ن.ر) على بعض حاجيات الضحية (دفاتر شيكات، ومبلغ مالي متواضع، وبطائق التأمين البنكية والهاتف المحمول على وجه الخصوص) قبل ان يلتحق بشريكه والعودة إلى بيته.

ومن هناك، اتصل هاتفيا بعشيقته ليخبرها بأن مخططها تم تنفيذه وفق ما اتفق ومن دون أي صعوبة تذكر. وحينئذ نصحته بأن يتخلص في أقرب وقت ممكن من كل الآثار التي تربطه بهذه الجريمة.

أم كذابة وممثلة رديئة
بعد توصلها بمكالمة من عشيقها يبشرها فيها بأنه نفذ الخطة المتفق بشأنها بشكل تام، تنفست (ت.ب)، سلمته إلى واحدة من بناتها الثلاث، طالبة منها حمله إلى والدها في شقته، كتعبير عن تهانيها له بمناسبة عيد الأضحى، وذلك في محاولة منها لإبعاد أي شبهة ضدها حول علاقتها بجريمة قتل زوجها السابق.

لم تتردد الإبنة في تلبية رغبة والدتها، لاسيما وأنها مناسبة سانحة لرؤية والدها لكي تبارك له بدورها عيد الأضحى، فأسرعت في الذهاب إلى منزل والدها حيث أصيبت بصدمة لما شاهدته وهو جثة هامدة مضرج في بركة من الدم.
وبعد أن امتصت الابنة آثار الصدمة، أبلغت والدتها بما رأت بأم عينها. فنصحتها هذه الأخيرة بأن تنتظرها في عين المكان لإبلاغ مصالح الشرطة بما رأت…

الدافع لارتكاب الجريمة

وهكذا، نرى كيف يمكن لأم طائشة، جشعة ومتشبعة بالكراهية ولها طموح للوصول إلى ثروة زوجها السابق عن طريق الميراث، لم تتردد في وضع خطة ميكيافلية تهدف إلى التصفية الجسدية لهذا الأخير، لكن خطتها لم تضمن لها في نهاية المطاف سوى تقاعد مستحق وراء قضبان السجن لفترة طويلة بسبب خطورة الاتهامات الموجهة إليها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.