إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة تحت قبة البرلمان… بين رهانات الإصلاح وحدود تقنين المشهد الإعلامي
متابعة: رضوان الصاوي
في خطوة تشريعية جديدة تعكس حجم التحولات العميقة التي يعيشها الحقل الإعلامي بالمغرب، صادقت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك بأغلبية 12 نائبا مقابل معارضة 7 نواب دون تسجيل أي امتناع، في تصويت يعكس في الآن نفسه إرادة الإصلاح واستمرار الجدل المهني حول مستقبل الهيئة المنظمة لقطاع الصحافة.
هذه المصادقة لا تأتي في سياق تقني بسيط، بل تندرج ضمن مسار طويل من التحولات التي عرفها المجلس منذ تأسيسه، حيث ظل هذا الإطار التنظيمي، الذي أُحدث ليكون آلية للتنظيم الذاتي للمهنة، محط نقاش واسع بين الفاعلين الإعلاميين والهيئات المهنية، بين من يراه ركيزة أساسية لتقوية أخلاقيات المهنة وحماية استقلالية الصحافة، وبين من يعتبره مجالا لصراع التأويلات القانونية والتوازنات المهنية داخل الجسم الصحافي.
مشروع القانون الجديد يسعى، وفق الصيغة التي صادقت عليها اللجنة البرلمانية، إلى إعادة ترتيب البيت التنظيمي للمجلس، من خلال مراجعة قواعد اشتغاله وتوسيع صلاحياته بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الإعلامي، خصوصا في ظل الثورة الرقمية، واتساع فضاء النشر الإلكتروني، وتعاظم التحديات المرتبطة بالأخبار الزائفة وضبط أخلاقيات المهنة.
كما يهدف النص إلى تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة داخل هذه المؤسسة، وإرساء آليات أكثر وضوحا لتنظيم المهنة، بما يحقق التوازن الدقيق بين حرية التعبير من جهة، والمسؤولية المهنية واحترام الضوابط الأخلاقية من جهة أخرى، وهي معادلة أصبحت أكثر تعقيدا في زمن الإعلام الرقمي والمنصات المفتوحة.
غير أن الطريق نحو اعتماد هذا القانون لم يكن معبّدا بالكامل، إذ رافق مساره نقاش مهني محتدم داخل الأوساط الصحافية، حيث عبّرت عدة تنظيمات وهيئات مهنية عن تحفظها على بعض مضامين المشروع، مطالبة بتوسيع دائرة التشاور قبل الحسم في نص قانوني يهم أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا في الحياة العامة.
ويرى منتقدو الصيغة الحالية أن إصلاح المجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن ينجح إلا إذا جاء ثمرة توافق واسع بين مختلف مكونات الجسم الصحافي، معتبرين أن أي إعادة هيكلة لهذا الإطار يجب أن تنطلق من حوار مهني عميق يضمن تمثيلية عادلة ويحصّن مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة.
في المقابل، يعتبر مؤيدو المشروع أن اللحظة الراهنة تفرض تسريع إصلاح الإطار القانوني المنظم للقطاع، خصوصا بعد سلسلة من الاختلالات والتوترات التي طبعت عدة محطات من تجربة المجلس خلال السنوات الماضية، وهو ما جعل مسألة إعادة تنظيمه تطرح بإلحاح داخل النقاش العمومي والمهني.
وبين من يرى في القانون الجديد فرصة لإعادة بناء الثقة داخل الحقل الإعلامي، ومن يتخوف من أن يتحول إلى محطة أخرى من محطات التجاذب داخل الجسم الصحافي، يبقى السؤال الأكبر مطروحا: هل يشكل هذا النص بداية مرحلة جديدة في مسار إصلاح الصحافة المغربية، أم مجرد حلقة أخرى في مسلسل إعادة ترتيب التوازنات داخل أحد أكثر القطاعات تأثيرا في الرأي العام ؟