“من أرشيف الجريمة في المغرب”.. حينما ينتصر الكذاب على الطماع..!!
نتناول في ركن “من أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع، قضية بطلها أحد المدراء المركزيين، الذي كان يزاول مهامه بولاية فاس، قبل أن يتم توقيفه من قبل عناصر الشرطة القضائية بنفس المدينة، حيث كان محط شكاية بتهمة النصب والاحتيال والتزوير. والضحية شخص كان يكرر على مسامع جالسيه في كل مناسبة وحين، بأن من ينجح في اصطياده بواسطة شباك النصب والاحتيال لازال لم يولد بعد…
*إعداد: عبد الحفيظ محمد
بدأت فصول هذه القضية، حينما التقى كل من علال وصادق بالصدفة، في أوائل السنة قبل الماضية في حي بدر بفاس، وذلك بعد مرور مسافة زمنية ليست بالقصيرة، حيث ينحدر الإثنان من العاصمة العلمية، ويعرفان بعضهما جيدا، لكن تكاليف الحياة أبعدت بينهما إذ فقدا الاتصال. وبعد أن تعانقا بالأحضان جلسا في أحد المقاهى يرتشفان كؤوس الشاي بالنعناع ويتبادلان أطراف الحديث.
اصطياد الهمزات
كان المسمى (علال.ه) أكبر سنا من صادق، فهو فلاح ثري في عقده السادس، متزوج وأب لطفلين، ويقطن بمدينة فاس. وقد بنا أيضا جزءا كبيرا من ثروته عن طريق لعب دور الوسيط (سمسار) في الحصول على مأذونيات النقل، لاسيما في فئة سيارات الأجرة.
كانت هذه المهنة موجودة منذ سنوات طويلة حتى أنها مربحة بالنسبة لمن يعرف خباياها وأسرارها. حيث ترتكز هذه الخدمة على القيام بدور الوسيط بين المستفيدين من رخص النقل، الذين غالبا ما ينحدرون من أوساط معوزة ولا يعرفون كيفية تدبير هذه الهبة التي نزلت عليهم من السماء، والسائقين الذين يبحثون عن رخصة نقل، ولكن لا يعرفون كيفية الحصول عليها أو الجهات التي تمنحها.
والوسيط الشاطر في هذه المهنة، هو من يستغل شبكة العلاقات، التي نسجها على مدى سنوات، ليكون صلة وصل في معادلة العرض والطلب مقابل عمولة.
إلا أن المنافسة في هذا المجال باتت شرسة. ولو أنه ليس هناك أسرارا لكي تكون “وسيطا جيدا في المأذونيات”، حيث يكفي أن تكون أول من يتوصل بالمعلومة قبل أن يتمكن آخرون من اصطياد الهدف، حيث يفتح المزاد وتشتعل أرقام “لحلوات”(رشوة) وعلى سائق الطاكسي أداء الفاتورة على الجميع؛ أي المستفيدين من اقتصاد الريع الذي بات في هذه الأيام عندنا محط انتقادات.
ومن هنا، فإن قوة الوسيط في انتزاع رخص النقل ترتكز على الوصول إلى المعلومة قبل الآخرين حول من سيتسلم رخصة طاكسي قبل. وفي هذه الحالة، يجب عليه “ضرب الحديد محدو سخون” على رأي المثل الشعبي، حيث يكون له زمام المبادرة على منافسيه، وقد رأينا كيف يحاول محتالو هذا الوسط، إيهام المستفيدين السذج، بأنه من دون وساطتهم لما حصلوا على رخصة سيارة الأجرة، وكل ذلك لدفعهم على التوقيع لصالحهم. ولكن كما هو الحال في جميع المجالات، فإن قطف المعلومة قبل الآخرين له ثمن، كما يجب أن يحاط بسرية تامة.. وقبل هذا وذاك أن تكون لك معرفة بأحد المسؤولين بالولاية.
عاقبة الطمع
يعرف على علال في شبابه أنه كان سائق سيارة أجرة، وكان أيضا مندوبا نقابيا في اتحاد المهنيين بمدينة فاس. وكان على معرفة جيدة بجميع خبايا المهنة ودروبها المتشعبة، والحيل السائدة في هذا الوسط، كما كان على علم “بمن يفعل ماذا” في هذه المهنة، بحيث كان مطل٥5عا على كل شاذة وفادة. وقد يمكن حتى أن يقول لك من دون أن يغمض له جفن بأنه “ما شي ياللاه قطر به السقف”، كدليل على أن له باع طويل في المهنة، أو يردد على مسامع جالسيه بأنه “ﻻ زال لم يولد بعد الشخص الذي يمكن أن يعمل له مقلب”.
لكن علال لم يكن يعلم بأن الشخص الذي يجلس الآن بجواره هو واحد منهم. اسمه (صادق.د)، 53 سنة، هو أيضا متزوج وأب لطفلين. وكان يعرفه علال في الوقت الذي كان فيه سائق طاكسي، كمسؤول رئيسي في مصلحة الشؤون الاقتصادية. وهذه المصلحة التي يشرف عليها صادق هي من تسلم رخص سيارات الأجرة على وجه التحديد، والتي تتدخل أيضا لنزع فتيل الأزمات عندما يكون مهنيو القطاع، لسبب من الأسباب، يهددون بالإضراب.
وبما أن علال لم يلتق صادق منذ فترة طويلة، فإنه يرى بأن هذا اللقاء العرضي هو فرصة سانحة لإعادة اللحمة من جديد للعلاقات التي كانت قائمة بين اﻻثنين، وذلك لتسهيل – من يدري – الحصول على مأذونية نقل ولم ﻻ بعض الخدمات الأخرى…
لكن صادق لم يخيب ظن جليسه. حيث رد عليه بكل فخر واعتزاز، بين رشفات كأس شاي بالنعناع، بأنه استطاع بتدخل من أحد العمال في منصب سام بالمصالح المركزية بوزارة الداخلية، من الحصول دفعة واحدة على خمس رخص لسيارات الأجرة لبعض أفراد عائلته، والتي سيتم تسليمها لهم خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وبعد سماع علال بأن هناك رخص طاكسي سيتم تسليمها لأفراد من عائلة صادق، أظهر له بأنه مهتم بالأمر. فاقترح عليه هذا الأخير على الفور إيجارها لمدة 8 سنوات، بمبلغ 80 ألف درهم لكل واحدة إن كانت له رغبة في ذلك.
لم يتردد علال في الموافقة على هذه الهمزة. لأنه كان يعلم علم اليقين بأن هذا السعر أقل بكثير من المبلغ الذي يقدم كـ”حلاوة” الجاري به العمل في هذه السوق المثمرة. ومن تم قرر اقتناء الرخص الخمسة لحسابه. وسجل رقم هاتف صادق، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن مضايقته ليسأله أين هي المؤذونيات. لكن صادق كان يوصيه في كل مرة بالمزيد من الصبر!.
الحذر قبل التوقيع
وفي24 فبراير، توصل علال بمكالمة هاتفية من صادق، يبلغه فيها أنه، حسب صديقه العامل، فإن الرخص المعنية بالأمر سلمت أخيرا في الرباط. ويرى أنه من المفيد أن يذكره لأن هناك إجراءات يجب إتباعها، ولكن – إذا أراد أن يضرب الحديد محدو سخون – فيجب عليه الإسراع بتوقيع العقود.
مرة أخرى، لم يتردد علال في الموافقة على اقتراح صادق. ليطلب منه هذا الأخير لقاءه عند مدخل المقاطعة الحضرية بأكدال، مصحوبا ببطاقته الوطنية. فهرع علال إلى مقابلته على الفور.
ومرة هناك، استقبله صادق وقال له “إن المستفيدة من رخصة النقل هي إحدى أقاربه، وقد وقعت للتو على عقد الإيجار، الذي كتبته بنفسي، قبل أن تذهب, وأن تصحيح الإمضاءات في انتظاره.
وبعد هذه الخطوة شعر علال بفرحة عارمة تغمره بعد أن بات متيقنا بأن الصفقة أصبحت في جيبه، فخرج في انتظار توقيع مندوب رئيس المجلس الجماعي بدوره على العقد. وبعد مرور بضع دقائق، خرج ثانية صادق من مقر المقاطعة. فمده علال بمبلغ 80 ألف درهم المتفق عليها، كما مده بملغ 12 ألف درهم كمقدم إيجار، وتسلم أخيرا الوثيقة الأصلية، حيث يمكن أن يقرأها في وقت ﻻحق وهو مرتاح البال.
ويتعلق الأمر بعقد إيجار رخصة سيارة أجرة من النوع الثاني، بينه وبين المسماة (سكيف. د. زهرة)، لمدة 8 سنوات، مع أقساط شهرية حددت في 2000 درهم، إذ تم أداء 6 أشهر كمقدم أقساط. لكن مبلغ 80 ألف درهم لم يتم تضمينه في العقد، إلا أن علال لم يكترث بالأمر لأنه جرت العادة أن ل”حلاوة” تدفع تحت الطاولة. وليس لديه بالتالي ذرة من الشك على نزاهة صادق، لأنه ليس من طينة أولئك المحتالين الذين باتت تعج بهم المهنة، كما أنه أحد كبار المسؤولين الإداريين في الولاية، ومعروف لدى الجميع، وبالتالي لن يخاطر أبدا في الاصطياد في الماء العكر، بل أكثر من ذلك كتب العقد بيده من أجل المزيد من الأمان.
وبعد مرور فترة قصيرة على تسلم علال العقد الأول، سلمه أيضا عقود الرخص الأربعة الأخرى على التوالي في 28 فبراير، و8 مارس، و4 و 17 ماي. وكانت العقود دائما مكتوبة بخط يد صادق، وختم عقود الإيجار بين (علال.ه) وأربع نساء أخريات. وفي كل مرة، كان علال يقدم مبلغ 80 ألف درهم إلى صادق، ويقول له هذا الأخير بأنه سيتكلف بتسليم تلك المبالغ إلى المعنيات بالأمر، وجميعهن أفراد من عائلته، واللاتي وقعن بالفعل، وذهبن بمجرد وصوله إلى المقاطعة الحضرية.
وبتسلم علال العقود الخمسة، يكون بذلك قد سلم إلى صادق ما مجموعه 400 ألف درهم، بالإضافة إلى 12 ألف درهم كمقدم أقساط ستة أشهر على سبيل الإيجار عن كل عقد.
وعلى الرغم من ذلك يبدو على علال الإحساس بالرضا. ولم لا وقد حصل على جميع الرخص التي وعده بها صادق.
وبعد أن تيقن من أن العقود باتت في جيبه، بدأ ينتظر على أحر من الجمر وصول المؤذونيات الموعودة إلى الرباط، لاسيما وأن لديه ثقة كاملة في صادق، الذي كان يطمئنه بأن المؤذونيات سوف ترسل قريبا إلى الولاية، وأن صديقه العامل الرباطي يسهر شخصيا على ذلك.
في انتظار المؤذونيات
وفي الشهر التالي، عرض صادق اقتراحا مغريا على علال. حيث أخبره بأن لديه شقيقة تمتلك وكالة أسفار في الدار البيضاء، وأنها تتوفر على تأشيرتين (VIP) مقبولتين من قبل السفارة السعودية في الرباط، ويتعلق الأمر بالتأشيرات التي تحمل اسم “زيارة مجاملة”، مع تكفل كامل لتكاليف السفر والإقامة، ويمكنها أن تتنازل عن التأشيرتين مقابل مبلغ 140 ألف درهم إن كانت له رغبة في ذلك.
وبما أن علال وزوجته كانا على استعداد لأداء فري٠٠ضة الحج، فإنه وافق على العرض المقدم من قبل صادق. فسلمه بالإضافة إلى المبلغ المطلوب جواز سفره وجواز سفر زوجته. وأخبره صادق بأن الرحلة مقررة في 31 أكتوبر وأكد له انه سيستقبلهما شخصيا في مطار محمد الخامس في الدار البيضاء، مع جوازات السفر وتذكرتي الطائرة. وبعد أن أجرى علال وزوجته التلقيحات المطلوبة، سافرا الزوجين إلى الدار البيضاء، ولكنهما لم يجدا صادق في انتظارهما بالمطار. ولما اتصل علال هاتفيا بصادق، رد عليه هذا الأخير بان هناك “مشكل فني”، وأنه يقوم بتسويته مع مسؤول رفيع المستوى في وزارة الأوقاف. وأكد له في النهاية، بأنه تم تأجيل الرحلة إلى 3 نونبر.
لكن الزوجين لم يجدا صادق في انتظارهما بالمطار في ذلك التاريخ أيضا، فذهبا لكي يتأكدا بأنفسهما لدى شباك المصلحة المكلفة بالمسافرين من الحجاج. وهناك أصيبا بالصدمة! فلم تكن فقط أسماءهم غير مدرجة على قائمة أي رحلة ذاهبة إلى الديار المقدسة، بل أكثر من ذلك أن الرحلات الجوية المتوجهة إلى الحج قد تم إغلاقها.
بعد خيبة الأمل التي أصيب بها علال رفقة زوجته، عادا إلى مدينة فاس وكأن كارثة أصابتهما. حيث اتصل علال هاتفيا بصادق، لكن هذا الأخير لم يعد يرد على مكالماته منذ ذلك الحين. فذهب للبحث عنه في الولاية لكنه لم يعثر له على أثر. فتم إبلاغه بأن زوجة المعني بالأمر مريضة وهو الآن في إجازة مفتوحة. وبالمناسبة، علم علال أيضا بأن صادق ليس هو من يسلم المؤذونيات للمستفيدين، وأنه منذ بضع سنوات تم تعيينه في مديرية أخرى غير مديرية المصلحة الاقتصادية. ثم سأل عنه هنا وهناك، حتى تمكن في نهاية المطاف من تحديد عنوان منزله. لكن صادق لم يعد يقيم هناك منذ بضعة أيام. فحاول علال العثور على تعاقداته، فأدرك أن العناوين كانت وهمية. فأصابه الذهول، وأدرك في النهاية بأنه سقط ضحية عملية نصب واحتيال. وعندما تعافى من مما أصابه، سارع إلى أقرب محامي لتقديم شكاية في الموضوع.
الدافع
وبعد انصرام بضعة أيام، تم توقيف صادق بالقرب من منزل إحدى شقيقاته، حيث كان يقطن لديها، من قبل عناصر من الشرطة القضائية لفاس. ليكتشف المحققون بأن المعني بالأمر ليس لديه شيء من أناقة إطار في وزارة الداخلية، وتظهر عليه جميع علامات الاكتئاب. فالرجل الذي تم توقيفه نحيف جدا، ومهلهل الهندام ووجه شاحب وتتخلله لحية شعثاء.
وعند استجوابه، لم يكن لديه ما يجبره على الاعتراف بأنه سرق ما مجموعه 552 ألف درهم، وذلك لأن أي إرجاء لم يتم ذكره على وثيقة مقنعة، ولكنه اعترف على كل حال من تلقاء نفسه.
وقد جاء في اعترافات (علال.ه) بأنه احتال فعلا على المشتكي وزور عقود الإيجار حيث كان موضوعها خيالي تماما. وقد استغرب المحققون عندما رأوا أنه لم يدين أي شريك في مكتب تصحيح الإمضاءات بالمقاطعة الحضرية لأكدال، لكن دهشتهم تلاشت عندما شرح لهم طريقة عمله البسيطة وبشكل مثير للدهشة.
فقد كان صادق يقوم بعملية تصحيح إمضائه على عقود تحمل اسمه، وبعد ذلك يدعو ضحيته إلى القيام بالمثل على عجل، دون منحه الوقت الكافي لقراءة محتوى الوثيقة، التي بعد 25 سنة من الخدمة بكل تفان وإخلاص مزورا ونصابا. وقد كشف التحقيق أن زوجة المعني بالأمر توفيت منذ شهرين بسبب مرض نادر لم ينفع معه علاج يصيب الخلايا العصبية، وهو مرض مكلف.
وبما أن صادق كان في حاجة ماسة للمال لتغطية تكاليف استشفاء زوجته، لجأ إلى الاقتراض حتى بات يعاني من الإفراط في المديونية، وذلك على الرغم من كفاحه المستميت لسداد مستحقات الدائنين. وظل يعاني في صمت إلى اليوم الذي لقاه القدر بالمسمى علال بالقرب من حي بدر… وبالتالي، توصل المحققون إلى الجواب عن سؤالهم، وهو أن الرجل ضحى برصيده المهني في خدمة الإدارة المغربية من أجل حب زوجته…