د. الطيب حمضي: التلقيح ضد الإنفلونزا ضرورة وقائية لحماية الفئات الهشة خلال فصل الشتاء
غزلان الورزازي
مع دخول موسم الأمراض التنفسية الحادة، تتجدد الدعوات إلى الإقبال على التلقيح ضد الإنفلونزا الموسمية، باعتباره إجراء وقائيا أساسيا للحد من المضاعفات الصحية وتقليص انتقال العدوى، خاصة في صفوف الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة، من الاستهانة بخطورة الإنفلونزا الموسمية، مؤكدا أنها ليست مجرد نزلة برد قوية، بل عدوى تنفسية حادة قد تتسبب في مضاعفات خطيرة، تصل إلى الأزمات القلبية والسكتات الدماغية، وقد تؤدي إلى الوفاة.
وأوضح حمضي أن الإنفلونزا تصيب نحو مليار شخص سنويا على المستوى العالمي، وتتسبب في أكثر من خمسة ملايين حالة شديدة، وما بين 300 ألف و650 ألف وفاة كل سنة. وتتميز عن الزكام بظهور مفاجئ وحاد للأعراض، من بينها ارتفاع الحرارة إلى ما بين 38 و40 درجة، والقشعريرة والسعال الجاف والإنهاك الشديد وآلام العضلات والجسم، إلى جانب سيلان الأنف وألم الحلق، وأحيانا اضطرابات هضمية.
وأشار إلى أن خطورة الفيروس لا تقتصر على الجهاز التنفسي، إذ يمكن للاستجابة الالتهابية التي يثيرها داخل الجسم أن تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ووفق المعطيات التي أوردها، يتضاعف خطر احتشاء عضلة القلب عشر مرات خلال الأيام السبعة التالية للإصابة، كما يرتفع خطر السكتة الدماغية ثماني مرات خلال 28 يوما، فيما تزداد مخاطر قصور القلب بنسبة 20 في المائة.
الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات
وشدد الطبيب والباحث على أهمية إعطاء الأولوية للتلقيح لدى الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 65 سنة، والأطفال دون الخامسة، والمصابين بأمراض مزمنة، من قبيل السكري وارتفاع ضغط الدم والربو وقصور القلب، فضلا عن ضعاف المناعة والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من السمنة.
ورغم أن التلقيح متاح لكل شخص تجاوز عمره ستة أشهر، فإن أهميته تتضاعف بالنسبة إلى الفئات الهشة ومهنيي الصحة ومخالطي الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، بالنظر إلى دوره في الحد من انتقال العدوى.
كما نبه حمضي إلى أن اللقاح لا يناسب الرضع دون ستة أشهر، ما يجعل تلقيح المرأة الحامل إجراء مهما لحمايتها وحماية طفلها، من خلال انتقال الأجسام المضادة إليه.
فعالية اللقاح وأهمية التوقيت
وفي ما يتعلق بسلامة اللقاح وفعاليته، أكد حمضي أن لقاح الإنفلونزا استعمل على نطاق واسع لنحو 80 عاما، مع إعطاء مليارات الجرعات، مشيرا إلى أن نسبة الحماية من الإصابة تتراوح بين 50 و90 في المائة، بحسب مدى تطابق السلالات الفيروسية وحالة الجهاز المناعي.
وأضاف أن التلقيح يساهم في تقليل الحالات الشديدة بنسب تتراوح بين 30 و80 في المائة، كما يخفض الوفيات لدى كبار السن بنسب تتراوح بين 50 و80 في المائة. وتعمل منظمة الصحة العالمية على تحديث تركيبة اللقاح سنويا لمواكبة التحورات التي تعرفها السلالات الفيروسية.
وبخصوص التوقيت، أوضح أن الجسم يحتاج إلى نحو أسبوعين بعد أخذ الجرعة لتكوين حماية مثلى، ما يجعل شهري أكتوبر ونونبر الفترة الأنسب للتلقيح، قبل بلوغ موسم الإنفلونزا ذروته.
الإنفلونزا في المغرب.. عبء صحي متجدد
وعلى المستوى الوطني، أشار حمضي إلى أن الإنفلونزا تصيب سنويا ما بين 15 و20 في المائة من سكان المغرب، وتتسبب في ارتفاع الضغط على عيادات الأطباء وأقسام المستعجلات خلال الفصل البارد.
وسجل أن موسم 2025-2026 عرف بداية مبكرة وشديدة، موضحا أن الأطفال دون الخامسة يمثلون نحو 30 في المائة من حالات الاستشفاء بسبب العدوى التنفسية الحادة الوخيمة، بينما تشكل الفئة العمرية من 50 إلى 65 سنة فما فوق، إلى جانب الأشخاص المصابين بأمراض مصاحبة، نحو 55 في المائة من حالات الاستشفاء.
الشباب مسؤولون عن حماية محيطهم
ولفت حمضي إلى أن الشباب الأصحاء يتعافون غالبا من الإنفلونزا خلال سبعة إلى عشرة أيام، غير أن ذلك لا يعني أن المرض بسيط أو خال من المخاطر، إذ قد يتسبب في الغياب عن الدراسة والعمل لمدة أسبوع أو أكثر.
وأكد أن الشباب المصابين يمكن أن يتحولوا إلى مصدر لنقل العدوى، خصوصا إلى كبار السن والأشخاص ضعيفي المناعة داخل أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، ما يجعل التلقيح واحترام تدابير الوقاية مسؤولية تضامنية تتجاوز الحماية الفردية.
لماذا تنتشر الإنفلونزا أكثر في فصل البرد؟
وأرجع حمضي ارتفاع انتقال العدوى خلال الخريف والشتاء إلى مجموعة من العوامل، أبرزها قضاء وقت أطول داخل أماكن مغلقة ومزدحمة وضعيفة التهوية، فضلا عن تأثير درجات الحرارة المنخفضة على دفاعات الجسم والأغشية المخاطية للأنف والحلق والرئتين.
كما تتيح الظروف الباردة للفيروسات البقاء مدة أطول في الهواء وعلى الأسطح، ما يرفع فرص انتقالها بين الأشخاص.
وخلص حمضي إلى أن مواجهة الإنفلونزا الموسمية تتطلب الجمع بين التلقيح والمواظبة على نظافة اليدين، وتجنب المخالطة اللصيقة عند ظهور الأعراض، مؤكدا أن حماية المحيطين تبدأ باتخاذ الفرد التدابير اللازمة لحماية نفسه.