الاستبداد والمعارضة في المغارب
بقلم: عبد القادر الشاوي
من مظاهر الاستبداد التي تُصاغ وتُعْلَن بحدّة ورعونة في وجه المعارضين والمنتقدين للممارسة السياسية، وغير السياسية، في مختلف مجتمعات الدول المغاربية، قول الحاكمين إنّ التعبير عن الموقف، الذي غالباً ما يكون إدانة لسلوك شائن أو انتقاداً لممارسة اعتباطية خارقة للحق، أو لتشريع منافٍ لأسلوب العمل الديمقراطي… إلخ، إنه تدخّل خارجي سافر لبعض الدول والمنظمات المختلفة في الشؤون الداخلية للبلد المقصود.
وغالباً ما يتعلق أمر هذا التدخل في عامة الأوضاع المرتبطة بحقوق الإنسان، ونظام سَيْرِ وَنَظَرِ العدالة في بعض القضايا ذات الطبيعة السياسية أو الصحافية الإعلامية، وبطبيعة الاستغلال المفروض بسياسة السوق وشراستها، ونادراً ما يتعلق الأمر بالاختيارات الكبرى التي هي في أساس (وطبيعة) النظام الحاكم المسؤول دستورياً وقانونياً وسياسياً واقتصادياً وإيديولوجياً انطلاقاً من القوة والسيادة، بحكم السيطرة الفعلية أصلاً، على الدولة التاريخية المتحققة التي يسود فيها.
يُبَيّن تطور مجمل هذه الأوضاع، في علاقة بما يوجّه إليها من نقد أو إدانة، أن التطورات التكنولوجية المختلفة، وخصوصاً على مستوى الشبكات الاجتماعية التي أصبح فيها الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المذهلة مؤذناً بتحولاتٍ كثيرة سيكون من الصعب السيطرة عليها بطريقة تقليدية، ستزيد، بصورة فعالة، في تطوير (وتقوية) مختلف الآليات الساعية إلى إحكام الوضعية بطرق مختلفة لا علاقة لها، إلّا في الحالات الاستثنائية، بأخرياتٍ كانت في المراحل السابقة مرتبطةً بالاستبداد وصيغ التحكم المختلفة (القمع المباشر، الريع، المحاصرة وشق الصفوف، المال والوظيفة، الأرض والاستثمار،…). والأهم أن الاستعمال العام لمختلف أشكال الذكاء الاصطناعي في جميع الميادين، وخصوصاً من الفئات الاجتماعية المقصية والمهمشة إن استطاعت إلى ذلك مالاً وسبيلاً، سيكون دون المستوى المطلوب لفرضية الاستغلال المُجزي للإمكانات التي يتيحها في أيٍّ من مجالات التطور على صعيد المجتمع، ولا في علاقة بالنتائج الممكنة، وقد تكون باهرة كما هو الحال في ميادين الطب والتعليم والمعرفة عامّة؛ فالمستوى الثقافي المرتبط بالتعليم والتكوين والحصول على المعلومة في علاقته المباشرة بالازدهار الاقتصادي، وازدهار الحياة المعيشية لأوسع الفئات الاجتماعية بصفة خاصة، تحدّد وتفعل كذلك في مختلف الأدوات والوسائط، وقبله في الاختيار النابع من تصور ديمقراطي لحياة الناس ولحكم المجتمعات والأبنية التي يوجدون فيها، والوسائل التي يستخدمونها لتغيير أوضاع معاشهم.
على أنّ المشكل الجوهري الذي يحيط بهذا ويشكله، تبعاً للتصورات والخطط التي تعدها وترسمها الأجهزة الدولتية، مخابرات وأجهزة إدارية ومؤسّسات عسكرية، أنّ النظم القائمة والحاكمة في البلدان المغاربية جميعها ليست ديمقراطية، بل استبدادية وتحكمية ودينية أيضاً بحكم المنصوص عليه في الدساتير المسطورة، وكذا في كثير من التصورات وأساليب المعاملات الراسخة في البنيات الفكرية والذهنية المنتشرة في التدين الشعبي على نطاق واسع. يعزّز هذا مختلف السلط النافذة والمتنفذة في المجتمعات المغاربية التي تستند في كثير من أوضاعها وحالاتها إلى تراثٍ راسخٍ من التحكم والزبونية والإقصاء وسواها من “متطلبات” الهيمنة الإيديولوجية التي تؤثر بعمق عن طريق القنوات والوسائط المناسبة من خلال كم هائل من الخطابات الممجّدة للمحافظة والداعية إليها، بالإضافة إلى التقليد والقدرية المؤولة دينياً، فضلاً عن مواقف الدونية والأبوية المناهضة لقيم التحرّر والاختلاف والتنوع.
الاستخدام التكنولوجي في صياغة أساليب التحكم الاستبدادي هو النمط المعتمد في تصريف الشؤون العامة، بين قمع الحريات، وتهذيب الاستغلال، والإيحاء بالمستقبل الزاهر في دولة الرخاء الوطني الشوفيني
رأيي في هذا الخصوص أنّ الأوضاع العمومية السائدة اليوم، في مختلف الدول المغاربية، تترابط في ما بينها بروابط سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة، فلا تتشابه فحسب، بل تتماثل في جوانب أساسية يمكن اعتبارها بمثابة الطبيعة الأساسية التي تتحكم في التطور وترسم الاختيارات المستقبلية في عالم متحوّل، وهي التي جعلت من استبدادها نظاماً للتحكّم المطلق في تطوّر شعوبها ومستقبلها، مع العلم بأنّ التبريرات المختلفة التي تُزَيّن الأوضاع القائمة هي من صميم الأوضاع العامة التي ترعاها، ولطبيعة الاختيارات التي بلورتها ووضعتها خارج كل استشارة شعبية أو دستورية موضع التطبيق الذي لا مردودية له، كما أنه يخضع جوهرياً للتبعية التي تتحكّم في بنياتها الاقتصادية الاستغلالية المتخلفة، وطبيعة التمويل، وقروض الدول والصناديق المانحة على الصعيد العالمي لتنفيذ مشاريعها.
قصدي أن أوضح هنا أنّ الاختلافات التقليدية المرتبطة بطبيعة النظام السياسي، في البلدان المغاربية، تتطابق، إلى حد كبير، في منظوراتها الإيديولوجية السلطوية المتحكّمة في الاختيارات التي ترسم أهم السياسات المنتهجة في المجتمعات المغاربية في مجالات متنوعة لها علاقة بالتعليم والصحة والحقوق والحريات وتوزيع الخيرات الوطنية وسواها. وربما كان الاستدلال البارز على هذا، من الوجهة الديمقراطية، أوضاع الحرّيات، وأساليب التحكّم المستخدمة في جميع المجالات المتعلقة، من جانب، بحياة المواطنين في المجتمع، وكذا معطيات (وبيانات) التقارير الأممية وتقارير المنظمات الدولية المهتمة، من جانب ثانٍ، بحقوق الإنسان والتنمية البشرية ومستويات الأمية وغيرها من الناحية.
السؤال الذي يُثار عادة في تقرير وتقدير حقيقة زَوجَيْ الاختلاف والتطابق السائدَين في الدولة المغاربية هو الذي يصاغ عادة في علاقة بالشرعية التاريخية والسياسية لارتباطهما بمفهوم السلطة وطبيعة النظام الحاكم. ولا ينتقل الموضوع هنا إلى الصيغة الدستورية، التي يمكن أن تثار بالنسبة إلى السلطة الديمقراطية إن وجدت، بل إلى الصيغة السياسية التنفيذية بوصفها التعبير المباشر عن الاستبداد الممارس بديلاً لأي اختيار آخر، لأنه أنجع وسيلة لضمان الاستقرار وقهر المواطنين أو استجداء شعورهم الوطني بشتى وسائل الإغراء والريع وشراء الذمم.
بنية الاستبداد متغيّرة ومتحوّلة، وقد نجد من بين أساليبها صيغاً اعتمدت اختيارات إصلاحية بنيت على ضرورة التغيير الشامل، أو الجزئي، للمجتمعات
معنى هذا أنّ الشرعية لا تكون مع الاستبداد، وما يحلّله الدين أو يؤكّده الشرع لتبرير أيٍّ من أوضاع التحكّم، أو الخرق، أو الاستغلال، لا يستقيم في الحياة الديمقراطية التي تبنى على مقومات السيادة الشعبية في المجمل، كما أنّ معناه يفيد في تأكيد أنّ بنية الاستبداد في المجتمعات المغاربية لا علاقة لها بطبيعة النظام، ملكياً كان أو جمهورياً، بل إنها حسب معيار الاختيار طبقية بُنِيّت في سياق الصراع الاجتماعي الذي نتج عن الاستقلالات الوطنية، ثم تأبدت في البنيات الاقتصادية والاجتماعية الداعمة لها.
من الحق أن نعترف أنّ بنية الاستبداد متغيّرة ومتحوّلة، وقد نجد من بين أساليبها صيغاً اعتمدت اختيارات إصلاحية بنيت على ضرورة التغيير الشامل، أو الجزئي، للمجتمعات التي قامت وسيطرت فيها، ولكن الصفة المستمدّة من مبادئها الدستورية والمحكومة بترسانتها القانونية ونظام عدالتها، ومستوى تطور الشعب والبنيات العامة التي تحيط بوجوده في المجتمع، لا تتغير ولا تلين ولا تتبدل، أي أنّ العناصر التي تقوم عليها وتستند إليها في الممارسة والسلوك مرتبطة أصلاً بالطبيعة التي للاستبداد بوصفه نظاماً للحكم وللتحكم.
طافت بالبلدان المغاربية، منذ فترة الاستقلالات الوطنية، متغيّرات استراتيجية كبرى مثلت، في نطاق الحرب الباردة وخفوت سطوة العقائد الكبرى التي تحكّمت في مختلف الصراعات الدولية، منعطفاً بارزاً ألزمتها باختياراتٍ جوهريةٍ حاسمة، اشتراكية، رأسمالية تبعية، وسطى تبريرية، وفرضت عليها ظروفاً وأوضاعاً فعلية من خلال التحالفات التي كانت ملزمة بالتعاقد معها. والواضح أن المنعكسات العامة التي كانت لتلك المتغيّرات، على الصعيدَين الإقليمي والمحلي، حوّلت معها، بالتفاعل، مختلف القوى التي ارتبطت بهذا الاختيار أو ذاك، وبصورة خاصّة تلك القوى الطامحة إلى بناء الدولة الوطنية الحاملة لأشواق الطبقة الوسطى، إلى سلطة متنفذة عمادُها الاستغلال الاقتصادي من خلال السوق، والتحكم السياسي من خلال الاستبداد، بالرأي وبالفعل، لقتل مختلف المعارضات الناهضة، فردية وفئوية، والإخضاع العام الذي هو البناء الفعلي الذي ينهض عليه الاستقرار الموهوم في دول المغارب. ومن يحلّل اليوم “الأوضاع الانتقالية” القائمة في هذه الدول، وخصوصاً بعد الهبّات الاجتماعية والسياسية التي خلخلت الأوضاع، وهدّدت السلطات، وغيرت الأولويات على مستوى الوعي والاختيار والأسلوب في جميع الميادين، يدرك، على الأرجح، أنّ الاستخدام التكنولوجي في صياغة أساليب التحكم الاستبدادي هو النمط المعتمد في تصريف الشؤون العامة، بين قمع الحريات، وتهذيب الاستغلال، والإيحاء بالمستقبل الزاهر في دولة الرخاء الوطني الشوفيني.
*ناقد، كاتب، روائي ودبلوماسي مغربي
عن “العربي الجديد”